انتخابات رئاسية تشهدها الجزائر اليوم، وفي حقيقة الأمر فإنَّه لا مجال للتخمين فيما يخص الطرف الفائز؛ حيث أجمعت تحليلات إعلامية محلية ودولية على فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؛ الذي يخوض الانتخابات بدون هويَّةٍ حزبيةٍ (مرشحٌ مستقلٌّ) بولاية رئاسية ثالثة عقب اقتراع اليوم؛ بعد حملة انتخابية ركَّزت على نجاحه في الاستحقاق الأمني والمصالحة الوطنية، وأكدت أنَّه الأصلح لتدبير شئون المجتمع الجزائري، وقبيل الانتخابات عزَّزت السلطات الجزائرية طاقمها الأمني لتفادي أي تفجيرات محتملة لمعارضين للمسار الانتخابي الحالي بالجزائر.

 

وسيتقاسم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (72 سنة) أصوات 20 مليونًا ونصف المليون ناخب مسجَّلين في اللوائح الانتخابية، قرابة 942 ألفًا منهم في الخارج، مع 5 قياديين حزبيين آخرين، وهم: لويزة حنون عن حزب العمال (ذي توجّه شيوعي تروتسكي)، محمد سعيد عن قائمة حزب العدالة والحرية (وهو حزب إسلامي غير مرخص له)، علي فوزي رباعين عن حزب العهد- 54 (وهو حزبٌ قومي الاتجاه)، موسى تواتي عن حزب الجبهة الوطنية الجزائرية.

 

وفي حين ندَّدَ المنافسون للمرشح المستقل عبد العزيز بوتفليقة بانحياز الإدارة والإعلام المحلي لصالحه؛ استبق محمد تقية منسق اللجنة السياسية المسئولة عن مراقبة الانتخابات أيَّ طعن في شفافية الانتخابات بتصريحه للإذاعة الوطنية الجزائرية بإشادة المراقبين الدوليين بالظروف الجيدة؛ التي تُجرَى فيها انتخابات التاسع من أبريل؛ "حيث أتيح لكل مرشَّح التعبير عن برنامجه الانتخابي بكل حرية وشفافية".

 

وأضاف تقية: "الحملة الانتخابية مرَّت بنجاح وعلى كل المستويات؛ إذ تمكَّن المرشحون من عرض برامجهم الانتخابية بكل حرية في وسائل الإعلام الرسمية، كما نظّموا لقاءاتهم بدون وقوع أي حوادث".

 

 الصورة غير متاحة

المجلس الدستوري الجزائري مرَّر تعديلاً دستوريًّا يسمح لبوتفليقة بولايةٍ ثالثةٍ

وأشار منسق اللجنة السياسية لمراقبة الانتخابات الرئاسية إلى ما أسماه "تضخيم الحديث عن خروقات خلال الحملة الانتخابية"، وقال: "لم تسجّلْ إلا سبعة طعون ناتجة من عدم تفاهم بين المرشحين، وهي لا تؤثر في الانتخابات، وهي تتعلق باستعمال القاعات وتعليق اللافتات والسماح بمرور حافلات كل مرشح"، مؤكدًا أنَّ "على كل من مُورس في حقه حَيفٌ أنْ يتقدم بشكواه إلى القضاء في احترامٍ تامٌّ؛ لضمان شفافية الانتخابات الرئاسية".

 

وتتكون لجنة المراقبين الدوليين للانتخابات الجزائرية من أكثر من 200 مراقب، منهم ممثلون عن اللجنة العربية والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي، بالإضافة إلى عشرات الصحفيين الدوليين، الذين هُيِّئت لهم قاعة مجهَّزة بالوسائل اللوجستيكية لتتبع مراحل الانتخابات.

 

ورغم تأكيد المصادر الرسمية أنَّ نسبة المشاركة ستتراوح ما بين 55: 60%، إلا أنَّ معطيات إعلامية ذهبت إلى أنَّ الانتخابات الرئاسية ستعرف نسبةَ مشاركة ضعيفة؛ بسبب رداءة الطقس، وحسم نتيجتها لصالح بوتفليقة، بعد تعديل المادة (73) من الدستور الجزائري المتعلقة بحصر الرئاسة في ولايتين في نوفمبر الماضي، وموافقة البرلمان الجزائري والمجلس الدستوري هناك على فتح مُدَد تولّي الرئاسة.

 

فضلاً عن أنَّ بوتفليقة استفاد من الارتفاع الأخير لأسعار النفط قبل الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في سبتمبر الماضي؛ لتقديم خدمات اجتماعية واقتصادية خفَّفت وطأة الأزمة المالية على الجزائر بعد استغلال الفوائض النفطية المكتنزة.

 

وأكدت الصحف الفرنسية التي تتابع الانتخابات عن كثبٍ- وخصوصًا (لوموند)- ترجيح كفة بوتفليقة لولاية ثالثة بتسويقه السياسي؛ الذي أكّد سياسة القرب من المواطن من خلال جولاته بالولايات الجزائرية الثلاثين.

 

انتقادات

 الصورة غير متاحة

 مواطنات جزائريات أمام ملصق انتخابي للرئيس بوتفليقة

من جانبٍ آخر نقلت يومية (الخبر) الجزائرية الواسعة الانتشار أمس الأربعاء تصريحات مرشحين منافسين لبوتفليقة؛ الذي حسم الانتخابات لصالحه قبل إجرائها بعد تعديل الدستور الجزائري.

 

وفي رسالة عمَّمها على وسائل الإعلام؛ وجَّه حسين آيت أحمد رئيس حزب جبهة القوى الاشتراكية، أحد أهم الأحزاب السياسية الجزائرية- لدوره في حرب الاستقلال- انتقادات شديدة للانتخابات الرئاسية، وقال آيت أحمد: إنَّ الشعب الجزائري "لم يعد ينتظر شيئًا من السلطة"، داعيًا كل الجزائريين إلى تغيير النظام الحالي، قائلاً "إنَّها مسئوليتنا جميعًا أنْ نعيد الأمل لأبنائنا"، معتبرًا أنَّ "السلطة ميئوسٌ منها، لكن الأمل باقٍ في كل واحد منا".

 

من جانبه كشف محمد السعيد أحد المرشحين عن قناعته بأنَّ نتائج الانتخابات الرئاسية محسومة لصالح بوتفليقة دون أنْ يذكره بالاسم، وقال إنَّه "كان يعلم أن الرئيس القادم للجزائر قد تحدد بعد أنْ تم تعديل الدستور حين أُلْغِيَ تقييد الفترة الرئاسية بمدتين".

 

وأعلن محمد السعيد أنَّه سيودِّع ملف طلب اعتماد حزبه بعد 15 يومًا باسم حزب "العدالة والحرية" لدى وزارة الداخلية، مؤكدًا أنَّه "سيدافع وفق القانون عن حقه في النشاط السياسي؛ لأنَّه ليس من صالح السلطة مواصلة غلق الساحة السياسية"، بحسب قوله.

 

وحرص المرشح المنافس للرئيس بوتفليقة على عرض حصيلة تمويل حملته الانتخابية، مؤكدًا أنَّه موَّلها بالكامل من دعم الدولة الذي استهلكه عن آخره، وجدَّد دعوته للحكومة للتكفل بنفقات توظيف مراقبين لتغطية مكاتب ومراكز الانتخاب.

 

وحسب بيان للمجلس الدستوري بالجزائر، فالنتائج النهائية لرئاسات الجزائر سيعلن عنها يوم الجمعة 10 أبريل منتصف النهار.

 

برامج

 الصورة غير متاحة

مخاوف من مقاطعة الانتخابات بسبب حسم نتائجها لصالح بوتفليقة

جاء الاقتصاد على رأس قائمة وعود وبرامج المرشحين الانتخابية؛ حيث وعد المرشحون بعلاج مشكلات الميزان التجاري الجزائري المختلّ لصالح الواردات، التي تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار أمريكي سنويًّا للمواد الغذائية فقط.

 

وأجمع المرشحون على ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية "حقيقية، تقوم على القطيعة الكاملة لبرامج الإصلاحات الاقتصادية التي فُرضت على الجزائر باتفاقيات صندوق النقد الدولي عام 1993م لجدولة ديون الجزائر.

 

ويشير برنامج حركة الإصلاح الوطني ذات التوجُّه الإسلامي إلى بناء اقتصادٍ متعدد في موارده كبديلٍ للنظام النفطي القائم؛ يقوم على أساس نهضةٍ صناعيةٍ حقيقيةٍ وتوفير الشروط الكفيلة بتحقيق الأمن الغذائي كهدفٍ أساسيٍّ خلال السنوات الخمس القادمة، والاهتمام بقطاعات السياحة والمصارف، والتركيز على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحرير القطاع التجاري.

 

أما بوتفليقة فقد ركَّز في برنامجه على رفع مستوى الحياة للمواطنين، ومواصلة التنمية البشرية وتوفير السكن والرعاية الصحية والتعليم، وتعزيز القدرات الزراعية للبلاد، ومواصلة تنفيذ برنامج التجهيزات العمومية، وخلق 200 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة لتشجيع الاستثمار المنتج.

 

وبجانب الاقتصاد ركَّزت برامج المرشَّحين على قضية الإصلاح المؤسسي وتحسين العلاقة بين المؤسسات الحكومية، والارتقاء بمستوى الممارسة الحقوقية في البلاد؛ بما يشمله ذلك من تطويرٍ في النظام السياسي بأكمله لتوسيع نطاق المشاركة الشعبية.

 

كما كانت القضية الأمازيغية على قائمة المرشحين، وكان موسى تواتي مرشح الجبهة الوطنية هو أبرز من عمد إلى التركيز على هذه القضية، ووعد بتأسيس أكاديمية للغة الأمازيغية، بينما زاد بوتفليقة على ذلك بأنَّه سيجعل رأس السنة الأمازيغية في شهر يناير عطلةً رسميةً للدولة، ولكن المرشحين الستة لم يعِدوا بترسيم الأمازيغية لغةً رسميةً إلى جانب اللغة العربية في البلاد.

 

وعرفت برامج المرشحين انتقادات مع عدم تطرقها إلى قضايا تشغل الشارع الجزائري، من بينها تعديل قانون الانتخابات بما يلغي المرشح المستقل ليكون المرشح ممثلاً لحزبٍ ما، كما لم تتطرق برامج المرشحين إلى مسألة تعيين الحكومة؛ بحيث يكون معيار الوزير الكفاءة وليس الولاء الحزبي؛ لتنهض الحكومة بالمشاريع التنموية، وتكون مسئولةٌ فعليًّا أمام البرلمان ومحلّ مساءلته.

 

كما لم تتطرق برامج المرشحين إلى حرية الإعلام بإلغاء وزارة الإعلام، وإلغاء الرقابة على الصحافة لتكون رقيبًا فاعلاً على عمل الحكومة، وأخيرًا كان البعض يرغب في أنْ تتعرض برامج المرشحين إلى دور الجيش في الحياة السياسية وفصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.