تحولت أنقرة اليوم إلى قِبْلَة للزعماء العرب وغيرهم من دول المنطقة، ففي أقل من شهر توافد على العاصمة التركية كلٌّ من الرئيس السوري بشار الأسد، والأمير القطري حمد بن خليفة آل ثاني، ووزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي، ليتبدل المشهد في الشرق الأوسط، فأخيرًا وبعد غياب طويل تلوح في الأفق قبلة جديدة تلتف حولها شعوب المنطقة التي طالما استظلت بمظلة واحدة عبر التاريخ تبدلت هذه المظلة باختلاف القوى السياسية التي هيمنت على المنطقة.

 

وتنعقد قمة ثلاثية مفاجئة في مدينة إسطنبول بين الرئيس بشار الأسد والأمير حمد بن خليفة آل ثاني والرئيس التركي عبد الله جول وتبحث التهديدات الأمريكية الصهيونية لدمشق، والملف العراقي بعد الانتخابات، كما سيحوز الملف النووي الإيراني خاصة بعد التطورات الأخيرة المتمثلة في المناورات العسكرية الإيرانية في الخليج العربي، وزيارة وزير الخارجية منوشهر متقي إلى تركيا، بالإضافة إلى القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي الذي تلعب فيه تركيا أكثر من دور سواء على صعيد المساعي التركية لكسر الحصار الذي يفرضه الكيان الصهيوني على قطاع غزة؛ حيث تستعد أنقرة لإطلاق انتفاضة سفن على حد قول الرئيس عبد الله جول ستنطلق من تركيا والعديد من الدول الأوروبية، وكذلك إبداء الاستعداد للعب دور الوسيط في أي مفاوضات قد يكون من شأنها الحد من الاستيطان والانتهاكات التي تتعرض له المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى، بالإضافة إلى دور الوساطة التركية في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا والكيان الصهيوني فيما يتعلق بهضبة الجولان المحتلة.

 

مشهد لم يكن من الممكن تصوره منذ قيام الجمهورية التركية بل كان ضربًا من المستحيل في ستينيات القرن الماضي.. الرئيس السوري يقف على منصة في العاصمة التركية أنقرة قائلاً:

"خطوات الحكومة الصهيونية تجعل احتمال الحرب ممكنًا.. إسرائيل ليست شريكًا للسلام..."؛ الواقع أن الجديد هنا ليس كلمات الأسد، فالأمر الأكيد أن الرئيس السوري لم يكن يقصد إعلان الحرب على الكيان الصهيوني أو تهديده عسكريًّا، كما أن لسانه كلسان أبيه تعودا النطق بهذه الكلمات بل وبكلمات أشد بأسًا.. لكن الجديد والرسالة الحقيقية الموجهة للكيان الصهيوني هي أن هذه الكلمات قيلت من إسطنبول بتناغم تركي.

 

إن زيارة الأسد ثم الأمير حمد آل ثاني إلى أنقرة لم تكن مجرد زيارة لرئيس دولة إلى دولة جارة، بل إنها زيارة إلى القوى الصاعدة الجديدة تركيا التي نجحت في بضع سنين فيما خفق فيه الجميع طوال عقود طويلة، والتي توترت علاقتها مع الكيان الصهيوني بشكل غير مسبوق منذ الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة، كما أن هذه العلاقات أصبحت عُرضة للمزيد من التوتر بين حليفتي الماضي.

 

وتأتي زيارة الأسد بعد اشتراك الجيشين السوري والتركي في مناورات عسكرية مشتركة في الوقت الذي غاب فيه الكيان الصهيوني عن أي مناورات عسكرية مع الجانب التركي منذ الحرب على غزة، بالإضافة إلى أن توقيت الزيارة والمناورات العسكرية المشتركة يتزامن مع التهديدات الصهيونية المتصاعدة ضد سوريا وحزب الله، واتهام الكيان الصهيوني لسوريا بتزويد حزب الله بصواريخ سكود، وهو الاتهام الذي قال عنه الرئيس التركي عبد الله جول إنه يهدف إلى انحراف المنطقة عن مسار السلام.

 

وعلى صعيد آخر تبرز تركيا كجسر قوي يمكن الاعتماد عليه للتوصل إلى اتفاق بين إيران والغرب فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني؛ ما يكسبها مزيدًا من التأييد للاستمرار في سياستها الخارجية على الأقل إزاء بعض الملفات؛ حيث وافق وزير الخارجية الإيراني على إجراء مفاوضات مع البلدان الغربية فور تحديد موعد، فيما يزور رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا طهران السبت المقبل؛ لبحث عملية تبادل اليورانيوم الإيراني بوقود نووي من الخارج، وأيد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي بعد لقائه نظيره التركي أحمد داود أوغلو اقتراح استضافة اجتماع بين كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين سعيد جليلي ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون كممثلة عن مجموعة الدول الست الكبرى التي تفاوض طهران، ووصفه بأنه اقتراح جيد بالنسبة إلى بلاده، وصرح أوغلو "طريق الجهود الدبلوماسية يجب أن تكون مفتوحة، وأبدت إيران إيجابية فيما ننتظر الآن جوابًا من أشتون"، وتزامن ذلك مع إعلان الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية رامين مهمان برست أن المشروع التركي البرازيلي المشترك يمكن أن يشكل قاعدة مناسبة لإجراء عملية تبادل للوقود النووي تعزز الثقة بين طهران والغرب، موضحًا أن وجهات نظر الجانبين متقاربة في شأن حجم اليورانيوم وموعد التبادل ما يمهد لحصول توافق مع تحقيق مطالبنا في تحديد مكان التبادل في إيران.

 

بالتأكيد هذا الدور التركي الذي يلوح في أفق الشرق يزعج الكيان الصهيوني، لكن الأكيد أنه لا مدخل لتركيا يستطيع من خلاله أحد إدانتها أو وضعها في موضع المتهم، وهذا هو الدافع الرئيسي لجهود واشنطن التي أدَّت إلى تجميد الاتفاقيات التي وقعتها أرمينيا مع تركيا ليبقى الوضع قائمًا على ما هو عليه، لكن طبيعة التاريخ هي الحركة والتغير والتبدل وما لا تدركه واشنطن أو الكيان الصهيوني أنه لا أحد يمكنه الوقوف في وجه حركة التاريخ.

 

بغض النظر عن اعتبارات التاريخ الحديث أو المعاصر التي تحدد كثيرًا من مشهد علاقة الأتراك بالشعوب المحيطة بهم في الشرق، وبغض النظر عن اعتبارات الجغرافيا التي فصلت الأراضي التركية إلى قسمين أحدهما آسيوي والآخر أوروبي، وبغض النظر عن اعتبارات الاقتصاد وما فرضته الأزمة المالية العالمية من متطلبات وما استتبعها من أزمات.. تجاوزت التجربة التركية كل الاعتبارات لتعطينا نموذجًا فريدًا على كافة المستويات طالما حلم به المواطن العربي ولم يجده في أي من 22 دولة الأعضاء في جامعة الدول العربية.

 

ظلَّت المعركة في أنقرة ولا تزال في السياسة الداخلية، وحتى وقت قريب كانت مواقف السياسة الخارجية التركية الإيجابية تجاه القضايا العربية والإسلامية المحورية معدودة، حتى وصلت الآن إلى مرحلة التحول الإستراتيجي بعد تحقيق حزب العدالة والتنمية للعديد من الانتصارات على معسكر الإنقلابيين من العسكر والقوى الأتاتوركية، وهكذا كلما تحققت النجاحات في الداخل انعكست على السياسة الخارجية وهو ما نشهده اليوم؛ حيث صوَّت البرلمان التركي على إصلاح الدستور فاتحًا المجال لتنظيم استفتاء للمصادقة نهائيًّا على مجموعة من التعديلات التي ستمنح حكومة حزب العدالة مزيدًا من الصلاحيات في مواجهة معسكر العلمانيين، وحصل تعديل الدستور على 336 صوتًا من أصل 550 في البرلمان أي أكثير من الـ330 المطلوبة لكنها أقل من غالبية الثلثين التي تسمح بالمصادقة عليه نهائيًّا دون استفتاء، وسترفع التعديلات التي تهدف إلى تشديد القيود على حظر الأحزاب السياسية، والحد من نفوذ الهيئات القضائية والجيش؛ لتتم المصادقة عليها من قبل رئيس الجمهورية الذي سيعلن تنظيم استفتاء ربما في يوليو المقبل؛ هذا التقدم الذي يحرزه حزب العدالة والتنمية يدعم تحرر السياسة الخارجية التركية من قيود الداخل والخارج معًا، وكما يقول علماء السياسة: إذا أردت أن تعرف السياسة الخارجية لدولة ما فاطلع جيدًا على سياستها الداخلية، وكما قال آخرون: لا توجد سياسة خارجية وإنما سياسة داخلية فحسب، هذه السياسة في تركيا عكست نظامًا سياسيًّا قائمًا على المؤسسات مستندًا إلى معايير الديمقراطية والحرية واقتصادًا واعدًا ومظهرًا حضاريًّا براقًا يليق ببلد يتحدث باسم الأتراك من إسطنبول وحتى تركستان الشرقية "سيانج يانج" في الصين، ويتحدث باسم مسلمي العالم سواء كانوا في أفغانستان أو قطاع غزة، وهكذا تصبح أنقرة قِبْلَة الشرق الجديدة.