- المسلمون الوافدون مرفوضون لتمسكهم بصحيح الدين الإسلامي

- الشيوعية طاردتهم بالإلحاد والاتحاد الأوروبي يشجِّع على الهجرة

رضا عبد الودود

رغم قدم الوجود الإسلامي في "ليتوانيا"، إلا أن المسلمين لم يتغلغلوا في الثقافة الليتوانية بشكل جيد، بالرغم من أن مساجدهم ومقابرهم قد أصبحت جزءًا من معالم أرض "ليتوانيا"، ومع أن التتار الليتوانيين قاوموا الاندماج الثقافي، ومع أن تحوُّلهم إلى النصرانية كان نادرًا، ومع ذلك، إلا أنهم تخلُّوا عن العديد من الممارسات الإسلامية، وأصبح معظمهم لا يصلِّي، ولا يقرأ القرآن ولا يصوم رمضان.

 

وكان المسلمون التتار قد أنشئوا عددًا من المساجد، ويُعتقد أن أول مسجد أُقيم هناك كان قد بُني في نهاية القرن الرابع عشر أو في بداية القرن الخامس عشر، وبما أن هذه المساجد كانت مصنوعة من الخشب، فإنه لم يفلت واحد منها من الاحتراق في زمن دوقية "ليتوانيا" الكبرى (وذلك في الفترة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر).

 

ولأن أغلبية التتار الليتوانيين عاشوا في المناطق الريفية، فإن المساجد في القرى أكثر منها في المدن، ويوجد حاليًّا أربعة مساجد مفتوحة في "ليتوانيا": أحدهم في مدينة كاوناس، والثاني في قرية نيميسِز (القريبة من العاصمة فيلنيوس)، والثالث في "كِتورْياسْدِسيمْتيز توتورْيو"، والرابع في رايْطياي، وأما فيلْنيوس فليس فيها أي مسجد، وتُقام التجمعات في مركز جالية التتار الليتوانيين.

 

و"ليتوانيا".. من دول البلطيق الثلاث التي تقع في أوروبا الشرقية، تحدها عدة دول؛ بولندا، لاتفيا، وروسيا البيضاء، وكالينغراد، تقع على ساحل بحر البلطيق، تبلغ مساحتها حوالي 60000 كم مربع، وعدد سكانها يبلغ حوالي 3 ملايين ونصف المليون نسمة، لغة الدولة الرسمية هي اللغة الليتوانية، ومعظم السكان يتكلمون اللغة الروسية، منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في 2004م، وسياستها مرتبطة بالدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسعى إلى أن تستفيد في اقتصادياتها منها، فالاقتصاد في "ليتوانيا" ضعيف؛ وذلك لعدم وجود إنتاجيات ضخمة في بلد يعتمد على الثروة الزراعية والحيوانية، فقيمة العملة المحلية بالمقارنة لأسعار الدولار الأمريكي تبلغ ثلاثة ونيف ليتة للدولار الواحد، وتسعى ""ليتوانيا" لتحسين اقتصادها من خلال إدخال شركات أجنبية، وعقد الكثير من الاتفاقات مع الدول الأوروبية لمساعدة "ليتوانيا" اقتصاديًّا.

 

الإسلام في "ليتوانيا"

كان أول دخول للدين الإسلامي إلى "ليتوانيا" في سنة 1393م، وذلك إثر دعوة ملك "ليتوانيا" آنذاك (في تاوتس) للمسلمين الذين كانوا يسكنون شبه جزيرة القرم؛ لمساعدته في حرب الصليبيين الذين جاءوا ليغزوا هذه البلاد، فجاء المسلمون بأعداد كبيرة واستوطنوا في هذا البلد، وكانوا يمارسون عباداتهم بحرية كاملة حتى إنهم استطاعوا أن يبنوا عدة مساجد آنذاك، ما زال يوجد منها أربعة مساجد، أهمها مسجد (كاونس) الذي كان عبارةً عن مسجد خشبي، ثم أُعيد بناؤه من حجر سنة 1933م، بمساعدة الدولة الليتوانية؛ حيث تبرعت بنصف المبلغ لبناء المسجد، وذلك قبل الحقبة الشيوعية، ويعتبر عمر المسجد الحجري الآن حوالي 70 سنةً، وعمر المسجد الخشبي الأول حوالي 600 سنة، وتقوم حاليًّا الجمعية الإسلامية التترية بالإشراف على المسجد في كاونس، وكذلك تقوم بالإشراف على المساجد الثلاثة الأخرى، وهي عبارة عن مساجد خشبية موجودة في قرى إسلامية متنوعة، ومعظم المسلمين المحليين هم من أصول تترية، ومعظمهم أتى من شبه جزيرة القرم وآخرون أتوا من دول إسلامية مجاورة في الحقبة الشيوعية، مثل جمهورية تترستان، وجمهورية بشكيريا التابعتين حاليًّا لروسيا الاتحادية.

 

وعندما أُلحقت "ليتوانيا" بالاتحاد السوفييتي، أُجبر التتار على ترك قراهم والانتقال إلى المدينة.

 

وتحوَّل مسجد كاونس، الذي كان قد افتتح للمرة الأولى عام 1933م، إلى مكان تُعرض فيه ألعاب السيرك، ثم أُعيد فتح المسجد مرةًً أخرى عام 1991م، وتقوم حاليًّا الجمعية الإسلامية التترية بالإشراف على المسجد في كاونس، وكذلك تقوم بالإشراف على المساجد الثلاثة الأخرى التي هي عبارة عن مساجد خشبية موجودة في قرى إسلامية متنوعة.

 

يبلغ عدد المسلمين في "ليتوانيا" نحو ستة آلاف نسمة، وأصلهم من التتار الذين بدءوا الاستيطان في "ليتوانيا"، وقد بدأت عملية هجرة هؤلاء المسلمين التتار إلى ما كان يُعرف في ذلك الوقت بدوقية "ليتوانيا" الكبرى في أوائل القرن الرابع عشر، واستمرت حتى نهاية القرن الخامس عشر تقريبًا، وكانوا يتنقلون بين دوقية "ليتوانيا" الكبرى والدولة العثمانية، ومعظم المسلمين الليتوانيين أتوا من جزيرة القرم أو من دول إسلامية مجاورة في الحقبة الشيوعية، مثل دولة تترستان كازان ودولة بشكيريا، والتتار المسلمون الذين استوطنوا "ليتوانيا" إما مهاجرين سياسيين من الخانيات والقبائل التترية، وإما جنودًا مسلمين اتخذهم "فيتاوتاس" الدوق الأكبر لـ"ليتوانيا" لحمايته الشخصية ولمساعدته في حرب الصليبيين، الذين جاءوا ليغزوا هذه البلاد، وإما أسرى حرب تم أسرهم خلال الحروب بين دوقات "ليتوانيا" وأعدائهم المسلمين في أقصى الحدود الشرقية لدوقية "ليتوانيا" الكبرى.

 

وهكذا كان وصول الإسلام إلى "ليتوانيا" مختلفًا عن وصول المسلمين إلى جنوب وجنوب شرقي أوروبا؛ حيث إن وصول المسلمين إلى جنوب وجنوب شرقي أوروبا جاء مع القتال وفرض الحكم الإسلامي، بينما تمَّ الترحيب بالمسلمين لدى وصولهم إلى "ليتوانيا"؛ حيث استقروا بسلام في أراضٍ يحكمها غير المسلمين (الكاثوليك)، وبالإضافة للمسلمين المحليين التتار، فإن هناك قوميات إسلامية أخرى مثل الأذربيجان، والذين يقدَّر عددهم بمائتي نسمة، والذين حصلوا على الجنسية الليتوانية، وهناك مسلمون وافدون يقدر عددهم بمائتي نسمة يعتبرون كلاجئين، ولم يحصلوا على الوثيقة الليتوانية بعد، وهم من قوميات شيشانية وأفغانية وصومالية، وهؤلاء غير مستقرين؛ وذلك بسبب انتقالهم إلى العيش في دول أوروبا الغربية، وهناك طلاب مسلمون يقدَّر عددهم حوالي مائتين وخمسين طالبًا، معظمهم طلاب عرب، وهناك طلاب من باكستان وأغلب هؤلاء الطلاب يعودون إلى بلادهم بعد انتهاء فترة الدراسة؛ وذلك لعدم توفر فرص العمل في "ليتوانيا".

 

انحرافات عقدية

وحافظ المسلمون منذ استقرارهم في "ليتوانيا" على أن تكون لهم مقبرة خاصة بهم، وكانوا يدفنون موتاهم على الطريقة الإسلامية، ولكن بسبب تأثير جيرانهم النصارى والقمع الثقافي الشيوعي لمعالم الدين الذي يتعارض مع الشيوعية-حيث الإلحاد كان السمة السائدة- فقد بدءوا ببناء الأضرحة والكتابة عليها إما بالحرف العربي أو البولندي أو الروسي. وهذه الممارسة غير الإسلامية ليست هي الوحيدة من نوعها، بل بدءوا بإشعال الشموع، والدعاء، وتناول الطعام جماعيًّا في المقابر.

 

وليست هناك مدارس للمسلمين التتار، كما تندر المعلومات عن العلماء المسلمين الليتوانيين الذين قد تخَّرجوا في معاهد إسلامية عليا حتى العشرينيات من القرن الماضي، وبسبب انعدام العلماء بين المسلمين الليتوانيين فإن الدراسة الدينية لم تتطور لديهم.

 

ويواجه مسلمو "ليتوانيا" الجهل الثقافي الشديد لمعالم وأسس الدين الإسلامي، فلا يصلي أغلبهم ولا يصومون ولا يقرأون القرآن، بالرغم من تمسكهم الشكلي بالإسلام، ولا يكاد يجمعهم سوى الانضواء تحت رابطة أنهم تتار.. ويسرف بعض التتار في تعاطي المشروبات الكحولية، وأكل لحم الخنزير، وكل ذلك أدَّى إلى منازعات مع القادمين الجدد من المسلمين- وفق ما يؤكده الباحث في شئون الأقلية المسلمة في "ليتوانيا" ايغدانس راسوس لـ"إذاعة هولندا العالمية 22/7/ 2008"..

 

وعلى الرغم من أن التتار عانوا معاناة كبيرة في ظل الشيوعية. إلا أنهم الآن يعانون مشكلة أخرى، بعد أن أصبحت "ليتوانيا" عضوًا في الاتحاد الأوروبي: حيث يترك الكثير من الشباب البلاد للعمل في الخارج، وتكاد تنعدم ممارسة الشعائر الإسلامية بشكل صحيح سوى من المسلمين الوافدين، حيث تشهد "ليتوانيا" تدفقًا للمهاجرين، وعادت المساجد لتمتلئ من جديد، ولكن بالشباب المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط، بشكل رئيسي؛ ما يعمِّق المأزق الإسلامي في "ليتوانيا"؛ حيث لا تزال السلطات الليتوانية تعتبر التتار الممثلين الرسميين لسكان المسلمين؛ بسبب وجودهم التاريخي في البلاد، ولكنَّ أصوات المسلمين المهاجرين أصبحت أكثر قوةً مع مرور الوقت، وقد يطالبون قريبًا بأن تكون لهم قنوات اتصال مباشرة مع السلطات.

 

بارقة أمل ونقطة انطلاق البعث الاسلامي من جديد... جمعية الشباب المسلم في "ليتوانيا:

حيث دعم الوجود الإسلامي لمسلمي القرم والمنظمات الإسلامية في بولندا قيام جمعية الشباب المسلم في "ليتوانيا"، والتي تضطلع بالعديد من المناشط والفعاليات الإسلامية.. ومنها:

 

المسجد المفتوح:

تقيم جمعية الشباب المسلم في "ليتوانيا" يومًا مفتوحًا للتعريف بالدين الإسلامي في مسجد مدينة كاونس. وتلقي عدة محاضرات تعريفية بالإسلام وتُدار عدة مناقشات لتصحيح الرؤية عن الإسلام ويتم توزيع عدد من الكتب الإسلامية، ولفكرة هذا المسجد المفتوح نتائج إيجابية؛ حيث يزور المسجد عدد وفير من الليتوان غير المسلمين في كل يوم وتوج باعتناق بعض الحضور الإسلام.

 

الملتقى الطلابي:

تقيمه جمعية الشباب المسلم في "ليتوانيا" بالتعاون مع اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا في منطقة Birstonas بمشاركة المئات من المسلمين. ويتضمن الملتقى عدة محاضرات حول واقع الأمة والعمل الإسلامي في أوروبا بمشاركة قيادات العمل الإسلامي في أوروبا وبولندا وأوروبا الشرقية وإستونيا، لاتفيا، وروسيا البيضاء.

 

وغالبًا ما تتضمن الفعاليات عدة نشاطات ثقافية ورياضية وترفيهية، تتمحور حول توحيد العمل بين الوافدين والمسلمين المحليين في هذه الدول.

 

الرحلات الدعوية:

تقوم اللجان الدعوية المختلفة في "ليتوانيا" برحلات دعوية أسبوعية إلى 3 قرى مسلمة؛ لتدريس الإسلام واللغة العربية، كما تقوم هذه اللجان برحلات أسبوعية إلى المناطق البعيدة؛ وذلك من أجل استمرار التواصل مع المسلمين المحليين.

 

ترجمة الكتب:

يقوم قسم الترجمة بجمعية الشباب المسلم بترجمة عدة كتب إلى اللغة الليتوانية من بينها كتاب الصلاة وكتاب الصيام وطبع كتب أخرى، وكان لهذه الكتب الأثر الكبير في تعريف وتصحيح مفهوم الدين الإسلامي في المجتمع الليتواني، وقد قامت مؤسسة الرائد في أوكرانيا بالمساعدة في هذا المجال وذلك عبر الإمداد بمجموعة من الكتب الإسلامية باللغة الروسية.

 

الترخيص لبناء مركز إسلامي في مدينة كاونس وتأمين التمويل اللازم لبنائه:

مسجد كاونس هو المسجد الحجري الوحيد في "ليتوانيا"، كما أن المسجد مبني على الطراز الإسلامي؛ حيث ترتفع فوقه مئذنة وقبة، وهو مؤلف من باحة المسجد وعلبة صغيرة للنساء، كما يحيط بالمسجد أرض واسعة تبلغ مساحتها 0.4 هكتار وهي وقف للمسجد ومرخصة للبناء عليها.

 

نلفت النظر إلى أن المسجد والأرض المحيطة به يقعان في مركز المدينة. ونظرًا لدور المسجد الفعال في نشر الدعوة في "ليتوانيا" وعدم كفاية المساحة الحالية للمسجد لاستيعاب عدد الشباب الذين يقصدونه.

 

توسيع علاقات المسلمين في "ليتوانيا" مع دول أوروبا الشرقية:

حرصًا من المسلمين في "ليتوانيا" على توثيق عرى الأخوة بين مسلمي دول أوروبا الشرقية، يقومون بنشاطات دورية تجمع المسلمين في هذه الدول؛ بهدف تبادل الخبرات والعمل على تخطي العقبات التي تواجه العمل الإسلامي في هذه الدول.

 

التنسيق الحثيث مع جمعية الثقافة والتأهيل في بولندا وكذلك اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا مكتب أوروبا الشرقية:

كان لجمعية الثقافة والتأهيل في بولندا الأثر البارز في تنشئة وتأهيل المسلمين في "ليتوانيا" كما تعاونت معها بإقامة نشاطات عدة توزعت على شكل ملتقيات سنوية جمعت عدة دول للتشاور والتنسيق.

 

إفطارات رمضانية:

يفطر الصائمون في شهر رمضان المبارك 4 مرات في مسجد كاونس ويحضرها عدد كبير من المسلمين المحليين والعرب، لتعميق اندماج المسلمين المحليين مع الوافدين.

 

عيد الفطر:

يحتفل المسلمون في "ليتوانيا" بمناسبة عيد الفطر السعيد باحتفالات يُدعى إليها جميع المسلمين من جميع المناطق التي يتواجد فيها مسلمون في "ليتوانيا"، ويقدم المسلمون المحليّون عروضًا مختلفة من التراث الإسلامي (التتري) وتُلقى عدة كلمات توجيهية حول ضرورة العمل الإسلامي والدعوي، ويلقى هذا العمل حفاوةً كبيرةً من قبل المحليين ويشارك فيه مسلمون من عدة جنسيات (أفغانية- شيشانية- تترية).

 

وبعد تلك الإطلالة على أحوال مسلمي "ليتوانيا" لا نستطيع إلا الدعوة لتعميق التواصل الثقافي معهم؛ لتثبيت عقيدتهم وتصحيحها من خلال تبادل الوفود الدعوية ورعاية الدعاة التتريين المقيمين بليتوانيا، وإقامة المراكز الإسلامية ودعم الأنشطة الثقافية الإسلامية طوال العام وتقديم الدعم لتطوير المؤسسات العاملة في أوساط المسلمين، قبل أن يصبح الوجود الإسلامي مجرد ذكرى بعد عين.