أيام قليلة تفصل العرب عن "مهرجانٍ" سياسيٍّ جديدٍ.. هو القمة الاعتيادية الحادية والعشرين للقادة العرب، والتي تنعقد هذا العام في العاصمة القطرية الدوحة في أجواء ما يشبه المصالحة بين أقطاب السياسة العربية "الفاشلة" أصلاً، بعد كارثة العدوان الصهيوني على قطاع غزة.
كما أنها تنعقد أيضًا في ظل هجمةٍ دبلوماسيةٍ غربيةٍ "غريبة" بعض الشيء على محطات لم تكن قط على تأشيرات سفر المسئولين الأمريكيين والأوروبيين إلى الشرق الأوسط، مثل غزة ودمشق، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى على تغيير البوصلة الأمريكية إزاء إيران بعد تولِّي إدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما السلطة في البيت الأبيض.
القمة سوف تواجه العديد من الملفات الجديدة، ومن بينها ملفات تُطرح للمرة الأولى على طاولة البحث أمام القادة العرب، كما أنها تأتي في ظل أجواء سياسيةٍ وأمنيةٍ جديدةٍ أنشأتها مجموعةٌ من الظروف والعوامل المستجدة، ولعل أبرزها الأجواء التي تسبَّب فيها العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة.
انقسام
فقد خلق العدوان الصهيوني على غزة انقسامًا عميقًا بالصف العربي، مع التباين الكبير الذي طرأ على المواقف العربية من الحرب، في ظل اختلاف طبيعة أيديولوجيات ومصالح الأنظمة السياسية الحاكمة، وفي ظل اختلاف طبيعة علاقاتها مع الكيان الصهيوني.
وهو انقسام يعيد إلى الأذهان ذات الموقف الذي عرفته الساحة العربية في حالتَيْن سابقتَيْن في تاريخها المعاصر؛ الأولى وقت ذهاب الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس المحتلة، وتوقيعه على اتفاق كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، والثانية الموقف إبان الغزو العراقي للكويت، واستعانة حكومات بلدان خليجية بقواتٍ أمريكيةٍ وأجنبيةٍ أخرى لإخراج الجيش العراقي من الكويت.
وقد وصلت حدَّة الأزمة بين ما يسمى بمحور الاعتدال العربي؛ المكوَّن من مصر والأردن والسعودية بجانب الإمارات والسلطة الفلسطينية في رام الله، وبين ما يُعرف بمحور الممانعة المكون من سوريا وحزب الله اللبناني وحركات المقاومة الفلسطينية المسلَّحة، والذي يجد دعمًا من إيران، إلى درجة الهجوم المباشر والشخصي، وكانت أبرز مؤشرات المعارك الإعلامية التي تم تبادلها بين القاهرة وبين الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله.
كما كان الانقسام العربي في أزمة غزة عميقًا إلى درجة انعقاد قمتَيْن عربيتَيْن في يناير الماضي، ضمت الأولى التي عُقدت في الدوحة وعرفت باسم "قمة غزة" البلدان المؤيدة لموقف المقاومة الفلسطينية خلال الحرب الأخيرة، ومن بينها السودان وسوريا، بينما ضمَّت الثانية مختلف الأطراف العربية، بما في ذلك تلك التي حضرت قمة غزة في الدوحة، باستثناء تمثيل حركة حماس، وعُقدت في الكويت باسم القمة الاقتصادية العربية الأولى.
ومع انتهاء العدوان على غزة بدأت العديد من المراجعات، ولم تكن هذه المراجعات السياسية على مستوى العالم العربي فحسب، بل كانت على مستوى العالم، وخصوصًا الموقفَيْن الأمريكي والأوروبي من ملفات الأزمة في الشرق الأوسط.
عربيًّا بدأت سلسلة من "اللقاءات" التي من المفترض أنَّها تمهِّد لسلسلةٍ أخرى من "المصالحات"، وبدأت هذه اللقاءات بنجاح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد في الجمع ما بين قادة السعودية ومصر وسوريا وقطر على هامش القمة الاقتصادية.
وربما قبل انتهاء هذه القمة انطلقت عمليتان؛ الأولى هي باستئناف الجهود العربية لتحقيق المصالحة الفلسطينية والعربية، والثانية منبثقة عنها، وكانت بغرض ما يوصَّف إعلاميًّا في بعض العواصم العربية بـ"استعادة سوريا إلى الصف العربي" من تحالفها الآني مع إيران.
ويتم ذلك- بحسب محللين- بإعطاء مؤشرات وتطمينات لسوريا بأن ضمان مصالحها يمكن أن يتم شريطة الابتعاد عن ربط نفسها بالسياسة الإيرانية، وهو للغرابة الوجه الآخر للمطالب الأمريكية من سوريا خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن؛ حيث اشترطت واشنطن على دمشق لإخراجها من "محور الشر" الأمريكي شرطَيْن؛ الأول هو الانفصال عن إيران، والثاني الكف عن دعم فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين.
المهم أنَّ محور الاعتدال العربي أعطى أكثر من مؤشر على إصراره على الشرط الإيراني، وكان أهم هذه المؤشرات الاجتماع العربي لوزراء خارجية بعض الدول؛ الذي عُقد في أبو ظبي في مطلع فبراير الماضي، والذي خُصِّص لمناقشة مستجدات المصالحة العربية وسبل سحب القضايا العربية من إيران، مع بحث الأفكار الأمريكية الجديدة الخاصة بموضوع التسوية في الشرق الأوسط، والتي حملها المبعوث الأمريكي الجديد في المنطقة السيناتور جورج ميتشل.
وشهدت العلاقات العربية السورية تطورات عديدة في ذات الإطار، ومن بينها زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى العاصمة السعودية الرياض قبل أسبوعَيْن، وتحديدًا يوم 24 فبراير 2009م، في زيارةٍ توازت مع زيارةٍ أخرى "سريعة" لساعاتٍ لأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى دمشق، وأخيرًا كانت زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم، ثم جاء الاجتماع المغلق؛ الذي ضمَّ وزراء خارجية مصر وسوريا والسعودية بالقاهرة على هامش اجتماع الدورة الجديدة لوزراء الخارجية العرب للتحضير لقمة الدوحة، وأخيرًا زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إلى دمشق، في زيارة هي الأولى له منذ ثلاث سنوات، ودعا خلالها الفيصل الرئيس السوري بشار الأسد إلى زيارة الرياض.
بالتوازي مع ذلك بدأت في القاهرة حوارات المصالحة الفلسطينية، وأسفرت جولتها الأولى عن تشكيل خمس لجان لبحث قضايا الحكومة الوطنية المرتقبة والانتخابات الرئاسية والتشريعية المقررة العام المقبل، وسبل إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير الأجهزة الأمنية الفلسطينية وغيرها من الملفات الخلافية الفلسطينية.
انفتاح
باراك أوباما

في المقابل تمر السياسة العربية بحالةٍ من الدهشة والاستغراب إزاء الانفتاح الأمريكي والأوروبي المباغت على أطراف الممانعة العربية وإيران، فالرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما دونما مداورة بدأت تعطي إشارات في شأن إمكان التواصل المباشر مع إيران، مع اهتمام الرئيس الأمريكي بملف أفغانستان، ومكافحة ما يسمى بـ"الإرهاب"، في المقابل بدأت وفودٌ برلمانيةٌ وسياسيةٌ عديدةٌ من أوروبا والولايات المتحدة في سلسلةٍ من الزيارات التي وُصفت بأنها "للاستطلاع وجس النبض" إلى كلٍّ من دمشق وغزة.
ففي فبراير وحده شهدت دمشق زيارة أربعة وفود برلمانية أمريكية، من بينها زيارتَان متزامنتَان قام بهما رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور جون كيري، ونظيره في مجلس النواب هاوارد بيرمان، ثم كانت لقاءات بين مسئولين من الخارجية السورية مع نظراء أمريكيين لهم، وتوِّجت بلقاء الوزير المعلم مع مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط بالوكالة جيفري فيلتمان.
أما غزة فقد شهدت سلسلة من الزيارات المتلاحقة قام بها كيري وخافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسات الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي وتوني بلير مبعوث اللجنة الرباعية الدولية في المنطقة.
كان الانفتاح الغربي على سوريا وغزة أحد العوامل التي قادت إلى تسريع وتيرة الاتصالات العربية في "محور الاعتدال" مع دمشق، والتي فسَّرها المراقبون على أنَّها محاولة غربية لاستثمار نتيجة الحرب العدوانية الأخيرة التي شنَّها الكيان الصهيوني على قطاع غزة، على غرار الكيفية التي تم بها تطويع جبهة جنوب لبنان بعد حرب الصيف في العام 2006م.
وهناك آفةٌ مزمنةٌ في السياسة العربية، وهي عدم القدرة على الاستثمار السياسي لأي انتصارٍ عسكريٍّ ينجزونه، ففي حالة حرب رمضان (أكتوبر 1973م) وقَّعت مصر على "اتفاق أبدي" للسلام مع الكيان الصهيوني، رغم الانتصار العسكري الكبير الذي حققته الجبهة المصرية في الحرب، وفي حالة حرب الصيف 2006م انتهى الوضع السياسي إلى قتل جبهة جنوب لبنان في مواجهة الكيان الصهيوني، بالرغم مما تحقق من انتصارٍ عسكريٍّ بيِّنٍّ لحزب الله اللبناني على الكيان.
والآن ذات اللعبة تجري مع حماس ودمشق؛ التهدئة على جبهة غزة، على غرار سيناء وجنوب لبنان مقابل كسر العزلة، وإعادة العلاقات وبضعة مليارات من الدولارات، وهو فخٌّ لم تقع فيه حماس للآن، ولا يبدو أنَّها سوف تقع فيه، وساعدها على ذلك عاملٌ شديد الأهمية، وهو نتيجة الانتخابات العامة الصهيونية التي جرت في العاشر من فبراير الماضي، والتي أفرزت تكليف زعيم حزب الليكود اليميني المتطرف بنيامين نيتانياهو بتشكيل الحكومة، مع حصول اليمين الديني والقومي الصهيوني على 65 مقعدًا من مقاعد الكنيست البالغة 120!!.
وهو ما يعني أنَّ أيَّة محاولاتٍ للضحك على حماس لن تُجدي، مع وضوح برنامج نيتانياهو، وبدء الكيان الصهيوني في تدعيم إجراءات تهويد القدس المحتلة، ومضاعفة أعداد المغتصبين اليهود في المدينة وفي الضفة الغربية بأسرها.
البشير
مأزق آخر ينتظر القمة العربية، وهي كيف ستتعامل مع حالة الرئيس السوداني عمر البشير بعد صدور المذكرة الأخيرة باعتقاله من المحكمة الجنائية الدولية، بتهمٍ تتعلق بارتكاب جرائم حربٍ وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور.
مذكرة التوقيف تدعو دول العالم- وخاصةً الدول الأعضاء في ميثاق روما المؤسس للمحكمة- إلى التعاون معها في موضوع اعتقال البشير، وهو ما قاله المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو قبيل صدور المذكرة بأيامٍ، وهو أنَّ البشير سوف يعتقل فور مغادرته السودان، بل إنَّ مذكرة الاعتقال تدعو قوات الأمم المتحدة في السودان إلى لعب دورٍ في القبض عليه!.
المشكلة هنا أنَّ المحكمة الجنائية الدولية تستعين بسلطة مجلس الأمن الدولي في سبيل تنفيذ مذكرة الاعتقال، وهو ما قد ينقل الأزمة إلى آفاقٍ أبعد، تلزم الدول العربية بتسليم البشير متى قام بزيارةٍ إلى أيٍّ منها، ومع استبعاد قيام قطر بذلك إذا ما حضر البشير قمة الدوحة، فإنَّ أزمةً جديدةً ستطرأ على العلاقات العربية مع الغرب.
كما أنَّ موقف القادة العرب سيكون شديد الحرج أمام الرأي العام العربي إذا ما أقدمت المحكمة الجنائية الدولية على الاستعانة بالقوة المسلَّحة لاعتراض طائرة البشير خلال انتقاله إلى الدوحة جوًّا لحضور القمة.
هذا الملف شديد الحساسية، وهو أحد معايير وعناوين الفشل العربي، فوزراء الخارجية العرب الذين استجابوا للمطالب الأمريكية والغربية فيما يخص القرار رقم (1860) الخاص بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، لم يستطيعوا إقناع مجلس الأمن الدولي الذي أحال قضية البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية لوقف إجراءات صدور مذكرة اعتقال البشير لمدة عام.
كما أنَّ الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب الذي عقدوه قبل يومَيْن من صدور المذكرة أظهر موقفًا عربيًّا ملتبسًا من قضية اعتقال البشير، فالوزراء العرب "تعاطفوا" مع موقف الرئيس السوداني، إلا أنَّهم طالبوه بالاستجابة لبعض المطالب الغربية في شأن مذكرة دارفور، مثل محاكمة بعض المسئولين السودانيين عما يجري في دارفور أمام محاكم سودانية، وهو ما أقدم عليه السودان قبل أشهرٍ بالفعل.
إذن يدخل العرب قمة الدوحة بعلاقاتٍ إما مأزومة أو ملتبسة، وبملفٍّ شائكٍ، هو ملف البشير، لم يستطيعوا التعامل معه، ومن هنا سوف يكون الحديث عن الكيفية التي سوف يتعامل بها القادة العرب مع قضايا الصومال أو العراق أو غيرها من القضايا التي باتت بندًا تقليديًّا على أجندة القمم العربية ضربًا من ضروب الخيال!.