- د. حسن مكي: الجنوب اتحادي لكنه مقهور
- الانفصال يُصدِّر الأزمات لدول القارة
- اللسان العربي لغة سائدة في جنوب السودان
- مطلوب من مصر دور أكثر فاعلية لخدمة الجنوب
- "الدينكا" واحدة من 500 قبيلة جنوبية وليست الأكبر
- الحرب الكلامية هدفها تحصيل مكاسب قبل الاستفتاء
- الصهاينة احتلوا الفنادق ومتوغلون في إفريقيا
الخرطوم- أحمد سبيع:
أعادت قضية انفصال جنوب السودان فتح ملفٍّ يمثِّل أزمةً حقيقية للعالمين العربي والإسلامي، وهو ملف التوغل الصهيوني في إفريقيا، وهي المنطقة التي تجري فيها الصراعات الواحدة تلو الأخرى، ويقف وراءها جميعًا دعم صهيوني وأمريكي واضح، ولعل ما يحدث في الصومال وفشله من الخروج من أتون الحروب والصراعات نموذج فج لهذا التوغل، الذي يؤكد تمامًا مع ما يجري الآن في جنوب السودان، والذي أصبح على بعد خطوات من الانفصال، وأصبح أيضًا على بعد خطوات من كارثة حقيقية ليست متعلقة بالجنوب فحسب، وإنما بالمنطقة كلها.
التوغل الصهيوني دفعنا إلى طرح العديد من الأسئلة عن مغزى انفصال الجنوب، وهل سيؤدِّي هذا الانفصال إلى استقرار ونماء الجنوب، أم أن تبعاته الكارثية ستتجاوز حسابات الدول والأنظمة، سواء التي دعمت هذا الانفصال، أو تلك التي وقفت من بعيد تشاهد ما يجري، وكأنه لا يعنيها، وهل الانفصال فقط من أجل تمزيق السودان أكبر بلد عربي؟ أم أن له أهدافًا أخرى متعلقة بعرقلة المد الإسلامي في قلب إفريقيا؟ هذه التساؤلات وغيرها طرحناها على الدكتور حسن مكي رئيس جامعة إفريقيا العالمية، وأحد الخبراء العرب والمسلمين القليلين المهتمين بالعمق الإفريقي والدور الصهيوني فيه، وإلى نص الحوار:
* بداية ما هو تقيمك لما يجري الآن من فرض انفصال جنوب السودان، كأمر واقع قبل إجراء الاستفتاء بأكثر من ثلاثة أشهر؟
** لا شك أن ما يجري الآن يمثل تطورًا في أزمة الجنوب، خاصةً وأن المزاج الذي كان يسيطر على قادة الحركة الشعبية بتفضيل الانفصال عن الوحدة، تحوَّل من مجرد مزاج إلى دعوة صريحة ودعم كامل لهذا الخيار، الذي يمثل كارثةً حقيقيةًَ، لن تحل عليهم في الجنوب، أو علينا في الشمال فقط، وإنما سوف تحل على المنطقة كلها.
* وهل هذا جديد على القضية الذي كان واضحًا منذ توقيع اتفاقية السلام في "نيفاشا" على أن الجنوب يتجه نحو الانفصال؟
** بالتأكيد.. فإنه من الناحية الجوهرية، لا يحمل جديدًا، بل إنه لو حدث انفصال، فإن الجنوب سيظل لاصقًا بالشمال؛ لأن نصف سكان الجنوب مرتبطون بالشمال ارتباطًا عضويًّا، سواء في مجال التعليم، أو المواطنين في مناطق التماس، في "الرنك وأويل" الذين يتاجرون في السكَّر والشاي والأدوية، كما أن الجنوب الآن في حالة انفصال من الناحية "الشكلية"، والجميع يرى أن الدولة المركزية ليس لها دور في الجنوب على الإصلاح، وليست لديها أية صلاحيات هناك.
![]() |
|
د. حسن مكي |
* معنى ذلك أن الجنوب حسم أمره؟
** من حسم أمره بالفعل في الجنوب هم النخبة الجنوبية الحاكمة، بينما الوضع وسط الشعب الجنوبي الذي يمثله السلاطين ورؤساء قبائل وسكان مناطق التماس مختلف، بل إنهم يدعون إلى الوحدة؛ لأن لهم مصالحهم المرتبطة بالشمال أكبر من قيام دولة في الجنوب، ولكن للأسف فإن هذا الاتجاه، أو إن صح التعبير المزاج الوحدوي مغلوب على أمره، بينما المزاج النخبوي الانفصالي هو الذي يصل إلى الإعلام، ويتحدث إلى العالم كله عن وجهة نظره الانفصالية.
* أشرت إلى أن الجنوب منفصل عمليًّا، وليس هناك أي سلطان للحكومة المركزية عليه، فما الذي يضيفه الانفصال لهم من مكاسب؟
** النخبة الجنوبية تريد أن تحقق مكاسب أخرى من الدولة المركزية في الشمال؛ لأنهم لو سلَّموا بتلك الوحدة لن ينالوا أي مكاسب، وإذا دعوا إلى الوحدة فقدوا التعاطف والحوافز التي يقدمها لهم المجتمع الدولي، إضافةً إلى أن حكومة الشمال ومعها العالم العربي سيتركهم، ولن يهتم بشكواهم أو مطالبهم، ولذلك يرى هؤلاء أهمية الذهاب أولاً باتجاه الانفصال؛ للفت النظر بشدة لاحتياجاتهم.
وأشير هنا إلى أنه رغم أن مناطق الجنوب ارتبطت في فترة من الفترات بحركات التمرد، ولكنها في النهاية كما أشرت موصولة بالشمال، ولا تستطيع أن تنفصل عنه؛ لأن لها مقومات اقتصاديةً مع الشمال ومرتبطة ثقافيًّا وسياسيًّا وتجاريًّا وسكانيًّا بالخرطوم، والآن أكبر المجموعات الوافدة إلى الخرطوم هي مجموعة دارفور والمجموعة الجنوبية، كما أن ملايين الجنوبيين أصبح لسانهم عربيًّا؛ لأنهم كانوا يعيشون في الشمال بسبب الحرب في الجنوب، وأتصور أنه حتى لو انفصل الجنوب، فإنه سيظل مع الشمال فكرًا ولغةً؛ لأن الجنوب مربوط بالشمال بصورة أكبر من ارتباط دارفور مثلاً بالشمال؛ لأن مواطني الجنوب موجودون في الشمال، بل إن الشمال بالنسبة لمعظم قبائل الجنوب على بعد ساعات قليلة.
المؤتمر الوطني
* ولكن هناك من يرى أن الحكومة المركزية أو المؤتمر الوطني لم يستغل ما أشرت إليه من محفزات للوحدة، بل العكس لقد رضي بفكرة الانفصال، وبدأ يتعامل مع الجنوب، وكأنه دولة أخرى؟
** لا أعتقد أن المؤتمر الوطني أو الحكومة المركزية رضيا بالأمر الواقع، ولكني أطالبهم بأن يتعاملوا مع الأمر الواقع، ومع ذلك لا بد أن نذكِّر أهل الجنوب بما سوف يخسرونه في حالة الانفصال، فالقضية ليست في إقامة دولة بأي شكل؛ لأن هناك مزايا مهمةًُ، تعد إستراتيجية للجنوب سوف يفقدها إذا تخلَّى عن السودان، وفضَّل الانفصال، ومنها خسارته المزايا الإستراتيجية الموجودة في الشمال، ومن تلك المزايا امتدادات المناطق الثلاث "جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وأبيي"، وكذلك سيفقد الجنوب وجود الحكومة المركزية السياسية، وسيُحرم مليون ونصف المليون جنوبي موجودون في الشمال من امتيازات الجواز السوداني، فالجنوب سيتضرر ضررًا بالغًا من انفصال "شكلي" لن يعود عليه بالمنفعة.
![]() |
|
مظاهرة في جنوب السودان تطالب بالوحدة |
* هل المسئولون في الجنوب لا يدركون حجم هذه الخسائر بالنسبة لهم؟!
** الجنوبيون الآن يعيشون في لحظة "هتافات" لا يدركون عواقبها، ويجب أن يعرفوا أن الجنوب سيظل منطقة "مُغلقة" ولن يكون له تواصل مع العالم الخارجي إلا بالطائرة، ومن يرد أن يذهب من الرنك غرب السودان إلى الجنوب فعليه أن يعود إلى الخرطوم ليستقل الطائرة إلى ملكال، أو جوبا وغيرها من المناطق، ولذلك على أهل الجنوب أن يتخلوا عن فكرة الانفصال ويبحثوا عن بدائل وخيارات تمنحهم مزايا وخصائص الاستقلالية، بل يمكن أن تزداد تلك الاستقلالية من الناحية النظرية، خاصة أن الجنوب له كل مميزات الدولة من الناحية السياسية، وفي حالة الانفصال فإن الأمر لا يعدو أن يكون لهذه الحكومة مكاتب تنسيق وربما سفارات في عدد من الدول، بينما على أرض الواقع سيكون الانفصال شكليًّا، وسواء كانت هناك وحدة أو انفصال سيظل الجنوب مُعلقًا بالشمال سواء في بتروله الذي يتدفق عن طريق الشمال، وعائداته النفطية أيضًا ستصل عن طريق الشمال، والذي سيكون مربوطًا بالخزانة المركزية.
خسائر إقليمية
* هذا فيما يتعلق بالخسائر على مستوى أهل الجنوب.. ماذا عن آثار ذلك على المستوى الإقليمي؟
** لا شك أن الانفصال سوف يؤدي لأزمات كبيرة على الداخل الجنوبي، وهي الأزمات التي سوف يتم تصديرها لخارجه سواء للشمال أو للدول الإفريقية المحيطة به، وكذلك الدول المرتبطة بمصالح بالقرن الإفريقي مثل مصر.
والخطورة تكمن في أن قبيلة الدينكا المسيطرة على الحركة الشعبية لا تحظى بثقة كل أهل الجنوب؛ فهناك انشقاق حادث بالفعل في الجنوب حول أداء الحكومة الجنوبية في الفترة المنصرمة نتيجة الفساد وهدر الأموال، وعدم وجود إنجازات تتكافأ مع التدفقات المالية من الخارج والداخل، إلى جانب انتشار القبلية والجهوية والعرقية، وتوطن المؤسسات الموصلة بجهات خارجية، كما أن العلاقات الجنوبية الشمالية سوف تشهد تجاذبًا حول الحدود، وهذا كله سوف يؤثر على دول الجوار؛ حيث يحفز الانفصال القوميات والهويات المختلفة في كل إثيوبيا وأوغندا وهو ما سيؤدي إلى هجرات جديدة وحراك سكاني في اتجاه كينيا وشمال السودان وبقية دول الجوار؛ مما يجعل السودان يرجع إلى مربع الحرب والمواجهات، هذا بالإضافة إلى ملف مياه النيل والذي قد دخل في دهاليز التدويل، ومستقبل زيادة موارد النيل يظل مرتبطًا بقضايا السلام والتنمية في جنوب السودان.
* فيما يتعلق بالاستفتاء المنتظر هناك من يرى أن يتم تأجيله حتى تكون هناك فرصة أفضل لأهل الجنوب لكي يقرروا مصيرهم؟ هل تؤيد هذا الطرح؟
** أعتقد أن هذا الطرح هو الأقرب من وجهة نظري؛ لأن الاستفتاء من الناحية العملية يصعب تنفيذه في الموعد المحدد له وهو 9 يناير 2011م؛ لأنه ليس هناك سجل انتخابي لأهل الجنوب.
![]() |
|
فعاليات شعبية بالجنوب لإظهار مدى الترابط مع الشمال |
* ولكن الجنوب شارك في الانتخابات الماضية من خلال سجل انتخابي؟
** هناك فرق كبير بين السجل الانتخابي للاستفتاء والآخر الخاص بالانتخاب؛ لأن سجل الاستفتاء لا مركزي بمعنى أنه يشمل كل من هو جنوبي داخل الجنوب بل داخل السودان وخارجه، بينما سجل الانتخابات كان مركزيًّا للجنوبيين في جنوب السودان، وحتى الآن لم يتم هذا السجل، هذا بالإضافة إلى الجدل الدائر عن من هو الجنوبي، وكيف يتم التأكد من جنوبية كل من يدعي أنه جنوبي، هذا بالإضافة إلى أن عامل الوقت غير كافٍ لإتمام هذا السجل، سواء من حيث الزمان أو الظروف البيئية، فالخريف على أشدّه في الجنوب وسيُعطِّل التواصل إلى شهر نوفمبر وهو ما حدث بالفعل حيث قررت مفوضية الاستفتاء بدء التسجيل في 14 نوفمبر، وقانون الاستفتاء يؤكد أن السجل الانتخابي يحتاج إلى ثلاثة أشهر، وهذا سيجعلك في شهر فبراير.
الانفصال من جانب واحد
* ولكن حكومة الجنوب ردت على هذا الأمر بأن إعلان الانفصال سيكون من داخل برلمان الجنوب، ومعنى ذلك أن الاستفتاء ليس له قيمة؟
** هذا أمر لن يحدث لأنه سينهي قضيتهم، باعتبار أن الاستفتاء منصوص عليه في اتفاقية السلام وبناء عليه تلتزم حكومة الشمال به، وفي حالة عدم الالتزام به فلن تكون الحكومة ملزمة بقبول الانفصال؛ لأنه غير مبني على الرعاية الدولية التي تحمي اتفاقية السلام، هذا بالإضافة إلى أن قضية الاستفتاء ليست وحدها المشكلة فهناك قضايا تحتاج إلى الحسم، وأهمها قضية ترسيم الحدود لأنها تُحدد من هو الناخب، وهل هو الموجود في الجنوب؟ أم أنه الشخص المولود في الولايات الجنوبية ولم يغادرها منذ ولادته؟ وإذا لم تكن هناك حدود فكيف تفرِّق بين من لهم أهلية التصويت ومن ليسوا كذلك؟.
وهناك أيضًا قضية الجنسية التي دار حولها جدل كبير، فالحركة الشعبية تريد أن تمنح حكومة الشمال فترة انتقالية من أجل توفيق أوضاع الجنوبيين الموجودين في الشمال، وهؤلاء يتجاوزن مليونًا ونصف المليون، والحكومة الشمالية ترى أنه في حالة اختيار الانفصال لن يكون لهم حق المواطنة والتمتع بالجنسية السودانية وبالتالي سيصبح مليون ونصف المليون مواطن بدون هويات أو جنسية، وهذه قضية في منتهى الخطورة إذا لم يتم حسمها قبل الاستفتاء.
![]() |
|
إحدى الفرق الشعبية بجوبا تطالب بالوحدة |
هذا بالإضافة إلى مشكلة أبيي والتي لم تصل فيها الأطراف المعنية إلى حل حتى الآن، فهذه المنطقة تمثل نموذجًا للانصهار والتعايش بين الشمال والجنوب، سواء بين أهل الدينكا أو المسيرية وهم عرب، بناءً على قرار محكمة لاهاي فقد تم ضم المسيرية لأبيي، وبالتالي أصبح لهم حق التصويت في الاستفتاء وهؤلاء يمثلون قوة تصويتية هائلة لصالح الوحدة، وهو ما ترفضه حكومة الجنوب التي تريد فصل المسيرية عن أبيي حتى لا يختل التوازن التصويتي في غير صالحها، والبعض يتوقع أن تكون أبيي سببًا في عودة النزاع المسلح مرة أخرى بين الشمال والجنوب.
وبناءً على كل ذلك أرى أن هذه القضايا التي تعد واحدة منها كفيلة بتدمير الاتفاقية برمتها وليس الاستفتاء سببٌ في تأجيله؛ حتى يتم التوصل إلى حلول حقيقية، ولذلك أعتقد أن الاستفتاء وإن كان أمرًا محتومًا ولا مفر منه إلا أنه سوف يتم تأجيله إلى أبريل أو مايو.
* وماذا عن التقارير التي أشارت إلى أن الحركة الشعبية اشترت طائرات، وهو ما يعني أنها تستعد للحرب؟
** الحركة الشعبية لن تستطيع السيطرة على طائرات أو غيرها من الأسلحة، والحرب في السودان لا تُحسم بالدبابات، ولو كانت تحسم بتلك الدبابات لنجح الغزو الأوغندي الذي أوقفه بضعة شباب في الميل (40)، ولذلك فإن التسلح "هدر" للمال؛ لأن تلك الأسلحة لن تجد الصيانة، وستصبح في معظمها "تالفة وهالكة"، والطائرات أصلاً مشتراة من تجار سلاح، وليس من دول باتفاقيات دولية، وسيأكل الصدأ تلك الأسلحة؛ لأن الفرق كبير بين إدارة السلاح وشرائه.
التوغل الصهيوني
* لو تحدثنا عن الأصابع الصهيونية في الجنوب.. كيف أثرت بشكل واضح في سير مجريات الأحداث؟
** منذ عام تقريبًا قال رئيس الشاباك الصهيوني "أفي ديختر" في محاضرة له: إن السودان بالنسبة لهم لا بد أن يُمزق أو يضعف مثل العراق؛ لأن السودان أصبح فيه نهضة، وممكن أن يصبح قوة لصالح دول مثل مصر أو المملكة العربية السعودية؛ ما يسبب لهم (الصهاينة) مشكلة، ومن هنا تأتي الضغوط الغربية والصهيونية لفصل الجنوب، ولك أن تتخيل أن الأجهزة الأمنية والاستخبارية الصهيونية تسيطر الآن على كل مجال الفندقة في جنوب السودان، والفندقة تعطي معلومات (استخبارية) عن كل من يدخل الجنوب، كما أنها مربحة، فمئات الشركات الاستثمارية وقوات الأمم المتحدة وحفظ السلام واللجان الأمريكية المختلفة في الجنوب كلها تبحث عن سكن، ولأن السكن قليل جدًّا في الجنوب وفي نفس الوقت مرتفع التكاليف فإن الشركات اليهودية تكسب ملايين الدولارات في جنوب السودان، وبالطبع هذه الشركات ليست مسجلة في الكيان الصهيوني، وإنما مسجلة في كينيا وأوغندا كشركات كينية وأوغندية للتمويه؛ ولذلك فإن هناك هدفًا محددًا لتقسيم السودان ليس إلى شمال وجنوب ولكن لخمسة أقاليم بدليل ما يحدث في دارفور وما يمكن أن يحدث في النوبة أيضًا.
![]() |
|
المسلمون يشكلون نسبة كبيرة من سكان الجنوب |
* ولكن الأزمات في الجنوب موجودة منذ أكثر من نصف قرن أي من قبل هذا التوغل الصهيوني وهو ما يعني أن فكرة الانفصال موجودة ولا تحتاج لمن يذكيها؟
** هذا يدفعنا إلى العودة للدور الذي كانت لعبته الكنيسة إبان الاحتلال الإنجليزي للسودان وهناك كتاب مهم جدًّا لأب ترمنغهام، والذي كان مسئول الكنيسة الإنجليكانية بالسودان في الثلاثينيات، وقد ألف هذا الرجل عدة كتب هامة عن الإسلام في إفريقيا منها (الإسلام في جنوب إفريقيا) و(الإسلام في غرب إفريقيا) و(الإسلام في إثيوبيا)، وقد ألَّف أيضًا كتابه الشهير عن السودان والذي حمل عنوان (sudan to islam in Christian approach )، والذي قال فيه إن الثقافة الإسلامية متجذرة في الشمال، وحتى لا تحدث مهدوية ثانية؛ يجب أن تجابه حركة الإسلام بشريط من الكنائس في جنوب السودان، وهذا الشريط يجب أن يكون قادرًا على ضبط إيقاع الثقافة الإسلامية في السودان؛ بأن يكون "معادلاً موضوعيًّا" للإسلام، تقوى الحركة الكنسية إذا قويت الحركة الإسلامية وتضعف بضعفها، ولذلك كان الإسلام في الشمال دائمًا مبتزًا بأن قيام نظام إسلامي يعني الانفصال في الجنوب.
ولحين من الدهر شُغل الإسلام في الشمال بفترة من الحرب؛ لأن الحرب عندها مدد خارجي لا ينقطع سواء كان مددًا من الدول الإفريقية التي كانت أقوى اقتصاديًّا من السودان، أو مددًا من الكنائس العالمية والدول الغربية، ولولا صمود الشباب الإسلامي في السودان لانفصل الجنوب منذ زمن.
إفريقيا ملعب مفتوح
* إذن ما مدى التوغل الصهيوني في إفريقيا وتأثير هذا التوغل على الأمن القومي العربي؟
** الكيان الصهيوني يلعب دورًا كبيرًا في أوغندا ففي احتفال الحكومة السودانية الأخير بالاستقلال عندما جاءت وفود من مصر والجامعة العربية بملكال جنوب السودان كان رد أوغندا أن ذهب رئيسها موسيفيني إلى الكيان الصهيوني، وظل به 6 أيام وزار خلالها منطقة الجولان، كما أعطت الحكومة الأوغندية مستثمرًا يهوديًّا "إسرائيليًّا" ميثاق أوغندا بـ140 مليون دولار لإقامة منتجعات سياحية في هذه المنطقة، كما أن الصهاينة يستثمرون الآن في المناطق المحيطة ببحيرة فيكتوريا الموجودة بأوغندا بأكثر من 200 مليون دولار.
ولو ذهبنا إلى رواندا لن يختلف الوضع كثيرًا؛ حيث يدعم الكيان الصهيوني حاكم رواندا الحالي ورواندا تطل على منطقة البحيرات، وهي التي تغذي النيل وسُميت بمنطقة البحيرات لأن بها 6 بحيرات متماسكة ومتصلة، وتشهد هذه المنطقة مشاكل كثيرة فهناك قوات للأمم المتحدة في شرق "زائير" والصراع يدور حول "الكونغو"؛ لأنها منطقة إستراتيجية مليئة بالغابات والمعادن والذهب واليورانيوم، ومن المعروف أن اليورانيوم الذي اسُتخدم في قنبلة هيروشيما كان من الكونغو، وهذا هو الوضع القائم في هذه المنطقة، ولذلك يجب أن يكون هناك دور ووجود مصري كامل في دول حوض النيل العشرة وليس مجرد وجود سفارات وقنصليات.




