تعد العلاقة بين إيران والعالم العربي من أشد القضايا إثارةً للجدل، فتارةً يتقارب الطرفان إلى درجة كبيرة، وتارةً يتباعدان كل البعد، وتختلف الدول العربية في نظرتها إلى الجمهورية الإسلامية، باختلاف الأنظمة الحاكمة ورؤية كل منها لمصالحه الخاصة، كما تختلف السياسة الإيرانية نفسها تجاه كل بلد عربي باختلاف توجهاته وسياساته، ومدى توافقها مع سياسات النظام الإسلامي الإيراني، ومدى أهميته بالنسبة للأمن القومي الإيراني، وتأثيره في المنطقة والنفوذ الإيراني فيها.
ويعد الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة أحد أخطر حلقات العلاقات العربية الإيرانية، والذي تتجلى معالمه بصورة كبيرة في بلد مثل العراق الذي مزَّقته الطائفية بكل أنواعها، مذهبية ودينية وعرقية، بينما تخفت في لبنان أو تتخذ صورة مختلفة وبين حين وآخر، تصحو وتخمد نيران التعصب المذهبي السني الشيعي على حد سواء، إما بكلمة من أحد العلماء السنة، أو من أحد المراجع الشيعية، والتي كان آخرها افتراءات المدعو "ياسر حبيب" على أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها.
فتوى خامنئي
جاء الرد الشيعي هذه المرة صريحًا، بعد أن أصدر السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية فتوى، يقول فيها إنه "يحرم النيل من رموز إخواننا السنة، فضلاً عن اتهام زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما يخل بشرفها، بل هذا الأمر ممتنع على نساء الأنبياء، وخصوصًا سيدهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم"، وجاءت الفتوى جوابًا على استفتاء تقدَّم به جمع من علماء ومثقفي الإحساء في المملكة السعودية، وبيَّن المستفتون في استفتائهم ما تسببت به تلك الزوبعة من إثارة الشحناء المذهبية بين الشيعة والسنة في العالم، ورحَّب العالم السني بالفتوى الحميدة التي أظهرت احترام أعلى رموز الشيعة في العالم مرشد الثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي لرموز السنة؛ حيث رحَّب بها علماء السنة حول العالم وعلى رأسهم شيخ الأزهر.
لم يكتف خامنئي بذلك، بل دعا العالم الإسلامي إلى تعزيز الوحدة، خاصة مع اقتراب موسم الحج الذي يوحِّد المسلمين على قلب رجل واحد، دون التفريق بينهم، وقال- أثناء استقباله مسئولي بعثة الحج الإيرانية- إنه كلما اقترب المسلمون من بعضهم بعضًا فإن القوى الصهيونية والأمريكية تترصد لجعل المسلمين يتنازعون فيما بينهم، عبر إثارة مختلف الذرائع الدينية والقومية والعصبيات المذهبية وذرائع أخرى.
وأضاف خامنئي أن علنية عداء قوى الاستكبار للإسلام تدعو إلى يقظة العالم الإسلامي وعلى الأمة والحكومات الإسلامية الحذر من مؤامرات ومكائد الأعداء المثيرة للتفرقة؛ لأنه في غير هذه الحالة سيتلقى الإسلام الضربة من الأعداء المستكبرين، وأشار إلى محاولات أعداء الإسلام المستمرة لإثارة الشعور بالمهانة والتشنج واليأس الداخلي لدى الشعوب الإسلامية، مؤكدًا أن الحركة العظيمة والجماعية والصحيحة والمسئولة للأمة الإسلامية في الحج؛ يمكنها أن تعيد للعالم الإسلامي الشعور بالعزة والقوة والأمل.
واعتبر أن تصعيد التوجهات المنحرفة والمتطرفة بين الشيعة والسنة من ضمن أساليب أعداء الأمة الإسلامية لإثارة التفرقة والخلاف، مؤكدًا أنه على الشعوب والحكومات الإسلامية أن تدرك حاجة العالم الإسلامي العميقة للتفاهم والتعاطف والتعاون والوحدة، واستنكر خامنئي صمت العالم الإسلامي إزاء الظلم الذي يتعرَّض له الشعب الفلسطيني، لافتًا إلى أن الصهيونية باتت حزبًا سياسيًّا قائمًا على اغتصاب الأراضي الإسلامية الفلسطينية، وسط صمت المسلمين، رغم صرخات ملايين الفلسطينيين، في حين يمكن لحركة الحج العظيمة لعب دور مؤثر في تشخيص أسباب هذا الانفعال والاختلافات، وتوفير الحماية والدعم لأبناء شعب فلسطين؛ تثبت كلمات مرشد الجمهورية الإسلامية أننا في خندق واحد السنة والشيعة العرب والفرس والأتراك والأكراد، الجميع مستهدفون من القوى الاستعمارية الغربية الأمريكية الصهيونية.
لكن المرشد الأعلى لفت إلى المضايقات التي يتعرَّض لها الحجاج "الإيرانيون" الشيعة أثناء أداء شعائر الحج، ورغم إشارته إلى حدوث تقدم على هذا الصعيد، قائلاً: إن حج الزائرين الإيرانيين أصبح اليوم أكثر غنى وأعمق من مراسم حجهم قبل ثلاثين عامًا مضت، إلا أنه أكد أن هذا التغيير ليس بالكافي، وأنه يتوجب على كل حاج إيراني أن يكون مرآة ومظهرًا للأخوة ووحدة الأمة الإسلامية، مدينًا كافة الأفعال وردود الأفعال التي تؤجج مشاعر التعصب والبغضاء بين المسلمين بعضهم البعض.
فتاوى مماثلة
لم تكن فتوى خامنئي هذه هي الأولى من نوعها، بل سبقه لها الكثيرون من رجالات ومراجع الشيعة العرب أيضًا، وعلى رأسهم السيد محمد حسين فضل الله المرجع الشيعي اللبناني، والذي قال إن سب الصحابة وأمهات المؤمنين يمثل انحرافًا عن الخط الإسلامي الأصيل، ويذكر المرجع الشيعي في كل مناسبة أن سب أي صحابي، بما فيهم الخلفاء الراشدين، محرم تحريمًا تامًّا على أي مسلم، ويستشهد بقول الإمام علي- كرم الله وجهه- عندما كان في طريقه إلى صفين، وسمع قومًا من أهل العراق يسبون أهل الشام، فقال: "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكن لو وصفتم أفعالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله..".
أحد أبرز أوجه المشكلة الشيعية السنية إن صحت تسميتها، مسألة الولاء الوطني؛ حيث نجد من يشكك في الولاء الوطني للشيعة في بلادهم العربية، ويتهمهم بالولاء للنظام الإيراني على حساب أوطانهم؛ وهو ما قد يقع فيه البعض، خاصةً في النقاط الساخنة التي تتناقض فيها المصلحة الإيرانية مع المصلحة العربية "العراق"، في حين يرى محللون أن هذا الموضوع لا يعكس الواقع، فلا يدين كل الشيعة في العالم بالولاء لإيران عن بلادهم، بل إن العرب الأحواز في إيران ونسبة كبيرة منهم من الشيعة هم من أشد أعداء النظام الإيراني، وهؤلاء الأحواز يدينون تصرفات بعض من شيعة العراق، الذين يرون في ولائهم لإيران ولاءً أرفع من ولائهم للعراق نفسه، وفي هذا المجال يؤكد الشيخ اللبناني الشيعي هاني فحص ضرورة ارتباط الشيعة في البلاد العربية بدولهم الوطنية، كما يؤكد أن ارتباط الشيعة في المنطقة العربية، وخاصة منطقة الخليج العربي بأوطانهم؛ هو الضمان لتحقيق مطالبهم من خلال التعامل مع حكوماتهم ومجتمعاتهم من غير شعور بالدونية الناتجة عن الشعور بالانتماء إلى أقلية بحسب المعايير المذهبية.
رؤية واقعية
الواقع يؤكد تآمر الصهيونية العالمية والغرب ضد الأمة الإسلامية، كما يؤكد انقسام هذه الأمة انقسامات لا حصر له.. هذا الواقع أيضًا يؤكد أن لكل دولة ذات غالبية مسلمة سياستها الخاصة التي تقترب وتبتعد عن الإسلام، تبعًا لطبيعتها وتاريخها والنخبة الحاكمة فيها ورؤيتها لمصالحها ومصالح بلادها؛ ومن هذا المنطلق نستطيع رؤية السياسة الإيرانية تجاه العالم العربي، وكيف نرى وجهها المشرف في لبنان وفلسطين وهي تدعم المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، ونرى وجهها القبيح في العراق؛ حيث تقتسم السلطة مع الاحتلال الأمريكي وتساومه على مصالح الشعب العراقي؟!.
السيناريو الأمريكي لما يسمى بالشرق الأوسط الجديد لا يستثني أحدًا من التقسيم، فكما ستُقسم المملكة العربية السعودية والعراق والسودان ومصر وسوريا؛ ستُقسم أيضًا إيران، وليس معنى تقابل المصالح الأمريكية الإيرانية في نقطة بغداد هو وجود تحالف أو تصالح بين القوتين، وإنما هي مصالح مؤقتة تزول بزوال مسبباتها، وهذا السيناريو الأمريكي هو بالأساس لحماية الكيان الصهيوني كيانًا قويًّا متماسكًا، وسط محيط من الكيانات الصغيرة الضعيفة المتحاربة مع بعضها البعض، والتي تحتمي بالكيان الصهيوني الكبير حين ذاك، والذي سيأخذ دور الزعيم والقائد لهذه الكيانات الضعيفة، والتي ستتكون من كيانات طائفية شيعية وسنية وعربية وكردية وتركية وأرمينية وأرثوذكسية وكاثوليكية وغيرها.
وفي هذا السياق، تدفع واشنطن الدول العربية نحو العداء مع إيران بكل ما أُوتيت من قوة لاستخدام هذه الدول التابعة في معركتها أمام طهران، وفي المقابل تدفع هذه الدول إلى التحالف والصداقة مع الكيان الصهيوني؛ تمهيدًا لرسم الخريطة الجديدة للشرق الأوسط الجديد.
ما سبق يجعلنا نتساءل عن السياسة الواجب اتباعها إزاء المؤامرات المحاكة ضد أمتنا وكيفية التصدي لها؟!.