بعد محكمة نورنبيرج وطوكيو التي تأسست لمعاقبة الجرائم التي اتُّهمت بها الأطراف التي خسرت الحرب العالمية الثانية؛ شهدت الساحة العالمية تحركات حثيثة لإنشاء محكمة دولية للنظر في الجرائم ضد الإنسانية، وقامت لجنة خاصة بطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقديم مسودتين لنظام المحكمة الجنائية في مطلع الخمسينيات، لكنها حفظت على الرف تحت وطأة الحرب الباردة التي جعلت تأسيس المحكمة من الناحية السياسية أمرًا محالاً.
وسعت دولة ترينيداد وتوباجو بأمريكا الجنوبية إلى إحياء الفكرة عام 1989م عندما اقترحت إنشاء محكمة دائمة للنظر في تجارة المخدرات، وأثناء ذلك تشكلت المحكمة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا 1993م، وأخرى خاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا 1994م، في إطار دفع مزيد من الجهود لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية.
وفي عام 1998م أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية بأغلبية 120 صوتًا مقابل 7 وامتناع 21 عن التصويت حيث رفضته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والصين والعراق وقطر وليبيا واليمن!.
وتحول القانون إلى معاهدة ملزمة مع توقيع الدولة رقم 60 ومصداقتها عليه، وهو الحدث الذي تم الاحتفال به في 11 أبريل 2002م؛ حيث تقدمت عشر دول بقرارات مصادقتها على القانون دفعة واحدة مما رفع عدد الدول المصادقة إلى 66 فورًا.
وظهرت المحكمة إلى الوجود بصفة قانونية في الأول من يوليو 2002م، ولكن على شرط أنه لا يمكنها النظر في الجرائم المرتكبة قبل ذلك بسبب أن محاسبتها بدأت بعد دخول قانون روما للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ في 2002م.
![]() |
|
عمر البشير بين مناصريه بعد صدور قرار الجنائية الدولية |
وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية خارج منظومة الأمم المتحدة، وهي مكملة للمحاكم الوطنية غير القادرة أو غير الراغبة في مقاضاة مرتكبي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ويقع المقر الرئيس للمحكمة في هولندا، لكنها قادرة على تنفيذ إجراءاتها في أي مكان، وقد يخلط البعض ما بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والتي تُدعى اختصارًا في بعض الأحيان المحكمة الدولية (وهي ذراع تابعة للأمم المتحدة تهدف لحل النزاعات بين الدول)؛ حيث إنهما نظامان قضائيان منفصلان.
وتسعى المحكمة- بحسب بياناتها المنمقة- إلى وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة وملاحقة مجرمي الحرب ومرتكبي الفظائع بحق الإنسانية، وجرائم إبادة الجنس البشري، وتقول عن نفسها إن لها قدرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء ولكنها فشلت حتى الآن في ممارسة دورها فيما يخص جرائم الاحتلال الصهيوني لوجود معايير مزدوجة بحسب المراقبين.
وقد فتحت المحكمة الجنائية تحقيقات في أربع قضايا وهي: أوغندا الشمالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجمهورية الأفريقية الوسطى ودارفور، كما أنها أصدرت 9 مذكرات اعتقال وتحتجز اثنين مشبهًا بهما ينتظران المحاكمة.
وبلغ عدد الدول الموقعة على قانون إنشاء المحكمة 105 دول حتى نوفمبر 2007م، وقد وقعت 41 دولة أخرى على قانون روما لكنها لم تصادق عليه بعد، وقد تعرضت المحكمة لانتقادات من عدد من الدول منها الصين والهند وأمريكا وروسيا، وهي من الدول التي تمتنع عن التوقيع على ميثاق المحكمة.
وفي عام 2002م سحب الكيان الصهيوني وأمريكا توقيعهما على قانون المحكمة، وأشارتا إلى أنهما لا ترغبان بعد الآن بالعضوية، وبذلك لم يعد هناك ما يحملهما على تنفيذ ما يترتب عليهما من التزامات تجاه المحكمة!!.
ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أكد في ديباجته أن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمر دون عقاب، وأنه يجب ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني، وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي!.
وشددت الدول الموقعة على أنها قد عقدت العزم على وضع حد لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وعلى الإسهام بالتالي في منع هذه الجرائم!.
