"جزء من الشعب الفلسطيني ألقى السلاح، وجزء من هذا الجزء يقف ضد من يحمل السلاح، ويقوم باعتقاله".. "دول عربية تقف ضد المقاومة وتصفها بالعبثية وتشارك في حصارها".. "دول عربية أخرى تراقب المقاومة، وتقدم الأموال لمَن يقف بوجهها".. تلك هي أبرز التحديات الداخلية والإقليمية، التي قدر مركز "الزيتونة" للدراسات والاستشارات في تقريره الجديد عن مستقبل المقاومة الفلسطينية أنها سوف تواجهها خلال هذه المرحلة.

 

وفي مقدمة التقرير يقول مركز الزيتونة: "تطرح تطورات الأوضاع في فلسطين والمنطقة عمومًا تساؤلات حول مستقبل المقاومة الفلسطينية، خصوصًا بعد العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، وفي ظل تراجع عمليات المقاومة في الضفة الغربية".

 

 الصورة غير متاحة

د. عبد الستار قاسم

وأضاف التقرير: "في ضوء قراءة متأنية لتفاعل عوامل كبح المقاومة وصعودها في الوقت الراهن، على المستوى الفلسطيني الداخلي، وعلى المستوى الصهيوني، والعربي والإسلامي والدولي، فإن المشهد يشير إلى أنَّ المقاومة تواجه تحدياتٍ حقيقية، مع احتمالات تعرضها لضربات قاسية".

 

ولخَّص الدكتور عبد الستار قاسم كاتب النص الأساسي الذي اعتمد عليه التقرير الجديد الوضع في جملةٍ واحدةٍ حدد فيها طبيعة هذه التحديات.

 

وقال: "جزء لا بأسَ به من الشعب الفلسطيني قد ألقى السلاح، وجزء من هذا الجزء يقف ضد مَن يحمل السلاح ويقوم باعتقاله، بينما دولٌ عربيةٌ عدة تقف ضد المقاومة، وتقول إنَّها عبثية، وتشارك في الحصار المضروب عليها، ودولٌ أخرى تراقبها، وتقدم الأموال لمَن يعمل على الوقوف بوجهها، هذا ناهيك عن الحرب المدمرة التي شنَّها الكيان الصهيوني على غزة".

 

خريطة مقاومة

وعرض التقرير في مقدمته خريطة عامة لقوى المقاومة الفلسطينية، وقال: "تنقسم المقاومة الفلسطينية إلى جزءيْن، الأول: في الداخل، يتمثل بفصائل وقوى فاعلة مثل حماس والجهاد ولجان المقاومة الشعبية، وقوى شبه فاعلة مثل سرايا جهاد جبريل وكتائب أبو علي مصطفى، والثاني في الخارج، مثل: قوات الجبهة الشعبية- القيادة العامة وفتح الانتفاضة، وقوات بعض التنظيمات الفلسطينية في مخيمات لبنان".

 

وأشار إلى حجم الدور الذي تلعبه مقاومة الداخل، مشيرًا إلى وجود عقبات تعوق أنشطة مقاومة الخارج، خاصةً الفصائل في المخيمات اللبنانية، ومن بين هذه العقبات التوازنات الداخلية للبلدان العربية التي توجد فيها، وفي لبنان تلعب الاعتبارات الدولية ذات العلاقة المباشرة بالحكومة اللبنانية دورها في تقليص أنشطة السلاح الفلسطيني.

 

عوامل كبح

وعدد التقرير العواملَ التي تعوق عمل المقاومة الفلسطينية بشكلٍ عامٍ، وهي:

1- العامل الصهيوني، مع ما يملكه الكيان من آلةٍ عسكريةٍ ضخمةٍ ومدمرةٍ.

2- التحدي الفلسطيني الداخلي، والذي يعود إلى منتصف الثمانينيات.

 

وشكَّل إعلان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في حينه ياسر عرفات نبذ ما وصفه بـ"الإرهاب"، نقطة تحول في هذا الإطار، وازدادت تأثيرات هذا الموقف بعد قرارات المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر عام 1988م، وتفاقم بعد اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات، نصَّت على التزامٍ فلسطينيٍّ تجاه الأمن الصهيوني.

 

وأكد المركز أنَّ هذا التحدي "خطير جدًّا"، باعتبار أنَّه يعمل من الداخل، ويمثل جيشًا من الفلسطينيين يتولى مهمة جمع المعلومات وملاحقة كلِّ مَن يشك بنواياه لمقاومة الاحتلال.

 

3- معارضة أنظمة عربية تعمل وفق متطلبات اتفاقات أوسلو للمقاومة الفلسطينية المسلحة، لدرجة المشاركة في الحصار المفروض على قطاع غزة، في إشارةٍ إلى مصر.

 

4- العامل الدولي المتمثل في مناهضة قوى عالمية كبرى، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للمقاومة الفلسطينية.

 

5- ثقافة بعض النخب الفلسطينية التي تأثَّرت بالأجواء العامة التي ترافقت مع اتفاقيات التسوية، بحيث أصبحت تدعو إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني ووقف المقاومة، من أجل إعطاء الفرصة لإقامة الدولة الفلسطينية بالوسائل السلمية بحسب تفكيرها.

 

عوامل صعود

إلا أنَّ التقريرَ رأى أنَّه في المقابل هناك عدد من العوامل التي تدعم استمرار المقاومة الفلسطينية في العمل ضد الكيان الصهيوني، ومن أهمها:

1- الإرادة والتصميم المدعوم بوجود نسبةٍ عاليةٍ من الفلسطينيين ترفض الاتفاقيات المبرمة مع العدو الصهيوني، وتصر على استمرار المقاومة بأية تضحيات.

 

2- العمق الشعبي العربي والإسلامي الذي تتمتع به المقاومة الفلسطينية.

 

3- استمرار نمو القوة الإيرانية واستمرار تحدِّيها للدول الغربية، وفي هذا يقول التقرير إنَّه من الصعب فصل انتصار المقاومة الأخير في قطاع غزة عن دعم إيران المادي والعسكري.

 

4- وجود محور عربي مؤيد للمقاومة يمكنه أنْ يتوسع، وضرب التقرير بسوريا نموذجًا على ذلك، وأشار إلى أنَّ "قمة غزة" التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة عقد توقف الحرب على قطاع غزة حملت إشارات إيجابية إلى اتساع نطاق المحور الرسمي العربي الذي يدعم المقاومة.

 

5- فشل مسار التسوية ووصول المفاوضات مع الكيان الصهيوني إلى طريق مسدود.

 

 الصورة غير متاحة

المقاومة أذاقت الصهاينة مرارة الهزيمة

وأضاف التقرير أنَّ الكيان الصهيوني لم يعد قادرًا عسكريًّا واستخباريًّا على القيام بما كان يقوم به في السابق، ودلل على ذلك بالهزائم المتتالية في لبنان وغزة، ووصل المجتمع العسكري والأمني الصهيوني إلى مرحلة ترهُّلٍ بحسب تعبير التقرير مع وضوح ضعف نوعية المقاتل الصهيوني، وتزايد الثغرات في بنية الجيش.

 

سياسيًّا يرى التقرير أنَّ الولايات المتحدة في بناء شرق أوسط جديد وفق معاييرها، وهو ما توازى مع فشلٍ آخر فيما يُسمَّى بـ"الحرب على الإرهاب"، بالإضافةِ إلى غرقها في أتون الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.

 

وخلص التقرير إلى أنَّ ما وصفه بـ"الوضع العربي المقاوم" مختلف في الوقت الراهن، وقال: "إنَّ المقاومة قد تُصاب بانتكاسات، لكن مؤشرات بناء القوة تتجه إلى أعلى بصورةٍ عامةٍ، بينما "إسرائيل" تزداد ضعفًا على المستويين الداخلي والخارجي؛ مما يؤثر سلبًا على كفاءة قدرتها العسكرية.. سيكون المستقبل للمقاومة، وستضطر الدول الغربية في النهاية أنْ تتعامل مع واقعٍ جديدٍ".