بعد أن زار مقبرة أتاتورك في العاصمة أنقرة صباح أمس، والتقى الرئيس عبد الله جول؛ قال إن إدارته تسعى للتعاون مع تركيا وأوروبا لتأسيس عالم جديد قائم على الحريات والديمقراطية والنظام العلماني والعيش في رفاهية، مؤكدًا أنه لم يغيِّر رأيه بشأن ادِّعاء المذبحة الأرمينية، بل يؤيد استمرار الاتصالات بين تركيا وأرمينيا لحل الخلاف، ويلقي أوباما كلمةً أمام برلمان تركيا، ويُجري اتصالات مع قوقصال طوبطان رئيس البرلمان وطيب أردوغان رئيس الحكومة التركية وزعماء المعارضة البرلمانية، ويزور مدينة إسطنبول للمشاركة في منتدى تضامن الحضارات الدولي الثاني، ويشاهد معالم جامعتَي آيا صوفيا والسلطان أحمد.

 

مجتمع  ديمقراطي علماني

 الصورة غير متاحة

 مظاهرات حاشدة ضد زيارة أوباما لتركيا

كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد وصل إلى العاصمة أنقرة مساء الأحد؛ حيث استقبله في المطار وزير الدولة للاقتصاد محمد شمشك ووالي العاصمة ومليح جوكشك عمدة أنقرة، وفي صباح الإثنين زار مقبرة أتاتورك، ووضع باقة ورد عليها، ثم لقي استقبالاً رسميًّا من الرئيس التركي عبد الله جول بمقر رئاسة الدولة بقصر شان قايا.

 

بعدها ذكر أوباما أن تركيا تمثل أهميةً بين الشرق والغرب، وهي دولة ديمقراطية لها تاريخ وحضارة وعضو بحلف الأطلسي، "وأشعر بأهمية العمل المشترك بيننا، وبحثنا ما يمكن أن نقوم به في المستقبل في أفغانستان والعراق، والحلول المتعلِّقة بمشكلة البرامج النووية والإرهاب كانت من بين موضوعاتنا، وأظن أن هذا سيؤدي إلى رفاهية العالم الإسلامي في مسألة ادِّعاء المذبحة الأرمينية رأى لم يتغير، والمفاوضات بين تركيا وأرمينيا يجب أن تستمر، ونرى ماذا ستُسفر عنه مستقبلاً، وأمريكا تؤيد استمرار التفاوض بين الدولتين".

 

وقال أوباما: إن أمريكا ترى المنظمة الكردية إرهابيةً، ونريد التعاون مع تركيا في مكافحة الإرهاب الذي نتفق على عدم قبوله بأي حال، ونسعى إلى إنشاء مجتمع دولي جديد ديمقراطي علماني يحترم حقوق الإنسان.

 

وقال الرئيس عبد الله جول تعقيبًا على أسئلة وُجِّهت لأوباما بخصوص ادِّعاء المذبحة الأرمينية: إن الحرب العالمية الأولى شهدت وقائعَ تاريخيةً مؤسفةً، قُتِلَ فيها الكثير من المسلمين وغيرهم في تركيا والبلقان، والمفروض أن تتشكَّل لجنة تاريخية تطلع على محتويات الأرشيف بشأن الوقائع وبعدها تصدر رأيها، ونحن سنحترمه، ونحن لا نريد تغذية الأجيال الجديدة بالحقد.

 

بعده توجه أوباما للبرلمان التركي ليلقي كلمةً تاريخيةً هي الثانية في تاريخ العلاقات (التركية- الأمريكية)؛ حيث سبق أن ألقى الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون كلمةً له بنفس المجلس النيابي عام 1999 وقت قمة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي.

 

في إسطنبول يشارك أوباما في منتدى تضامن الحضارات الدولي الثاني الذي تقيمه تركيا بالتعاون مع إسبانيا، ويشارك فيه الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي وراسموسن رئيس الحكومة الدنماركية السابق وسكرتير حلف الأطلسي الجديد والدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي وعمرو موسى أمين عام  الجامعة العربية، وبان كي مون سكرتير الأمم المتحدة وطيب أردوغان رئيس الحكومة التركية، وخوسيه لويس زباتيرو رئيس الحكومة الإسبانية شريك أردوغان في منتدى الحضارات، وعدد من الرؤساء والوزراء والأمراء من الدول العربية والعالم الغربي.

 

زيارة أوباما الأولى لتركيا كإدارة أمريكية جديدة تشدُّ انتباه العديد من المراقبين والإعلاميين للظروف التي تمر بها المنطقة؛ بسبب الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان والاعتداءات الصهيونية المستمرة على الشعبين، اللبناني والفلسطيني.

 

من ثمَّ يقول حسني مَحلي صحفي سوري عن الزيارة والملفات المعروضة على مائدة البحث والنقاش: "لا أعتقد أن أوباما ممكن أن يطلب من المسئولين بتركيا إصدار عفو عن مسلَّحي المنظمة الكردية (بي كي كي)، والحقيقة أن المفصل الرئيسي للمشكلات يتعلق بالموقف الأمريكي في العراق، متى وكيف سيتم الانسحاب؟ وكيف سيتم معالجة مشكلات مثيرة ويومية؟ وماذا عن قوات البشمرجة الكردية في شمال العراق، وهناك حوالي 100 ألف حارس مسلح مدني ممولين من طرف الحكومة العراقية؟

 

أمريكا إذن لديها مشكلة كبيرة، وسيكون من المخاطر الكبيرة جدًّا أن تترك العراق لإيران كي تملأ فراغه، لذلك فمشاكل العراق والمضيِّ فيها يشبه فتح باب جهنم كما سبق ووصف الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وهناك خلاف بين الطالباني والبرزاني على النفوذ بالشمال وكل واحد يتحدث عن شيء مخالف للآخر والمنظمة الكردية- تمثل بؤرة الاهتمام التركي- نفسها تقول إنها لا تُصغي لا للطالباني ولا للبرزاني، ولا ننسى أكراد سوريا وإيران، كل هذا في بؤرة الاهتمام التركي، وفتح ملف مشاكل العراق يفتح مشاكل واسعة لا حدود لها لتركيا، وبِناءً عليه تركيا تقول إنها صديقة لكل من في العراق، وعليكم أنتم- أي أوباما وإدارته- أن تصلحوا الأمور ثم تدعوا تركيا للقيام بدور في العراق".

 

ويقول قدري جُورسَل صحفي في يومية (ميلليت): ملفات كثيرة على المائدة، ولكن العراق أهمها بالنسبة لتركيا، إذا كانت العراق لم تحل مشكلة أكرادها فكيف تحل تركيا؟! تركيا موقفها واضح من القضايا المحيطة بها ولكن إدارة أمريكا لم تحدد بعد التوجه الجديد من تلك المشاكل ومن بينها الحكومة "الإسرائيلية" الجديدة والخلاف القائم مع تركيا بعد منتدى دافوس.

 

ويقول د. سُولي أوزل أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باغجه شهر الخاصة: رغم أهمية الزيارة لتركيا لكني لا أعتقد أن أوباما سيستخدم المشكلة الأرمينية حاليًّا وهو لديه كل هذه الملفات بالمنطقة، وتركيا لها دور فيها.

 

أما الدكتور شاغري أرخان من جامعة أنقرة فيرى أن أهداف أمريكا واحدة لم تتغير، ولكن الإدارة فقط هي التي تغيرت، ويتحدثون فقط عن أمور تحب تركيا أن تستمع إليها.

 

الدبلوماسية والزيارة

 الصورة غير متاحة

أوباما يرافقه أردوغان خلال زيارة المسجد الأزرق في إسطنبول

إينال باطو السفير التركي المتقاعد يقول تعليقًا على الزيارة من ناحية تركيا: تمثل الزيارة أهميةً؛ لأن أوباما تحدث عدة مرات عن ادِّعاء المذبحة الأرمينية، وبعد دافوس مارس اللوبي اليهودي ضغوطًا دون شك على الإدارة الأمريكية لتتخذ مواقف ضد تركيا، وأعتقد أن إدارة الرئيس الأمريكي لو استخدمت يوم 24 أبريل الحالي المسألة الأرمينية واعترفت بها، فستكون فضيحة للإدارة الجديدة حين تقدم تطمينات للحكومة التركية هنا، ثم تعود لتغيير رأيها في واشنطن.

 

وأضاف: في الحقيقة نحن لا ندري كيف ستكون تصريحات أوباما- أثناء حملة الانتخابات- عملية وفعلية بعد توليه الحكم، ولا أظن أن تركيا ستفتح الحدود مع أرمينيا ولا حتى بعد 24 سنة إذا اعترفت أمريكا بالادعاء.

 

ويرى يشار ياقيش وزير الخارجية الأسبق عضو البرلمان عن العدالة رئيس لجنة العلاقات (التركية- الأوروبية) بالبرلمان التركي أن تركيا تصرفت بمنطق الدول الكبيرة في اجتماعات حلف الأطلسي فيما يتعلق بتعيين راسموسن سكرتيرًا للحلف، ولم يكن تراجعًا عن موقفها، خاصةً في ضوء تعهدات أوباما لتركيا بشأن موقف راسموسن.

 

اتفاقيات ثنائية مع أمريكا وإسبانيا

الجدير بالذكر أن طيب أردوغان عقد لقاءً مساء يوم الأحد في إسطنبول مع رئيس الحكومة الأسبانية خوسيه زباتيرو، ووقعت الدولتان عدة اتفاقيات؛ من بينها اتفاقية للطاقة، وأكد أردوغان في المؤتمر الصحفي المشترك  على خطوة التعاون المشترك بين تركيا وإسبانيا لإقامة منتدى تعاون واتحاد الحضارات.. وأضاف قوله: نحن نرى أن هناك خطوةً لطاقة إيجابية جديدة وضعت في حلف الأطلسي نأمل أن نستمر في المستقبل.

 

من جهته قال خوسيه لويس زباتيرو رئيس الحكومة الأسبانية: إن اللقاء في حد ذاته يمثل أهمية من ناحية التعاون التجاري والاقتصادي بين تركيا وإسبانيا، وكذا التعاون بين الشرق والغرب من منطلق منتدى الحضارات وإدارة أمريكا الجديدة الممثِّلة في أوباما تعبّر عن أمل للعالم، وقد كان هذا الأسبوع مهمًّا في تاريخ الاتحاد الأوروبي، والاتحاد له قواعد ونعتبر ضمانة أوباما مهمةً بالنسبة للقرارات المتخذة والزمن هو الذى يحدد هذا الموقف، والتعاون التركي في الحلف والاتحاد ومواقفه يحدده الوقت.. ويمكن القول إننا فتحنا بابًا للأمل، وإسبانيا تؤيد عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

 

كذا على هامش زيارة أوباما لتركيا وُقِّعت اتفاقية للطاقة بين تركيا وأمريكا، من طرف زاكا وزيرة الطاقة الأمريكية، وحلمي جولر وزير الطاقة التركي الذي اعتبر الاتفاقية هامة بالنسبة للقطاع الخاص والاستثمارات ونقل التكنولوجيا  المتطورة من أمريكا لتركيا.

 

هل اعتذر راسموسن للعالم الإسلامي؟

 الصورة غير متاحة

أتراك يطالبون أوباما بالعودة إلى بلاده

فوج راسموسن سكرتير عام حلف الأطلسي الجديد ورئيس الحكومة الدانماركية الذي سبق ورفض تقديم اعتذار للعالم الإسلامي عن الرسوم الهزلية الدنماركية المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ شارك في لقاء الحضارات بإسطنبول- بعد موافقة تركيا على تعيينه بالحلف- وقال يوم الإثنين في الجلسة الصباحية التي شارك فيه طيب أردوغان والرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي إنه شخصيًّا ضد الإساءة "للأديان"، ولا يقبل هذا وأنه يحترم جميع الأديان، وسيراعي الدقة في مسألة الأديان خلال تولِّيه منصب سكرتير حلف شمال الأطلسي العسكري، وقال أيضًا إنه سيتم غلق أي جهة بالدنمارك ترتبط بالأعمال الإرهابية.

 

إحباط محاولة اغتيال!

الشرطة التركية قالت لوسائل الإعلام الأحد 5/4/2009 إنها أحبطت محاولةً لقتل الرئيس الأمريكي خلال المؤتمر الصحفي المقرر عقده بعد لقاء تضامن الحضارات الثاني بإسطنبول، عبر قذفه بسكين على أيدي شخص ينتحل صفة صحفي، ولم يقدم الأمن التركي تفاصيل دقيقة حول الشخص والجهة المسئولة عن هذا الإعداد.

 

وصباح الإثنين علَّق أعضاء من حزب الخضر لافتاتٍ ضخمةً فوق جسر إسطنبول المعلَّق فوق مضيق البسفور، وعلى مقربة من فندق شيراغان الذي يشهد لقاء الحضارات، كُتِبَ عليها بالعربية والتركية عبارة: "تعاونوا على السلام ومقاومة الجفاف والتصحر".

 

إجراءات أمنية مشددة للغاية تتم وقت زيارة أوباما لتركيا؛ حيث تسأل أجهزة الأمن التركية والأمريكية الصحفيين الأتراك والأجانب عن البطاقة الشخصية أو جواز السفر بجوار البطاقة الصحفية للتطابق فيما بينهما للسماح لهم بتغطية الزيارة في العاصمة أنقرة وإسطنبول لحماية الرئيس الأمريكي، كما أُغلقت العديد من الطرق حول المطار، وانتشر رجال الأمن الأمريكي حول طائرة الرئيس الأمريكي التي هبطت أنقرة في التاسعة والربع مساء الأحد 5/4/2009م، وكان كل من والي أنقرة وإسطنبول قدما اعتذارًا مقدَّمًا للأهالي عن المضايقات التي سيتعرَّضون لها في الطرق والشوارع والميادين بسبب التدابير الاحترازية.