أعلن الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما عن إستراتيجيته الجديدة في أفغانستان، وكان اللافت الرئيسي الذي لاحظه المراقبون تشابهها الكبير مع اتجاهات عمل الإدارة الأمريكية في العراق في المرحلة القادمة، إلا أنَّ الملاحظة الأكثر خطورةً هي أنَّ هذه الإستراتيجية ستعمل بمبدأ أنَّ الطريق إلى أفغانستان يبدأ بباكستان، وهو ما يعني المزيد من المشكلات لهذا البلد المسلم المتأزِّم بفعل السياسات الأمريكية في العقود الثلاثة الماضية.
المؤشر الأبرز على ذلك هو مبادرة الجيش الأمريكي- بعد ساعاتٍ قليلةٍ من إعلان الرئيس الأمريكي عن مبادرته الجديدة- إلى اتهام الجيش الباكستاني وجهاز المخابرات العسكرية (ISI) بأنَّهما لا يزالان يقدمان الدعم لحركة طالبان في أفغانستان، ودعا الجيش الأمريكي إلى أنَّ هذا الدعم "يجب" أنْ يتوقف، في لهجةٍ إنذاريَّةٍ واضحةٍ.
ردود الفعل الإقليمية والدولية على ما أعلنه أوباما كانت بطبيعة الحال مرحِّبة، ولعل التفسير النفسي- وليس السياسي- هو ما يقف خلف هذا الترحيب، فالتغيير ليس كبيرًا، ولا يحمل أيَّة بوادر لتطوير الوضع السياسي والأمني في أفغانستان عن السنوات الثمانية السَّابقة، على الأقل في المستوى المنظور، بل إنَّ الولايات المتحدة بصدد زيادة عدد قواتها في أفغانستان.
وربما يأتي الترحيب بأيِّ شيءٍ يخالف سياسات الإدارة الأمريكية السابقة، التي تزعَّمتها مجموعة المحافظين الجُدُد، بقيادة "الكاوبوي" الفاشل جورج بوش الابن؛ التي فشلت في أيِّ شيءٍ يتعلق بالسياسة والعمل العسكري في البؤر الساخنة في العالم، وخصوصًا في العراق وأفغانستان.
إشكاليات إقليمية ودولية
![]() |
|
جنود تابعون للناتو في أفغانستان |
إلا أنَّ ثمة ملاحظةً تتعلَّق بالتأييد الإقليمي والدولي الذي لاقته خطة أوباما الجديدة؛ فمن المنطقي أنْ يؤيد الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري ووزير خارجيته شاه محمود قريشي منطق الدبلوماسية المعلَنة التي تفرض الكثير من الأقوال لا الأفعال، كما أنَّ من المنطقي أن يؤيد الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة؛ باعتبار أنَّ خطط أوباما التي تتضمن زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان سوف يعفي دوله، وخصوصًا فرنسا وألمانيا، من مطالب أمريكية متزايدة لإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان.
وفي حقيقة الأمر فإن من الملائم هنا التذكير بأمرَيْن وقعا في مؤتمر ميونخ للأمن العالمي في دورته الخامسة والأربعين؛ الأول الانتقادات التي وجَّهها الأمين العام لحلف شمال الأطلنطي (الناتو) ياب دي هوب شيفر للاتحاد الأوروبي لما وصفه بـ"عدم كفاية الجهود" التي يبذلها الاتحاد في أفغانستان، وصعوبة تنسيق عمليات الناتو والاتحاد الأوروبي هناك.
وطالب بتوزيع أعباء العمل العسكري في هذا البلد "إذا ما رغب الأوروبيون في تحقيق التوازن مع الولايات المتحدة" داخل الحلف، معتبرًا الوضع على هذه الصورة "مثيرًا للإحباط".
وكانت انتقادات شيفر بالأساس موجهةً إلى كل من ألمانيا وفرنسا، مع حديث كلٍّ من المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي قبيل افتتاح المؤتمر عن أنَّ "أوروبا موجودة وتريد استخدام قدراتها"، وقال إنَّ هذا الوجود المرغوب فيه أوروبيًّا لا بد أنْ يترافق معه وجود عسكري إضافي فاعل في أفغانستان.
وتنشر فرنسا 2800 جندي في أفغانستان، بينما لألمانيا عدد ما بين 3500 إلى 4500، وحدَّدت برلين أقصى مشاركتها بنحو 4500 جندي، في حين ينشر الاتحاد الأوروبي بعثة شرطة قوامها 200 مدرِّب، مكلَّفين بتدريب رجال الشرطة الأفغان، كما تواجه خطط الاتحاد لتوفير 400 شرطي بحلول شهر أبريل المقبل صعوبات فنية عديدة، مع وجود الكثير من المشكلات الأمنية المتزايدة في الولايات الأفغانية.
كما أنَّ أوساطًا أمريكيةً مشاركةً في مؤتمر ميونخ انتقدت إعلان ألمانيا اعتزامها إرسال كتيبة ألمانية إلى مدينة ألكيرش الفرنسية ضمن اللواء الألماني- الفرنسي الذي تمَّ تأسيسه في العام 1989م، وأشارت هذه الأوساط إلى أنَّه كان من الأولى قيام برلين بتوجيه هذا الجهد العسكري للعمل في أفغانستان.
في المقابل وجَّهت الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون انتقادات كبيرة لحكومة الرئيس الأفغاني الضعيف حامد قرضاي، فوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وصفت قرضاي بالفاسد، وأفغانستان في عهده بأنها بلد مخدرات وبلدٌ فاشلٌ.
إستراتيجية جدالية
وهناك العديد من أوجه التناقُض في الإستراتيجية "الجديدة"- مجازًا- التي طرحها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مؤتمره الصحفي أمس الجمعة في العاصمة الأمريكية واشنطن؛ فالرئيس الأمريكي وصف إستراتيجيته الجديدة بأنَّها "إستراتيجية خروج من أفغانستان"، بالرغم من كونها تنص على زيادة أعداد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى الضعف.
كما أنَّه لا يوجد في تصريحات أوباما ما يشير إلى الخروج من أفغانستان، بل على العكس، فحديث الرئيس الأمريكي مليءٌ بترتيباتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ لا تشير إلى أنَّ هذه نوايا أناس يفكرون في الرحيل.
ويمكن تقسيم الإستراتيجية الأمريكية الجديدة أفغانستان، وفق تصريحاته في واشنطن أمس، إلى شقَّيْن أو ثلاثةٍ؛ عسكريٍّ وسياسيٌّ واقتصاديٍّ:
1- الجانب العسكري والأمني
القوات الأمريكية ما زالت تحشد قواتها في أفغانستان

- إرسال نحو 4 آلاف جنديٍّ إضافيٍّ لتدريب القوات الأفغانية، وتعزيز كفاءة القوات المسلَّحة الأفغانية إلى المستوى الذي تصبح فيه قادرةً على القيام بالدور الرئيسي في العمليات العسكرية، (وليس في المهام الأمنية).
- التواصل مع شيوخ القبائل في أفغانستان وباكستان لتشكيل مجموعاتٍ قبليةٍ عسكريةٍ شبيهةٍ بقوات مجالس الصحوة السنية في العراق التي أُنشئت لمحاربة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.
- مضاعفة عدد القوات الأمريكية الموجودة في أفغانستان من 38 ألفًا إلى ما يزيد على 60 ألفًا، من بينهم 17 ألف جنديٍّ إضافيٍّ أُمِرَ سابقًا بإرسالهم إلى أفغانستان، وبحسب أوباما فإنَّ "هؤلاء الجنود سيعملون على نقل الحرب إلى مواقع المتشددين".
وحدَّد أوباما أهدافه من وراء زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان من الزاوية الأمنية والعسكرية بالآتي: تحقيق الاستقرار في أفغانستان، ونقل المعركة إلى قلب معاقل الجماعات المسلَّحة التي تعارض الوجود الأمريكي في العراق، وتعطيل وتفكيك شبكة تنظيم القاعدة والتنظيمات المتحالفة معه في باكستان وأفغانستان، ومنعها من العودة في المستقبل إلى أي بلدٍ.
وهو ما يعني أنَّ القوات الأمريكية العاملة في أفغانستان سوف يكون من صلاحيتها العمل في الأراضي الباكستانية، بشكلٍ أكبر من مجرد القيام بضرباتٍ لبعض المواقع التي تزعم الولايات المتحدة أنَّها مواقع تمركز قيادات ومعسكرات تدريب الجماعات المسلحة.
2- الجانب الاقتصادي
- شملت الإستراتيجية الجديدة زيادة المساعدات الأمريكية لباكستان إلى ثلاثة أضعاف؛ لتصبح 1.5 مليار دولار سنويًّا على مدى خمس سنوات؛ حتى تتمكن من مواصلة حربها على ما يوصف أمريكيًّا بـ"الإرهاب" إلى جانب الولايات المتحدة.
- زيادة المعونات التنموية السنوية الموجَّهة إلى أفغانستان، من بينها مخصصات لمكافحة زراعات المخدرات؛ عن طريق رفع مستوى معيشة أبناء المناطق التي تكثر فيها زراعة الخشخاش، وكذلك إعادة تأهيل البنية الأساسية للبلاد التي دمرتها الحرب.
3- الجانب السياسي
على هذا المستوى تتضمن إستراتيجية أوباما الجديدة الترتيبات الآتية:
- إنشاء مجموعة اتصال جديدة تضم دولاً في المنطقة بجانب باكستان- بالإضافة إلى شركاء آخرين- للقضاء على حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وحصار أنشطة المجموعات المرتبطة بهما، وذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة، وسوف تضمُّ مجموعة الاتصال هذه حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي ودول آسيا الوسطى ودول الخليج العربي، بجانب إيران وروسيا والهند والصين.
- مكافحة الفساد في أفغانستان، كخطوةٍ على طريق تأسيس حكومة نزيهةٍ، وإرساء قواعد دولة القانون والحكم الرشيد، وفق معايير الأمم المتحدة، لضمان فرض القانون على الأرض، وعدم وجود ثغراتٍ يبرِّر من خلالها أي طرف في أفغانستان الخروج على الدولة بحجة فسادها؛ حيث تحتل أفغانستان مرتبةً مدنيةً للغاية في تقرير منظمة الشفافية العالمية سنويًّا.
- وضع باكستان في قلب الإستراتيجية الجديدة للقتال في المعركة الدموية وغير المنتهية ضد تنظيم القاعدة؛ التي قال أوباما إنه تم إهمالها خلال تحوّل الاهتمام الأمريكي للعراق.
- ترتيب سلسةٍ من التحالفات ما بين الحكومات المعنية وشيوخ القبائل الأفغانية والباكستانية، لضمان رصد عناصر ومعسكرات التنظيمات المسلَّحة وحركات المقاومة التي تحارب الوجود العسكري الأمريكي الاحتلالي في أفغانستان، وكذلك ضمان رفع غطائها السياسي- أي لهذه القبائل- عن حركة طالبان وتنظيم القاعدة.
والطريف أنَّ المخابرات المركزية الأمريكية تستخدم في هذا المقام العديد من الأدوات الغربية بالفعل، والتي لا ترقى إلى مستوى سلوكيات الدول المحترمة، مثل حبوب الفياجرا والشرائط الإباحية.
أزمة باكستانية
أوباما.. بين باكستان وأفغانستان

باكستان الآن في قلب الصورة؛ فرئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأدميرال مايكل مولين قال إنَّ المخابرات العسكرية الباكستانية "لديها صلات مع المسلَّحين عبر الحدود المشتركة مع كل من أفغانستان والهند".
وأضاف مولين في تصريحاتٍ نقلتها شبكة (سي. إن. إن) الإخبارية الأمريكية: "مبدئيًّا هذا واحد من الأشياء التي يجب أنْ تتغير"، وهو ذات ما أكد عليه الجنرال ديفيد باتريوس رئيس القيادة الوسطى في هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، والذي كان يقود القوات الأمريكية في العراق، الذي قال "إنَّ بعض جماعات المسلَّحين أسِّست بواسطة المخابرات الباكستانية، وما زالت الصلات بين الجانبين مستمرة"، متناسيًا أنَّ الفضل يعود لبلاده في هذا المقام في الثمانينيات الماضية، إبَّان سنوات "الجهاد" ضد الغزو السوفيتي في أفغانستان.
كما أنَّ باتريوس أشار من طرفٍ خفيٍّ إلى أنَّ استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مشكلاتٍ بين باكستان والولايات المتحدة؛ حيث قال: "إنَّ استمرار هذه العلاقات بين الـ"ISI" وبين الجماعات المسلحة هو أمر مدمر للثقة بين إسلام أباد وواشنطن؛ التي نحتاج لبنائها"، فضلاً عن أنَّ مسئولين أمريكيين- رفضوا الكشف عن هويَّتهم- قالوا في تصريحاتٍ لصحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية إنَّ نشاط طالبان المتزايد في جنوب أفغانستان ومناطق أخرى من البلاد والذي وصل إلى مستوى السيطرة على 75% من مساحة أفغانستان، "ربما يكون نفِّذ بفضل الإمدادات العسكرية من باكستان".
الحكومة الأفغانية بدورها حاولت تبرير فشلها الأمني والسياسي بإلقاء الأمر على تبعة باكستان، وقالت- في معرض تعقيبها على إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإستراتيجيته الجديدة في أفغانستان وباكستان- إنَّ الرئيس الأمريكي "أدرك أنَّ خطر القاعدة يأتي من باكستان بالدرجة الأولى، ولذلك فهذه مشكلةٌ إقليميةٌ".
والآن، وبعد أنَّ أدت سياسات الثمانينيات الماضية إلى تدعيم وجود العناصر المنتمية لأحزاب وفصائل إسلاميةٍ، تؤمن بالمشروع الإسلامي في أفغانستان، كعمقٍ إستراتيجيٍّ لباكستان في مواجهة عدوها الرئيسي، الهند، كيف يمكن أنْ تقوم حكومة زرداري في باكستان بتنقية مؤسستها العسكرية والاستخبارية من هذه العناصر التي وصلت إلى مستوياتٍ قياديةٍ مخيفةٍ؟ وهل إذا ما تمَّ ذلك سيتم بدون أي ردة فعل من جانب المؤسسة العسكرية تهدد وجود الحكم في باكستان؟ وهل يمكن إقناع هذه القيادات بالتخلِّي عن قناعاتها الدينية الراسخة أو التفريط في أمن البلاد القومي؛ باعتبار أنَّ أفغانستان كنظامٍ موالٍ لإسلام أباد سوف تكون عمقًا إستراتيجيًّا في مواجهة الهند؟!
إنَّ التقديرات الغربية تشير إلى أنَّ باكستان على شفا أنْ تكون "دولةً فاشلةً"، فهل تسرع الإستراتيجيات الأمريكية الجديدة- المتناقضة تمامًا مع سياسات الإدارات الأمريكية في الثمانينيات والتسعينيات- بهذا الفشل؟!
إنَّ السياسات الأمريكية مع باكستان أشبه بعملية تعذيب مستمر بالماء البارد والساخن، وهي سياسة تؤدي إلى موت من يتم تعذيبه بهذه الطريقة، أو انهياره جسديًّا تمامًا، فبعد عقود من مطالب "أسلمة" حركة الجهاد في أفغانستان، بما تبعه من "أسلمةٍ" لمؤسسات الحكم في باكستان، والتي أشرفت على هذه تنفيذ المطالب.. يأتي الأمريكيون الآن لكي يطلبوا من قيادات مشروع "الأسلمة" أن يقودوا مشروع تدمير أنفسهم وحلفائهم!.
