يقوم المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى السودان الجنرال المتقاعد جوناثان سكوت جريشان حاليًّا بجولةٍ في السودان.. مسئولون أمريكيون يعلنون أنَّ السيناتور جون كيري رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ بصدد زيارة السودان الأسبوع القادم.. على هذه الوتيرة المتسارعة بدأت الدبلوماسية الأمريكية في انتهاج خطوات أكثر اقترابًا من السودان، ولكن.. أي اقتراب؟!.

 

قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب معرفة أسباب طرحه، وتتعلق هذه الأسباب بالأساس بغرابة الفعل الأمريكي وتوقيته، فالجهود الدبلوماسية- التي بدأتها الولايات المتحدة إزاء السودان في الفترة الأخيرة، ومن المرجَّح لها الاستمرار- تجيء عكس اتجاه الرياح الدولية المعادية للسودان، بل وتخالف في حقيقة الأمر الكثير من الثوابت التي وضعتها دبلوماسية الإدارة الأمريكية الجديدة.

 

 الصورة غير متاحة

 آلاف السودانيين الغاضبين يهتفون ضد أوكامبو

وذلك ما بين حكم المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير على خلفية اتهاماتٍ بارتكاب جرائم حربٍ وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور المشتعل غربي البلاد، وما بين اتجاه المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو إلى إعادة استئناف قرار المحكمة بعدم وجود جرائم إبادةٍ جماعيةٍ في الإقليم.

 

بالإضافة إلى تهديدات فرنسية باعتقال البشير خلال تنقلاته الخارجية، وتهديدات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون والأمم المتحدة باعتبار خطوة طرد منظمات الإغاثة الأجنبية من السودان بمثابة جريمة حرب جديدة إلا أنَّه من الواضح أنَّ الجانب الإعلامي والدعائي كان وراء هذه المواقف والتصريحات الأمريكية- وربما الدولية- من ملف الأزمة في السودان، أو تحديدًا بين الخرطوم والمحكمة الجنائية الدولية على خلفية ملف ملاحقة البشير، وربما كان المقصود من وراء ذلك ممارسة ضغوطٍ على السودان، من دون نيةٍ حقيقيةٍ في تنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية.

 

سياسة جديدة

ويعزز هذا الرأي الموقف الرسمي الأمريكي رفضها السابق التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ قرار اعتقال البشير، فواشنطن ردت على هذه المطالب بأنَّها غير معنيةٍ بهذا المطالب، لأنها لا هي ولا السودان أعضاء في الميثاق الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

 

وفي حقيقة الأمر لا يمكننا فصل المواقف الأمريكية من السودان عن حزمة المراجعات التي بدأها الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما لسياسات سلفه السابق جورج بوش الابن، وإدارته من المحافظين الجدد التي أفسدت علاقات الولايات المتحدة مع أكثر من نصف العالم، بما في ذلك الشركاء الأوروبيون الذين توترت العلاقات بينهم، وبين الأمريكيين على خلفية المواقف الأمريكية المتصلبة تجاه حزمةٍ من القضايا من بينها الانبعاثات الكربونية والسياسات الحمائية لبعض المنتجات الزراعية والصناعية الأمريكية، بالإضافة إلى قرار غزو العراق في ربيع العام 2003م، من دون تفويضٍ من الأمم المتحدة.

 

هذه المراجعات يمكن تحديد ملامحها في القضايا الآتية:

- العراق: قرار بالانسحاب الكامل للقوات المقاتلة من العراق بحلول صيف العام المقبل 2010م، مع الإبقاء على بضعة آلاف بغرض التدريب.

 

- أفغانستان: زيادة عدد القوات الأمريكية هناك بمقدار الضعف تقريبًا، مع إشراك قوى إقليميةٍ ودوليةٍ أخرى في العمل السياسي والعسكري في أفغانستان، وفق أجندة الأولويات التي حددتها إستراتيجية أوباما الجديدة في جنوب آسيا؛ حيث استبدل أوباما أفغانستان بالعراق ومكافحة ما يوصف بـ"الإرهاب" على قائمة أجندة الأولويات الأمريكية.

 

- إعادة النظر في العلاقات مع العالم الإسلامي على أسسٍ أكثر نديةٍ وعدالةٍ، بحسب ما أعلنه أوباما في أكثر من موقفٍ منذ خطاب توليه الرئاسة في العشرين من يناير الماضي، وحتى رحلته الأخيرة إلى تركيا، بالإضافة ما طرحته وزيرة خارجيته كلينتون خلال زيارتها لإندونيسيا.

 

- الإعلان عن إعادة النظر في موازنة الدفاع الأمريكية؛ حيث أعلن وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس عن تخلي الولايات المتحدة عن برامج تسلح كبرى، من بينها إنتاج المزيد من الطرادات ومروحيات الإنقاذ.

 

- إعادة النظر في العلاقات مع إيران، ودعوة أوباما لطهران في أكثر من موضعٍ للحوار، لحاجته إليها في الملف الأفغاني، وهنا ثمة تطور مهم باتجاه تدعيم ذلك التوجه من جانب الأمريكيين؛ حيث دفع عددٌ من النواب الأمريكيين بمشروع قرارٍ "يحذر" من عواقب أي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز، ودعا البلدَيْن إلى "إجراء مفاوضات" من أجل التوصل لاتفاق بشأن الحوادث البحرية المحتملة بين سفن البلدين في الخليج العربي، ورافق ذلك تطويرٌ آخر في العلاقات مع سوريا، عن طريق وفود برلمانية وأخرى تابعة لوزارة الخارجية.

 

- إعلان أوباما عن تعديل السياسات الأمريكية في مجال التسلح النووي، وطرح مبادرةٍ لتصور عالمٍ من دون سلاحٍ نوويٍّ، بجانب تخليه عن مواقف إدارة بوش الابن من الانبعاثات الكربونية وبروتوكول كيوتو، والسياسات الحمائية.

 

أما فيما يخص السودان، فإنَّ الموقف الأمريكي يبدو في بعض الأحيان متضاربًا، أو على أفضل تقديرٍ غير محسومٍ، وهو ما يتضح من خلال قراءةٍ سريعةٍ لتصريحات ومواقف الخارجية الأمريكية إزاء ما يحدث من تطوراتٍ في ملف دارفور، في مقابل سياسة الخطوة خطوة التي بدأها أوباما من جانبٍ آخر.

 

وهنا ثمة ملاحظةٌ قد تكون مستغربة بعض الشيء وهي أنَّ الرئيس الأمريكي أوجد منذ توليه منصبه مساراتٍ بديلةً للسياسة الخارجية الأمريكية بعيدًا عن وزارة الخارجية؛ حيث عيَّن مجموعةً من المبعوثين الخاصِّين لمناطق العالم الساخنة، تابعين له مباشرةً، وليس لوزارة الخارجية، ومن بينهم ريتشارد هولبروك لأفغانستان وباكستان، وجورج ميتشل في الشرق الأوسط، وسكوت جريشان للسودان، بالإضافة إلى إعطائه رتبة وزير لمندوبة الولايات المتحدة الدائمة في الأمم المتحدة سوزان رايس، بحيث تكون على ذات وزن هيلاري كلينتون.

 

وبجانب ذلك، يعتمد أوباما على أدواتٍ غير مباشرةٍ، وإنْ كانت رسمية في التعامل مع أطرافٍ كانت بينها وبين واشنطن قطيعة، مثل سوريا؛ حيث إنَّ مفتاح أوباما لسوريا كان وفودًا برلمانيةً تمثل الكونجرس ولا تمثل الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض.

 

هذه الترتيبة لأدوات السياسة الخارجية الأمريكية تشير إلى أنَّ أوباما له أجندة أهدافٍ واسعة النطاق تتجاوز قدرات ورؤى الدوائر الأصغر في هذا الإطار، مثلما هو الحال في وزارة الخارجية الأمريكية، مع ضرورة التأكيد والاعتراف بأنَّ المصلحة القومية الأمريكية هي التي تحرك أوباما في هذه الاتجاهات، كما اعترف هو ذاته في خطاب التنصيب، وليس أمرًا آخر.

 

غير معتاد

في السودان "قد يكون" هناك "تحوُّل ما" في السياسات الأمريكية إزاء السودان، فالمصادر الدبلوماسية الأمريكية أكدت أنَّ زيارة كيري المرتقبة إلى الخرطوم "مهمة" باعتبار أنَّها أول وفدٍ من الكونجرس يزور السودان منذ عام 2007م، كما أنَّها تتزامن مع زيارة المبعوث الأمريكي سكوت جريشان الحالية للسودان.

 

جريشان بدوره أدلى بتصريحٍ "إيجابيّ وغير مُعتادٍ" عند وصوله الخرطوم؛ حيث قال للصحفيين إنَّه "يتطلع لصداقة الحكومة السودانية والتعاون معها"، وأضاف أنَّه وصل إلى السودان "ويداه ممدودتان"، في تكرارٍ لجملةٍ استخدمها أوباما خلال حفل تنصيبه، واعتبرت عرضًا لتعزيز التعاون مع العالم الإسلامي.

 

مسئولون أمريكيون آخرون رأوا في تعيين جريشان محاولةً لإيجاد سبلٍ جديدةٍ للتعامل مع الحكومة السودانية، وبالتالي تنفيذ الأجندة الأمريكية في السودان، بعيدًا عن الأدوات الصِّدَاميَّة.

 

 الصورة غير متاحة

جريشان خلال زيارته للخرطوم

فجريشان، القائد السابق في سلاح الجو الأمريكي، لا تنقصه الخبرة بأفريقيا، فهو من مواليد الكونغو الديمقراطية، وكان والداه يعملان في مجال التبشير في إفريقيا، وتربطه علاقات شخصية ومهنية مع زعماء كبار في القارة السمراء، وتربطه صداقة شخصية بالرئيس الأمريكي "الذي يصغي إليه جيدًا، ويقدم تقاريره إلى الرئيس بشكلٍ مباشرٍ".

 

المشكلة هنا أنَّ الأمور لا تسير على وتيرةٍ واحدةٍ في أجندة الإدارة الأمريكية، فعلى الجانب الآخر من الأطلنطي؛ حيث الدائرة الأهم التي تتعامل مع الملف السوداني، الأمم المتحدة.

 

فمنذ مجيئه إلى السلطة ركز أوباما على إصلاح العلاقات مع الأمم والمنظمة الدولية، فطرح خطة لتحقيق الشراكة بين واشنطن والأمم المتحدة في قضايا العالم الأهم، مع سداد المتأخرات الأمريكية في ميزانيتها، بالإضافة إلى الإعلان عن انضمام الولايات المتحدة لمجلس حقوق الإنسان الجديد الذي كانت ترفض إدارة بوش الابن الانضمام إليه.

 

ومن هنا فإنَّ الأمم المتحدة مهمةٌ في أدوات السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الإدارة الجديدة، ولكن المشكلة فيما يخص السودان يكمن في طبيعة الشخصية التي عينها أوباما في منصب ممثل واشنطن هناك، وهي السوداء سوزان رايس، التي لا تمت بصلة قربى لوزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس.

 

فسوزان رايس تعطي لقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان أولوية للعمل في القارة الإفريقية، وترى أنه آن الأوان لبروز ما أسمته "قيادات جديدة" في القارة السمراء، وهو توجه قد يزعج بعض الأنظمة في القارة/ وفي هذا الإطار توقع خبراء أنْ تدعو سوزان رايس إلى استعمال القوة الأمريكية لحماية حقوق الإنسان في القارة الإفريقية، وتركز في هذا الشأن على إقليم دارفور.

 

وكان الملف الأهم الذي اعتبرته سوزان رايس بمثابة "فشل كبير" لإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، هو المذابح الجماعية التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية التي دارت بين قبائل الهوتو والتوتسي في رواندا وبوروندي في بداية عقد التسعينيات، ووقتها صرحت لمجلة "جامعة ستانفورد" التي درست فيها رايس قائلةً إنَّها صدمت "لحجم المأساة" عندما زارت رواندا عام 1994م، وتعتقد أنَّه كان يفترض بالأمم المتحدة أنْ تتدخل لوقف المجازر هناك.

 

وفيما يخص السودان تعتبر رايس من أكثر الشخصيات المحيطة بأوباما حاليًا معارضة للنظام الحالي في الخرطوم، وتدعو إلى بذل ما تصفه بـ"جهود فعالة لدعم الانتشار الكامل" للقوة المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في إقليم دارفور غربي السودان.

 

ويعتقد على نطاقٍ واسعٍ أنَّ سوزان رايس هي التي دفعت واشنطن للوقوف إلى جانب المعارضة السودانية المسلحة التي كانت تنطلق من الأراضي الإريترية لتعمل ضد الخرطوم خلال عملها في إدارة بيل كلينتون، خاصة "قوات التحالف الوطني" بقيادة العميد عبد العزيز خالد، ولذلك تدعو رايس إلى استعمال القوة ضد الخرطوم لإيقاف ما تصفه بـ"الإبادة الجماعية في دارفور".

 

هذه هي الواجهة التي سوف تدير الملف السوداني في الأمم المتحدة، التي لا يمكن تجاهل أبدًا أنَّ أحد هيئاتها، وهو مجلس الأمن الدولي، هو الذي حرَّك ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.

 

إذن أمامنا أمريكيًّا إزاء السودان، تحركاتٌ وشخصياتٌ بأجنداتٍ متباينةٍ، فكيف سوف تنتهي الأمور، وإيلام سوف تمضي إليه الأوضاع في هذا الملف المهم؟.. الأيام فقط هي ما سوف تجيب عن هذه الأسئلة، ولكن على الجميع الالتفات إلى أنَّ موعد الاستفتاء على تقرير مصير الجنوب السوداني قد اقترب بموجب اتفاق سلام الجنوب الموقع في نيفاشا الكينية بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان في التاسع من يناير من العام 2005م، والذي حدد صيف العام 2011م موعدًا لذلك.

 

فهل ترتب واشنطن دبلوماسيًّا لذلك من الآن؟، وهل تعمل بكل جهدها لفصل الجنوب غدًا وربما دارفور من بعده؟؟ وقت خروج التفاصيل نستطيع أن نعرف.