أحد رجالات فلسطين ومجاهديها المخلصين، تربى في المساجد، ونشأ على موائد القرآن، وصاحب القساميين الشهداء منهم والأحياء في سجون الاحتلال.. قاوم يوم أن عزت المقاومة، واختار طريق ذات الشوكة، وهو يعلم علم اليقين أنها إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة فكانت له الأخيرة.. صعدت روحه إلى بارئها يوم الجمعة وإصبع السبابة تشهد له على إشارة التوحيد واليد الأخرى كانت ضاغطة على الزناد.. إنه الشهيد القائد نشأت الكرمي.
الشهيد في سطور
وُلد الشهيد القسامي نشأت عام 1977م، ونشأ في أسرة متدينة، وكان من السباقين للالتحاق بمساجد طولكرم، فيما كان شقيقه بشار الكرمي هو أحد مبعدي مرج الزهور.
عرف عنه نبوغه المبكر منذ طفولته؛ حيث حصل على مجموع كبير في الثانوية العامة في الفرع العلمي، أهَّله لدخول جامعة "بوليتكنك" الخليل في تخصص الهندسة، وبعد دخوله الجامعة أصبح رئيسًا لمجلس اتحاد الطلبة عامي 1998 و1999م، واعتقلته قوات الاحتلال عام 1999م، بتهمة قيادة الكتلة الإسلامية في جامعة البوليتكنك.
وتعرض القائد القسامي نشأت الكرمي للاعتقال 4 مرات، ويُعد من أصلب رجال حماس في التحقيق؛ حيث لم يفلح جهاز "الشاباك" في انتزاع أي اعترف منه طيلة فترات اعتقالاته.
واعتقل في عام 2004م؛ حيث كان أحد أفراد خلية قسامية ضمّت معه الشهيد القائد إحسان شواهنة، التي خططت لعملية كان ينوي أن ينفذها 4 استشهاديين؛ ثأرًا لاغتيال الشيخ أحمد ياسين؛ حيث قامت قوة خاصة صهيونية باعتقاله، بعد أن أطلقت الرصاص عليه وهو داخل إحدى السيارات في مدينة الخليل؛ ما أدى إلى إصابته إصابة بالغة في حوضه وبطنه، مكث من جرائها قرابة العامين في مستشفى سجن الرملة.
وتعرض الشهيد القسامي نشأت الكرمي لتحقيق وحشي وعنيف من قبل ضباط "الشاباك" على الرغم من إصابته، واعتقلت زوجته معه، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على كلمة واحدة منه؛ حيث أصدر الاحتلال ضده حكمًا بالسجن لـ5 سنوات ونصف، أمضاها في عدة سجون، وأفرج عنه من سجن النقب في شهر أغسطس من العام الماضي، ويعتبر الكرمي من قادة الحركة الأسيرة في فترة سجنه الأخيرة؛ حيث تميز بسعة اطلاعه وثقافته العالية وكثرة قراءته.
مجاهد فريد
يصفه أحد أصدقائه الذين عاشوا معه عدة سنوات داخل السجون الصهيونية: "هو شاب متواضع خفيض الصوت، يسلم عليك، فتشعر بكتلة لهب تصافحك؛ بسبب حيويته وحركته النشطة، من الصعب عليك أن تنسى ابتسامته، وهي تخط منحنى عجيبًا على وجهه المنير، المزين بلحية شقراء مشذبة نظيفة، بجسم رشيق يليق بالمجاهدين".
ويضيف: "عندما يتكلم "نشأت" يفرض عليك أن تصمت، وتراقب شفتيه وهما تتحركان بسلاسة ويسر وبساطة، وليس لك إلا أن تنظم الأفكار، وتربطها ببعض لتكتشف سرًّا وُفق إليه هذا الرجل، عندما يتحدث في السياسة يحلل كما القادة، وعندما يتكلم في فن الدعوة والحركة، فيتحدث بلسان الراشد والتلمساني ومصطفى مشهور".
ولفت المتحدث إلى أن الشهيد نشأت الكرمي كان صاحب عقلية أمنية عالية؛ حيث كان أحد المسئولين عن الملف الأمني في حركة حماس داخل السجون الصهيونية.
قال له المحقق الصهيوني أثناء إحدى جولات التحقيق: "يا نشأت، عندما نشعر بشيء يحدث تحت الأرض، فسنأتي بك إلى السجن"، فرد عليه بابتسامة ونظرة استهزاء أغاظت المحقق الذي انصرف من الغرفة ولم يعد.
رفض الإبعاد
كانت آخر جولاته مع المحققين، قبل عدة أشهر، عندما قُدّموا له "شيكًا" مفتوحًا للسفر إلى الخارج، ليكمل تعليمه، "ويعيش حياته" بعيدًا عن "الضفة" وجبالها، لكنه رفض هذا العرض، وقال إنه مستعد أن يموت على أرضه على أن يفرط بعهدة القسام التي حملها منذ صغره.
وفور خروجه من السجن تزوج من المربية الفاضلة "دينا أسعيد" من مدينة الخليل، بعد 6 سنوات من خطبتهما، ورزق قبل عدة أشهر ببنت أسماها "حور العين"، وسأله أحد أصدقائه قبل أن يرزق بها: "ماذا تنوي أن تسميها؟"، قال: "حور العين"، فضحك وقال له: "الحور العين؟!"، فأجابه: "نعم، ومن أحب غيرها؟".
عملية الخليل
وكان جهاز "الشاباك" الصهيوني وميليشيا السلطة قد اتهمت الكرمي بالوقوف خلف عملية بني نعيم البطولية التي قتل فيها 4 مغتصبين صهاينة نهاية شهر رمضان الماضي، وقد صعّد الاحتلال والسلطة من حملتهما الشرسة ضد كوادر وعناصر حركة حماس؛ بهدف الوصول إلى طرف خيط يوصل إلى القائد نشأت الكرمي الذي كان عنوان تلك الحملة المشتركة للاحتلال والسلطة.
ضيّق الاحتلال الخناق على نشأت الكرمي ورفاقه؛ حيث اعتقل الطرفان وأكثر من 800 من عناصر وكوادر الحركة، وقام الطرفان باقتحام ومداهمة عشرات المنازل التي يشتبه أن لها علاقة بالكرمي ورفاقه، كما مارست أجهزة السلطة أشد أنواع التعذيب بحق عناصر حماس، كما اعتقلت جميع أشقائه وزوجته بهدف الوصول إليه.
وفي صبيحة يوم الجمعة الثامن من أكتوبر، حاصرت قوات كبيرة من جنود الاحتلال المدعومة بالطائرات القتالية أحد المنازل في حي من أحياء مدينة الخليل، ومن ثم قامت بقصف المنزل الذي تحصن به الشهيد نشأت الكرمي ورفيقه مأمون النتشة، دون أن تجرؤ تلك القوات على مواجهة أبطال القسام وجهًا لوجه، واختاروا قصف المنزل عن بعد، ثم أكملت الجرافات الصهيونية مهمة تدمير بقية المنزل.
وانتشلت جثة الشهيدين الكرمي والنتشة من تحت أنقاض المنزل المدمر، وكان الكرمي يشير بإصبع السبابة بعلامة التشهد، ليلقى الله شهيدًا ويلحق بقافلة الشهداء الذين أحبهم وأحبوه، عامر الحضيري وبلال عابد ومؤيد عيادة وإحسان شوا هنة، هم رفاق الدرب رحلوا واليوم لحق بهم.