قبل 62 عامًا, حلَّت على فلسطين وشعبها كارثة وطنية عُرفت بنكبة عام 1948م النكبة، تمثلت في نجاح الحركة الصهيونية- بدعمٍ من بريطانيا- في السيطرة بقوة السلاح على القسم الأكبر من فلسطين وإعلان دولة "إسرائيل".

 

وترافق هذان الأمران مع اقتلاع الفلسطينيين من 20 مدينة ونحو 400 قرية, غدت أملاكها ومزارعها جزءًا من الدولة الجديدة.

 

وخلال تلك الأحداث التي رافقها تدخل عسكري عربي لصالح الفلسطينيين وهدنتان, لقي 10 آلاف فلسطيني على الأقل مصرعهم في سلسلة مجازر وعمليات قتل ما زال معظمها مجهولاً, كما أُصيب ثلاثة أضعاف هذا الرقم بجروح وهجر 60% من سكان فلسطين أي نحو 700 ألف.

 

ويحيي الفلسطينيون في الخامس عشر من مايو من كل عام ذكرى النكبة الكبرى التي أدَّت إلى تشريد القسم الأكبر من الشعب الفلسطيني بفعل قوة المجازر الصهيونية, وتبعًا لعملية الإحلال اليهودي مكان صاحب الأرض الأصلي.

 

ورغم مرور 62 عامًا لا يزال اللاجئون الفلسطينيون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم القديمة والمقتنيات التي حملوها معهم منذ التشريد، وعلى خطى اللاجئين الأوائل يتناقل الأبناء والأحفاد تلك المقتنيات بوصفها كنوزًا لا تُقدر بثمن ولا تقبل التفريط.

 

الحاج محمد منصور 80 عامًا يعيش بالقرب من المناطق الحدودية شرق غزة عاش نكبة 48، ويصف منصور والحزن يخيم على وجهه المجعد هذه الأيام بأنها الأسوأ منذ النكبة، موضحًا أن معاناتهم لم تتغير منذ شردوا قسرًا من وطنهم، وتركوا آلاف المزارع "ليسرح ويمرح" فيها الاحتلال.

 

ويضيف الحاج منصور أنه لا يزال يعيش أجواء النكبة كسائر البدو الذين يطاردهم الاحتلال ويمنعهم من المراعي، ويهدم بيوتهم ويحرمهم من البنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء، ويهددهم ويلاحق أبناءهم، ويعرض عليهم العمالة مقابل السكوت على إقامتهم في بعض المناطق.

 

ويقول إنه لا يزال يعيش حتى الآن النكبة بتفاصيلها، بعد أن كان يملك آلاف الدونمات في مدينة بئر السبع.

 

ووقعت نكبة الفلسطينيين عام 1948م عندما أُنشئت دولة الكيان الصهيوني بقوة السلاح على الجزء الأكبر من أراضي فلسطين التاريخية، واقتلع نحو 700 ألف شخص من مدنهم وقراهم وجرى تشتيتهم، وأُزيل أكثر من 400 قرية عن الخارطة.

 

الحاج الثمانيني أبو محمد من سكان المجدل ويعيش الآن في مخيم الشاطئ، ما زال يحتفظ بذكرياته حول مشاركة الجيش المصري وعبد الناصر شخصيًّا في الدفاع عن بلدته شمال فلسطين، ويقول إن المعاناة بدأت عندما هاجمت العصابات الصهيونية البلدة من عدة جهات، وأطبقت عليها الحصار ثم قصفت بالطائرات، مقدرًا عدد الجنود الذين حوصروا بنحو ألف جندي.

 

وأضاف أبو محمد أن عمدة البلدة آنذاك جمع السكان للبحث في كيفية توفير التموين للجيش المصري، وتمَّ الاتفاق على توزيع الحبوب على البيوت لطحنها في المطاحن اليدوية وخبزها وتوزيعها على الجنود.

 

 

 عجوز فلسطينية تجدد العهد على العودة إلى الديار

وفي حديثه عن عبد الناصر الذي عاصره يقول "اجتمعت به أكثر من مرة وتناولت معه الطعام في ديوان عمدة القرية، وعبد الناصر سلّح الشباب وكان دائمًا مستعدًا للحرب ومرتديًا بدلته العسكرية".

 

ويذكر أنه كان يحب طعم القهوة الفلسطينية، كما كان مرحًا يتميز بالأخلاق الحسنة ويتواضع كثيرًا للأطفال ويستمع لهم ويحدثهم.

 

من جهتها، لا تزال الحاجة خديجة أبو حجر تحتفظ بمطحنة والدتها التي طحنت عليها القمح للجيش المصري أثناء حصار بلدتها، موضحةً أن النساء كن مشغولات طوال الوقت في إعداد الخبز والطعام للجيش.

 

وتقول: إن والدها هو الذي كان يذبح الأغنام والأبقار للجيش، في حين كان زوجها يشتري الأغنام والأبقار من السكان على حساب الحكومة المصرية لذبحها في البيوت لإطعام المقاتلين؛ ما كان له الأثر في استمرار صمودهم وصمود سكان البلدة.

 

ويحتفظ الحاج عبد العزيز عيسى (84 عامًا) بسيف ومطحنة أحضرهما من الفالوجة، ويقول إن احتفاظه بهذه المقتنيات يعني تعلقه بوطنه وبلدته الأصلية.

 

ويوضح أنه لا يقبل بيع الطاحونة بأي ثمن؛ لأن التفريط فيها لا يختلف عن التفريط بتراب الوطن، حسب تعبيره.

 

ويضيف الحاج عيسى أن جنود الاحتلال الصهيوني حاولوا بعد اقتحام منزله خلال الانتفاضة الأولى الاستيلاء على السيف؛ لكنه رفض تسليمه لهم، وبعد عراكٍ معهم تركوه له، وما زال ابنه يحتفظ به.

 

ورغم تمكن لاجئين كثر من إحضار بعض المقتنيات القديمة، فإن لاجئين آخرين ممن عاصروا النكبة قالوا إنهم لم يفكروا في حمل الأمتعة والأغراض؛ اعتقادًا منهم حينها بأنهم سيعودون إلى بلداتهم الأصلية كما وعدتهم الدول العربية.

 

وطردت العصابات الصهيونية في العام 1948، 750 ألف فلسطيني كانوا يمثلون في تلك الفترة 53,6% من مجموع الشعب الفلسطيني، وتركز معظم اللاجئين إثر النكبة في المناطق الفلسطينية الناجية من الاحتلال في كلٍّ من الضفة والقطاع، فيما هجر آخرون إلى عدة دول عربية قريبة كالأردن ولبنان وسوريا والعراق ومصر.

 

ويستذكر الفتى مهند يحيى 14 ربيعًا حكايات جده عن أرضهم في بلدة المجدل المحتلة، موضحًا أن الجلسات التي كان جده يسامرهم بها في ليالي الشتاء الباردة كانت تملأ جو أسرتهم الصغيرة بدفء الذكريات عن البيارة وأشجار الزيتون والبرتقال والتين، وتعيد إلى الذاكرة منزل العائلة المتواضع المصنوع من الطين في بلدة المجدل.

 

ويقول "مهند" الطالب في الصف التاسع بمدرسة الفلاح الإعدادية للاجئين، والذي تعلق بحكايات جده عن المفتاح والعودة كثيرًا: "رغم أنني كنت صغير السن عندما كان جدي أبو سامي يروي لي إخوتي قصص المجدل وبئر المياه في أرضه التي هجر منها قسرًا، إلا أن ذاكرتي ما زالت متعلقةً بحكايات الدار ورموز العودة التي أوصاني جدي قبل وفاته بعدم نسيانها والتمسك بها".

 

وأضاف الفتى الغزي الذي يأمل بعودته وأسرته المهجرة لبلدتهم الأصلية "المجدل": "رغم أنني فقدت جدي قبل سنوات وكان بالنسبة لي صاحب الذكريات والحكايات عن أرضنا ودارنا وقضيتنا وكان يوصيني دائمًا بالتمسك بالحقوق والثوابت وعدم نسيان حق العودة"، لافتًا إلى أن جدته الثمانينية ما زالت تروي له حكايات البلاد المغتصبة، وتذكره بوصايا الأجداد لتبقى محفورةً في ذاكرته بعيدة عن النسيان.

 

وكانت الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة أعلنت عن انطلاق فعاليات إحياء ذكرى النكبة الـ62، مؤكدةً تمسك الشعب الفلسطيني بثوابته، وعلى رأسها حق عودة اللاجئين إلى أرضهم التي هجروا منها عام 1948م.

 

وأوضحت أن إحياء ذكرى النكبة يأتي كخطوة من أجل تأكيد أن حق العودة ورغم المعاناة المستمرة والمؤامرات المتكررة هو حق ثابت وراسخ، ولا يمكن له أن يسقط بالتقادم، فيما أنهت اللجنة العليا لإحياء ذكرى النكبة بغزة استعداداتها لإحياء الذكرى الـ62 لنكبة الشعب الفلسطيني، بعد عقدها عدة اجتماعات تحضيرية لإطلاق فعاليات تستمر لمدة أسبوعين.

 

وتبقى ذاكرة الأحفاد الفلسطينيين متعلقةً برموز العودة للديار ومفتاح الدار في منازلهم التي هجروا منها، آملين بالعودة للبيت والأرض متمسكين بخيار المقاومة وسلاح الإيمان.