انشغلت العديد من الأوساط السياسية والإعلامية في الداخل والخارج في الآونة الأخيرة بالحديث عن الحكومة المقبلة في الكيان الصهيوني التي يعكف رئيس الوزراء المكلف، وزعيم حزب الليكود اليميني المتطرف بنيامين نتنياهو حاليًّا على صبغها بكل ألوان الطيف اليميني الأسود في الكيان الصهيوني.
وكانت زوايا التناول محصورةً في عددٍ من القضايا، من بينها مسألة توزير زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" المتطرف أفيجدور ليبرمان، عدو مصر والعرب الأول الآن في الكيان الصهيوني- ولذلك هو نجمٌ سياسيٌّ لامعٌ- وإعطائه منصب وزير الخارجية في الحكومة المقبلة، وما أثاره ذلك في شأن احتمالات تعقد علاقات القاهرة مع الكيان الصهيوني، المتوترة أصلاً بسبب إحراج تل أبيب المتزايد لمصر الرسمية في ملفات التهدئة وتبادل الأسرى مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
كما انشغلت أوساط المراقبين في الآونة الأخيرة بموقف نتنياهو وحكومة اليمين التي يشكلها الآن من قضايا التفاوض مع الفلسطينيين والسوريين، بما في ذلك قضية الاستيطان في القدس والضفة الغربية المحتلتَيْن، وما تثيره المواقف المبدئية التي أعلن عنها نتنياهو في هذا الشأن من احتمالات صدامٍ مع الأمريكيين الذين تبدلت اتجاهات الريح قليلاً لديهم في أول أشهر لتولي الرئيس الجديد باراك أوباما؛ الذي أبدى رغبةً كبيرةً في تحسين علاقاته مع سوريا والانفتاح على قطاع غزة، بكل مَن فيه.
وهو ما اتضح في زيارات الوفود البرلمانية والسياسية الأمريكية والأوروبية الأخيرة إلى كلٍّ من سوريا وقطاع غزة عقب العدوان الصهيوني الأخير على القطاع، والذي أدَّى إلى استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني وإصابة أكثر من 5200، وتدمير أكثر من 16 ألف منزلٍ تدميرًا جزئيًّا وكليًّا.
بالإضافة إلى توترات الموقف بين الطرفَيْن حاليًّا فيما يخص الاستيطان في القدس؛ حيث نقلت أوساط دبلوماسية صهيونية عن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ما وصفوه بـ"غضب واشنطن" من قيام البلدية الصهيونية لمدينة القدس بهدم منازل فلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، وتحذيرها من أنَّ هذه المشكلة قد تصبح إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الإدارة الأمريكية الجديدة والحكومة الصهيونية المقبلة برئاسة نتنياهو.
صحيح أنَّه لا أحد يتصور خلافًا حادًّا بين الجانبَيْن، الصهيوني والأمريكي في الملفَيْن السوري والفلسطيني، أو تغييرًا أمريكيًّا في المواقف يجبر الكيان على تبديل سياساته، إلا أنَّها كلها قضايا شغلت الرأي العام العربي المحلي والخارجي على حدٍّ سواء في الأسابيع الأخيرة.
إلا أنَّه على الجانب الآخر، لا نجد من بين التقارير التي يتم تداولها الكثير حول واقع عرب الـ48 في فلسطين المحتلة، سواءً فيما بعد الانتخابات الصهيونية الأخيرة التي جرت في العاشر من شهر فبراير الماضي، وآفاقها بعد تشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة.
المزيد من التطرف
امرأة من عرب 48 تقف وسط منزلها الذي طاله اعتداءات الصهاينة

وفي هذا الإطار أصدر مركز "مساواة" العربي المعني بحقوق الإنسان في فلسطين المحتلة عام 1948م، نهاية الأسبوع الماضي، تقريرًا رصد فيه ارتفاع وتيرة الاعتداءات التي تستهدف العرب في الكيان الصهيوني بشكلٍ كبيرٍ منذ يناير الماضي.
وبحسب تقرير المركز، فإنَّ هناك 250 حادث اعتداء وقعت بحق عرب الداخل/ منذ أول يناير مقابل 166 حادثًا طوال عام 2008م بأكمله، وهو ارتفاعٌ مخيفٌ لا يفسره سوى وجود أجواءٍ عامةٍ في الكيان الصهيوني عدائية ضد أصحاب الأرض الأصليين، ويؤكد أنَّ التصريحات التي سبق أنْ أصدرتها وزيرة الخارجية في الحكومة الصهيونية المنصرفة تسيبي ليفني العام الماضي وكذلك أفيجدور ليبرمان، وأكثر من سياسيٍّ صهيونيٍّ آخر فيما يخص تهجير فلسطينيي الداخل إلى خارج فلسطين القديمة.
وتلعب الاعتبارات العنصرية المتطرفة وكذلك المخاوف الجدية الصهيونية من القنبلة الديموجرافية العربية في الداخل، والمرجح لها أنْ تنفجر في فترة ربع القرن القادم، الدور الرئيسي وراء تنامي هذه الحالة من العدائية ضد عرب الداخل، ولعلَّ في أحداث عكا الدموية التي جرت وقائعها في أكتوبر الماضي، ما يشير إلى طبيعة الأوضاع المتفجرة التي يواجهها عرب الداخل، والتي تنامت حدتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة.
وأوضح التقرير أنَّ "هذه الاعتداءات الجسدية والكلامية تضاعفت أساسًا في المدن المختلطة السكان من اليهود والعرب"، ومن بينها عكا واللد والرملة ويافا، ووفق تقديرات مراقبين، فإنَّ ذلك الوضع جاء بسبب رئيسي وهو تركيز برامج المرشحين في الانتخابات الأخيرة على معاداة العرب، وهو ما اعتبر بمثابة ضوءٍ أخضر للاعتداء عليهم.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية (أ. ف. ب) عن المحامي الفلسطيني نضال عثمان أحد ممثلي مركز "مساواة" قوله: "إنَّ هذه الزيادة في الحوادث التي تدل على عنصرية معادية للعرب، مرتبطة على ما يبدو بحملة انتخابات 10 فبراير، التي عزف خلالها عدد من المرشحين على وتر معاداة العرب، مقدمين بذلك تقريبًا الضوء الأخضر لهذه الاعتداءات".
وركَّز التقرير الخاص بـ"مساواة" في هذا الإطار، على الحملة الانتخابية لأفيجدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، والذي جاء ثالثًا في الانتخابات بعد فوزه بـ15 مقعدًا من مقاعد الكنيست البالغة 120 مقعدًا؛ حيث إنَّ حملته كانت الأسوأ ضد الأقلية العربية، فهو رفع شعار "لا مواطنة بدون ولاء للدولة"، كما عرض التقرير أيضًا صورًا لنائبٍ صهيونيٍّ متطرفٍ طلب تصويره قبل انتخابه، وهو يحمل بيديه ثعابين يفترض أنَّها ترمز لـ"الأعداء" من عرب الداخل.
وتقر العديد من التقارير، بما فيها تلك الصادرة عن الجهات الصهيونية الرسمية مثل المحكمة العليا، بتعرض عرب 48 للتمييز اقتصاديًّا واجتماعيًّا؛ حيث ترتفع في أوساطهم نسب الفقر والبطالة والتسرب من التعليم، مع عدم قدرتهم على امتلاك منازل خاصة بهم، بأرقامٍ مضاعفة تقريبًا للأوضاع السائدة في المجتمعات اليهودية في فلسطين المحتلة عام 1948م.
ومؤخرًا كشف المسح السنوي الشامل للمجتمع العربي الفلسطيني في أراضي العام 48 بأن عدد فلسطينيي الداخل بلغ عام 2007م، نحو مليون و137 ألفًا، وبحسب المسح الذي أجرته جمعية "الجليل"، وأعلنت نتائجه في العاشر من مارس الحالي، فإن عدد الأسر الفلسطينية في أواسط العام 2007م بلغ نحو 245 ألف أسرة، ومن بين 1.137 مليون فلسطيني 82.2% منهم من المسلمين و9.4% من المسيحيين، 8.5% منهم من الدروز.
وأظهر المسح أنَّ نسبة البطالة في صفوف عرب الداخل بلغت 10.1% بواقع 13.5% بين النساء و9.1% بين الرجال، بينما لم يشمل المسح سكان القدس الشرقية والجولان المحتلتَيْن.
المزيد من اليمين
![]() |
|
الصهيوني المتطرف ليبرمان سيحصل على حقيبة الخارجية |
وفي حقيقة الأمر فإنَّه من حق عرب الداخل أنْ يزدادوا قلقًا على قلقٍ، بعد الأنباء المتواترة عن الاتجاهات الخاصة بتشكيل الحكومة الصهيونية المقبلة، فبعد أنْ وقَّع نتنياهو على اتفاق شراكة أسود مع ليبرمان، حصل بموجبه هذا الأخير على حقيبة الخارجية، وقع حزب الليكود [27 مقعدًا] وحركة شاس [11 مقعدًا]، اتفاقًا ائتلافيًّا، تحصل بموجبه شاس بموجبه على أربع حقائب وزارية، واستجابةً لمطالبها برفع مخصصات الأطفال وزيادة الميزانيات للمدارس الدينية.
وكانت النقطة الأخيرة هي وراء رفض شاس التحالف مع تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما، عندما كلفها الرئيس الصهيوني شيمون بيريز بتشكيل الحكومة في خريف العام الماضي، وكان المتبقي لها 12 مقعدًا فقط لتتمكن من الحصول على موافقة الكنيست الصهيوني على تشكيلتها الحكومية، وكان شاس يملكها، إلا أنَّ شاس رفض عندما رفضت ليفني إدراج مبلغ مليار شيكل (حوالي 260 مليون دولار أمريكي) في الموازنة لحساب المدارس الدينية، وتضمين بندٍ صريحٍ في برنامج الحكومة بعدم طرح قضية القدس الشرقية المحتلة عام 1967م، للتفاوض مع الفلسطينيين.
إلا أنَّ المراقبين قالوا وقتها إنَّ السبب الرئيسي وراء انهيار مفاوضات ليفني مع حركة شاس تعود إلى تفضيل شاس لخيار الانتخابات المبكرة باعتبار أنَّ فرص وحظوظ حزب الليكود اليميني المتطرف بزعامة نتنياهو أفضل في هذه الانتخابات، وطبعًا يفضل شاس الانضمام لحكومة ائتلافية بقيادة الليكود وليس بقيادة كاديما شبه العلماني.
![]() |
|
المصالح وحدها الكفيلة بإبرام الاتفافات بين الأحزاب داخل الكيان |
كما أنَّ رئيس حركة شاس إيلي يشاي رفض انضمام حزبه لحكومة تقودها ليفني، لرغبته في تدعيم موقفه السياسي داخل الحزب، وهو ما تحقق بالفعل إذا ما دخل شاس الانتخابات المبكرة بقيادته، ودخل في ائتلافٍ مع الليكود.
وبموجب الاتفاق الأخير الذي وقَّعه الليكود مع شاس، فسوف تحصل الحركة المتطرفة التي يمثل يهود روسيا عمودها الفقري على حقيبة وزارة الداخلية، وسوف يشغلها رئيس الحزب إيلي يشاي، إلى جانب منصب نائب رئيس الحكومة، وعلى حقيبة البناء والإسكان التي سيشغلها أرئيل آتياس، وحقيبة الأديان التي سيشغلها إما يعقوب مارجي أو إسحق كوهين، بينما سوف يتم تعيين مشولام نهاري وزيرًا بدون حقيبة، كما سوف تحصل حركة شاس أيضًا بموجب الاتفاق، على منصب نائب وزير، ورئاسة إحدى لجان الكنيست.
وكان نتنياهو سخيًّا على غير عادة اليهود؛ حيث وافق على رفع مخصصات الأطفال وميزانيات المدارس الدينية، وتوسيع صلاحيات المحاكم الدينية اليهودية، ويشمل الاتفاق زيادة مخصصات الأطفال وحدها بـ1.4 مليار شيكل (حوالي 360 مليون دولار) خلال ثلاث سنوات.
على الجانب الآخر، وبحسب مصادر في عرب 48، فإنَّ هناك متاعب تواجه توقيع اتفاق مماثل بين الليكود وحزب العمل اليساري، فنتنياهو وعد العمل بأربع حقائب وزارية، وهو ما يعني إما الانتقاص من عدد مقاعد الليكود الوزارية أو إعادة صياغة الاتفاق الموقع مع ليبرمان.
والحقائب التي يعرضها نتنياهو على حزب العمل، هي: الأمن الداخلي والصناعة والتجارة والرفاه، كما تعهد نتنياهو لرئيس حزب العمل ووزير الدفاع الحالي إيهود باراك بدورٍ مركزيٍّ للعمل في أية مفاوضاتٍ مستقبليةٍ مع الفلسطينيين.

