يصادف الأول من مايو من كل عامٍ يوم العمال العالمي؛ حيث يحتفل العمال بجميع أنحاء العالم بيومهم هذا؛ وذلك للفت الأنظار إلى دور العمال ومعاناتهم، والعمل في تأمين متطلبات عيش كريم لهم؛ نظير جهودهم المبذولة في العمل، في الوقت الذي يكابد فيه عمال قطاع غزة هذه المناسبة العالمية بمزيدٍ من الفقر والبطالة وسط معاناة متفاقمة؛ حيث لا يجدون شيئًا ليحتفلوا به؛ فحالهم وما يمرون به منذ بدء انتفاضة الأقصى، مرورًا بالحصار المفروض على قطاع غزة، ختامًا بالحرب الأخيرة لا يسر عدو ولا حبيب.

 

مأساة العمال الغزيين في عيدهم ترشحهم لخيارين أمام الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة منذ ثلاث سنوات: التسول أو الانتحار.

 

ويبلغ عدد العمال العاطلين عن العمل في قطاع غزة بـ200 ألف عامل فلسطيني؛ وذلك نتيجة إغلاق المعابر والحصار المفروض على قطاع غزة، والذي أدَّى إلى توقف الحياة الاقتصادية بشكلٍ كامل، وحرمان هؤلاء العمال من أعمالهم.

 

وتحكي تجاعيد وملامح وجه العامل مدحت أبو شنب 45 عامًا من سكان غزة  قصة المعاناة والمأساة التي يكابدها بعد أن أصبح عاطلاً عن العمل منذ ست سنوات؛ حيث أصبح عاجزًا عن توفير احتياجات أسرته، ودفعته الحاجة إلى بيع مصاغ زوجته دون أن يتبقى شيء يمتلكه.

 

ويعتمد أبو شنب في توفير احتياجات أبنائه على المساعدات التي توزعها بعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية والحكومية في غزة.

 

يضيف أبو شنب لـ(إخوان أون لاين): "كنت عاملاً في داخل فلسطين 48، ومنذ ستة أعوام انقطعتُ عن عملي؛ مثل باقي العمال الفلسطينيين؛ وأصبحنا عاطلين عن العمل وأنفقنا كل ما ادخرناه خلال سنوات عملنا، وأصبح وضعنا الآن سيئًا للغاية في ظل الحصار، وعدم توفر فرص العمل".

 

ويضطر أبو شنب يوميًّا للخروج في الصباح الباكر؛ حتى لا يراه أبناؤه الصغار، فلا يوجد في جيبه  مصروف بسيط لهم قبل توجههم إلى المدرسة.

 

وأضاف: "منذ ست سنوات وهم يذهبون إلى مدرستهم مشيًا على الأقدام لمسافات طويلة، ولا أستطيع أن أعطي أحدهم شيكلاً واحدًا أي ربع دولار لركوب سيارة أجرة.

 

ولم يكن العامل فتحي الشيخ 40 عامًا من سكان شرق غزة أحسن حالاً؛ حيث يعيش حياةً مؤلمةً بعد أن اصطف إلى جانب عشرات الآلاف من العمال الذين أصبحوا عاطلين عن العمل.

 

ويحاول الشيخ- كما أشار لـ(إخوان أون لاين)- جاهدًا البحث عن عمل داخل قطاع غزة منذ سبع سنوات؛ لكن دون جدوى.

 

ويضيف الشيخ بصوتٍ متهدج : "تحول وضعي المادي إلى مأساة حقيقية، فقد تراكمت عليَّ الديون للمحلات التجارية المجاورة، ولا يوجد لي مصدر للرزق، ولدي سبعة أبناء، وباعت زوجتي كل مدخراتها من الذهب حتى نُنفق على البيت، وعندما يطلب مني أحد أطفالي مطلبًا بسيطًا لا أستطيع توفيره.

 

ويعتقد الشيخ أن وضعه أفضل وأحسن كثيرًا من الآخرين؛ لأن المنزل الذي يسكنه ملكه، بينما الآخرون عاطلون عن العمل ويسكنون بالإيجار.

 

وترسم زوجته أماني باختصار حالتهم المعيشية مضيفةً: "نعيش في ظروف صعبة جدًّا ولا تُحتمل، أقول للأولاد اصبروا حتى يعثر والدكم على عمل؛ فنحن لا نستطيع توفير الطعام لهم".

 

وقدَّر خبير فلسطيني عددَ العمال العاطلين عن العمل في قطاع غزة بـ200 ألف عامل فلسطيني؛ وذلك نتيجة إغلاق المعابر والحصار المفروض على قطاع غزة، والذي أدَّى إلى توقف الحياة الاقتصادية بشكلٍ كامل، وحرمان هؤلاء العمال من أعمالهم.

 

 الصورة غير متاحة

د. ماهر الطباع

وقال الدكتور ماهر الطباع مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية الفلسطينية والخبير الاقتصادي: إن معدلات البطالة والفقر ارتفعت في الأراضي الفلسطينية بشكلٍ عام؛ وفي قطاع غزة بشكلٍ خاص، وبشكلٍ كبيرٍ جدًّا؛ منذ بداية انتفاضة الأقصى قبل تسع سنوات؛ حيث فرضت قوات الاحتلال الحصار الاقتصادي على قطاع غزة، وبدأت تنتهج سياسة إغلاق المعابر التجارية ومعابر الأفراد بشكلٍ مستمر، ومنعت العمال الفلسطينيين والبالغ عددهم في ذلك الوقت 40 ألف عامل تقريبًا من التوجه إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر، فيما بدأ يتقلص عدد العمال داخل الخط الأخضر تدريجيًّا إلى أن وصل إلى الصفر, وفقد قطاع غزة دخلاً يوميًّا هامًّا جدًّا من أجور العمال اليومية، والتي كانت تعتبر من أهم مصادر الدخل القومي الفلسطيني على مدار سنوات عديدة.

 

وأوضح أنه وبالرغم من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة في قطاع غزة بلغ إجمالي عدد العاملين في قطاع غزة قبل الإغلاق والحصار الأخير بحوالي 215 ألف عامل موزعين على جميع الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

 

وأشار الطباع إلى أن أزمة البطالة والفقر تفاقمت نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عامين، وارتفعت معدلات البطالة والفقر بشكلٍ جنوني؛ نتيجة توقف الحياة الاقتصادية بالكامل, وأصبحت غزة مدينة أشباح خاوية من كل شيء، وحسب آخر التقديرات بلغ معدل البطالة 65%، ومعدل الفقر 80% في قطاع غزة، وأصبح معظم السكان 85% يعتمدون على المساعدات الإنسانية المقدمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وبرنامج الغذاء العالمي، والجمعيات الخيرية والإغاثية المختلفة.

 

وقال إن قطاع العمال تلقى ضربةً قاسمةً نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عامين؛ حيث توقفت جميع الأنشطة الاقتصادية عن الإنتاج؛ نتيجة إغلاق جميع المعابر المؤدية لقطاع غزة، وعدم سماح قوات الاحتلال بدخول المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع، وأتت الحرب الأخيرة على قطاع غزة لتدمر ما تبقَّى من القطاع الصناعي والتجاري والزراعي؛ مما أدَّى إلى زيادة عدد العمال العاطلين عن العمل؛ نتيجة تدمير المصانع والشركات التجارية، وتجريف الأراضي الزراعية، وهدم المئات من مزارع تربية الدواجن، وضرب سوق الثروة الحيوانية والسمكية.

 

وحسب مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية في غزة فإن عددَ العاملين في القطاع الصناعي قبل الحصار بلغ 35 ألف عامل، وانخفض بعد الحصار عدد العاملين في القطاع الصناعي ليصل إلى أقل من 1400 عامل في مختلف القطاعات الصناعية؛ حيث أغلقت 96% من المنشآت الصناعية والبالغ عددها 3900 منشاة قبل الحصار؛ نتيجة عدم توفر المواد الخام، وباقي المنشآت التي استمرَّت في العمل تعمل فقط بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 15% في مجال الصناعات الغذائية.

 

وأضاف أن القطاعات الصناعية الأساسية تأثَّرت بشكلٍ كبير؛ حيث تم إغلاق ما يزيد عن 500 مصنع ومنجرة للأثاث، وفقدان أكثر من 5000 عامل إلى عملهم, وأغلق نحو 600 مصنع وورشة خياطة، وتعطَّل نحو 15 ألف عامل, وتعطَّل عن العمل نحو 5000 عامل يعملون في قطاع الصناعات المعدنية والهندسية.

 

كما تم إغلاق جميع المصانع بمنطقة غزة الصناعية، وتعطَّل نحو 2500 عامل عن العمل كانوا يعملون لدى تلك المصانع، والتي كانت تعتمد على تصدير منتجاتها للخارج.

 

وأوضح أنه نتيجة لعدم دخول مواد البناء وتوقف الصناعات الإنشائية؛ فَقَدَ نحو 3500 عامل وموظف عملهم بقطاع الصناعات الإنشائية، كما تعطَّل عن العمل جميع مَن يعملون في قطاع البناء والقطاعات المساندة له، وشركات المقاولات في قطاع غزة.

 

وتوقفت جميع مشاريع البناء والتطوير التي تنفذها الأونروا والمؤسسات الدولية، والتي تشكل مصدرَ دخل لما يزيد عن 121 ألف شخص، وتُعتبر مصدرًا حيويًّا للوظائف في سوق غزة الذي يعاني من البطالة والفقر.

 

وناشدت الغرفة التجارية الصناعية الزراعية لمحافظات غزة- بصفتها الممثل الرئيسي لكل قطاعات الإنتاج الفلسطيني المختلفة- المنظمات الدولية والعربية والإسلامية النظرَ إلى عُمال قطاع غزة، والعمل على الحدِّ من انتشار البطالة والفقر في القطاع.

 

وشددت على تضافر الجهود المحلية والدولية؛ لاستحداث برامج تشغيل محلية، تُساهم في الحدِّ من مشكلة البطالة المتفشية في قطاع غزة.

 

وطالبت الغرفة التجارية بالبدءِ بوضع برامج إغاثة عاجلة للعمال، وكذلك وضع الخطط اللازمة لإعادةِ تأهيل العمالة الفلسطينية.