- الخارجية الأمريكية والموساد أدارا المؤتمر من خلف الستار

- قيادي بالحركة الشعبية يكشف عن مخطط لتقسيم مصر والسودان

- المؤتمر ركَّز على توزيع الغنائم والمناصب القيادية في الشرطة والجيش

- أحزاب جنوبية تطالب بالوحدة وتحذر من تحويل الإقليم إلى ساحة قتال

- مطالب بتحويل الحكم في السودان إلى فيدرالي أو ولايات متحدة

- ممثلو 8 كنائس يحذرون من الحروب لتأثيرها على تنصير الجنوب

 

جوبا: أحمد سبيع

على مدار 4 أيام شهدت مدينة جوبا بجنوب السودان مؤتمرًا حاشدًا، ضم 24 حزبًا يمثلون الجنوب تحت عنوان "الحوار الجنوبي- الجنوبي حول مستقبل الجنوب"، وهو المؤتمر الذي شهد مشاركةً قويةً من كل الأحزاب الجنوبية سواء المؤيدة لاتفاقية نيفاشا، أو تلك التي أعلنت رفضها لها، وانشقت عن الحركة الشعبية.

 

الإجراءات الأمنية غير الطبيعية التي شهدها المؤتمر لا تعبر بأي حال عن البيئة التي أجري فيها أو قوة الشخصيات المشاركة فيه، إلا أن هذه الإجراءات تعكس أمرًا آخرَ تتحسب له الحركة الشعبية، وهو قيام أحد المنشقين عن الحركة بافتعال الأزمات التي قد تعصف بالمؤتمر، والذي لا يهدف إلى دراسة موقف الأحزاب من الاستفتاء المرتقب رغم أنه أصل الموضوع، وإنما يهدف إلى وضع ترتيبات ما بعد الاستفتاء.

 

البداية كانت واضحةً في تعميق هذا الهدف؛ حيث عقد المؤتمر كل جلساته المغلقة والمفتوحة باللغة الإنجليزية، باعتبارها اللغة الرسمية للجنوب، رغم أنه- طبقًا لاتفاقية نيفاشا- جزء من السودان، ولم ينفصل عنه، واللغة العربية هي اللغة الرسمية، بل إنها اللغة الأساسية حتى في التعامل بين المشاركين في المؤتمر في غير أوقات الحديث الرسمي داخل قاعات المؤتمر.

 

سيلفا كير نائب الرئيس السوداني ورئيس حكومة جنوب السودان ورئيس الحركة الشعبية افتتح المؤتمر يوم الأربعاء الماضي بالتأكيد على أن حكومته سوف توفر النزاهة للاستفتاء المرتقب، وهي التأكيدات التي أعقبت لقاء جمعه بعلي عثمان طه النائب الثاني لرئيس الجمهورية والشريك الأساسي في اتفاقية نيفاشا، والذي شارك في افتتاح المؤتمر، وألقى كلمته باللغة العربية، ودعا فيها أهل الجنوب إلى العمل من أجل الوحدة لما في ذلك مصلحة عامة تحمي السودان وتحافظ على أرضه، إلا أن بقية كلمات المشاركين، الذين جاء معظمهم من مقر إقامتهم في الخرطوم؛ أكدوا عدة أمور تعكس النتيجة المسبقة للاستفتاء المرتقب؛ حيث دارت معظم الكلمات حول الآتي:

 

* شكل الحكم بعد الانفصال.

* تشكيل حكومة انتقالية في الجنوب قبل الاستفتاء وحتى اكتمال عمليات الانفصال.

* توزيع المناصب الأمنية داخل جيش الجنوب وداخل الشرطة بين مختلف الأحزاب.

* كيفية توزيع الثروة بين كل الأحزاب وعدم استئثار الحركة الشعبية بها.

* موقف الأقليات داخل الجنوب وكيفية التعامل معهم.

* كيف يمكن حسم قضية إقليم أبيي الغني بالبترول.

* شكل العلاقة مع دولة الشمال والعلاقات مع بقية دول الجوار.

* إعلان الانفصال من داخل برلمان جنوب السودان إذا لم توافق الحكومة المركزية على نتيجة الاستفتاء.

* أن يكون شكل الحكم ديمقراطيًّا ليضمن تداول السلطة بين كل الأحزاب وعدم سيطرة الحركة الشعبية على مقاليد الأمور.

* تسويق حق جنوب السودان في الانفصال، باعتباره حقًّا تاريخيًّا مثل حق السودان، عندما صوت للاستقلال عن الاستعمار المصري والإنجليزي، ومن قبلهما الاستعمار التركي.

* عودة المنشقين وضمهم في نظام الحكم بالجنوب.

* نشر قوات أممية على الحدود مع الشمال لضمان عدم تدخله في حالة التصويت لغير الوحدة.

* وضع الجنوبيين الموجودين في الشمال، وكيفية إعادتهم للجنوب أو الاتفاق مع حكومة الشمال على وجودهم طبقًا لاتفاق يتم التوصل إليه، وكذلك موقف الشماليين الموجودين في الجنوب.

 

الحضور الأمريكي

 الصورة غير متاحة

 قاعة المركز الثقافي الذي عقد فيه المؤتمر من الخارج

ما سبق كان ملخصًا لما جرى خلال 4 أيام داخل قاعة المركز الثقافي بجوبا، وهي القاعة التي لم تضم داخلها سوى ممثلي الأحزاب المشاركة وعدد ليس كبيرًا من وسائل الإعلام، إلا أن خارج القاعة أو بالأحرى في الغرف المغلقة التي شهدت اجتماعات اللجان المشكلة للتوصل إلى حلول بين الأحزاب المختلفة في القضايا العالقة، كان هناك أشخاص آخرون مشاركون في فعاليات هذه اللجان للتقريب بين الأحزاب، ورسم خريطة سير الجنوب في الفترة المقبلة، هؤلاء المسيرون الفعليون للمؤتمر، كان معظمهم موظفين تابعين للخارجية الأمريكية، وبالطبع منهم تابعون للموساد الصهيوني، وما أكد لنا ذلك السيارات التي كانت تقلهم بعد انتهاء أعمال كل يوم، والتي تحمل لوحات "هيئة دبلوماسية"، وهي السيارات التي كان يزيد عددها عن سيارات المشاركين في المؤتمر من أهل الجنوب نفسه.

 

هذا الدور كشف عنه أحد مسئولي حزب المؤتمر الوطني في الجنوب، والذي فضل عدم ذكر اسمه خوفًا على حياته، حيث كشف في حديثه مع (إخوان أون لاين) أن الولايات المتحدة حاضرة بقوة في هذا المؤتمر الذي يعد امتدادًا للمؤتمر الذي شهدته واشنطن منذ أيام، وحضره نائبا الرئيس السوداني سيلفا كير وعلي عثمان طه حول مصير جنوب السودان، والذي كان نقطة التحول للحركة الشعبية في تشدد موقفها نحو الانفصال، خاصة تصريحات سيلفا كير بعد لقائه بالرئيس الأمريكي؛ حيث قال "إن انفصال الجنوب أصبح قريبًا جدًّا".

 

وأشار المصدر، الذي شارك في فعاليات المؤتمر؛ إلى أن الكنائس الغربية كانت حاضرةً أيضًا بقوة في المؤتمر، مستدلاً بقيام 8 قساوسة بالتحدث خلال الجلسات المختلفة، والذين ركزوا جميعًا على أهمية عدم العودة للحرب مرة أخرى، سواء كانت الحرب بين الجنوب والشمال في حال الانفصال أو الحرب بين الجنوب والجنوب حول الثروة والسلطة، مبررين رغبتهم هذه بأن الحرب سوف ستؤدي إلى عرقلة جهود التنمية في الجنوب، إلا أن مصدرنا عاد وأكد أن الهدف الأساسي لرغبة القساوسة الذين يمثل بعضهم مجلس الكنائس العالمي وبابا الفاتيكان بعدم العودة للحرب؛ هو في الأساس لمنحهم الوقت والمناخ المناسب لتثبيت أركان الدولة المسيحية في الجنوب، لأنه في حالة نشوب حرب أو أية صراعات سيكون المستفيد الوحيد هو الشمال المسلم الذي سيلجأ إليه أهل الجنوب فرارًا من الحرب، كما حدث في الماضي.

 

مخطط التقسيم

أما سمسون لينو القيادي البارز في الحركة الشعبية فكشف عن خطة أخرى، ولكن ليست لانفصال الجنوب وإنما لانفصال دارفور والنوبة في السودان، ثم تقسيم مصر هي الأخرى إلى دولتين واحدة للمسلمين، تبدأ من الإسكندرية إلى الجيزة، والأخرى من الفيوم وحتى أقاصي الصعيد.

 

لينو الذي تعصب بشدة لفكرة الانفصال خلال حديثي معه، قال إن من حقهم الانفصال، فهم الآن محتلون من الشمال، ويجب إنهاء هذا الاحتلال بأي شكل، موضحًا أن ما ينادي به بانفصال الجنوب، ومن بعده إقليم دارفور ثم بلاد النوبة؛ أمر موجود في المواثيق الدولية والخطط الغربية والأمريكية التي دعت إلى انفصال الأقليات، مثلما حدث في البوسنة وتيمور الشرقية وآريتريا، وهو ما سوف يحدث في مصر أيضًا بدولة للأقباط في الجنوب، موضحًا أن ما درسوه في الجامعات الأمريكية يؤكد أن حدود مصر الأصلية من الإسكندرية وحتى الجيزة، وبقية المساحة من الفيوم إلى أقاصي الصعيد هي دولة قبطية، على أن يتم ضم أسوان والنوبة إلى بلاد النوبة في السودان؛ لتكون دولة واحدة مثلما كان في الماضي.

 

وعندما سألته عن تأثير هذه الخطط الانفصالية على استقرار المنطقة، قال بكل عصبية: إن القوة هي التي تحمي أصحابها، رافضًا التدخل العربي، وخاصة تصريحات عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية خلال القمة العربية الأخيرة بمدينة سرت حول رفض الجامعة بانفصال جنوب السودان، مضيفًا أن المسئولين سواء المصريين أو العرب يقولون كلامًا لهم في الجنوب بتدعيم الانفصال، ثم يفاجئون بهم يقولون كلامًا آخر ضده في المؤتمرات والأحاديث الصحفية.

 

وحول إعلان الاتحاد الإفريقي عدم دعمه للانفصال، ودعوته إلى الوحدة؛ خوفًا من أن يتم تصدير هذا الانفصال لبقية الدول الإفريقية أكد لينو أنه لا يهمهم إفريقيا أو جامعة الدول العربية أو غيرهم، وإنما يهمهم الاستقلال والسيادة، مؤكدًا دعوة باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية خلال المؤتمر بأنه يجب على مصر أن تكون أول دولة تعترف بدولة جنوب السودان لما في ذلك حماية لمصالحها في مياه النيل.

 

صوت اتحادي

ورغم نبرة الانفصال القوية التي سيطرت على معظم الأحزاب الجنوبية إلا أن هناك أحزابًا أخرى وجدت في الوحدة خيرًا لأهل الجنوب، وهو ما أكده تونسن قن رئيس حزب الإصلاح والتجديد، والذي أشار إلى أن السودان وحدة واحدة من النوبة إلى حلفا ومن الجنينة إلى توكر، وتحديد مصيره ليس حكرًا على أحد ولا خاصًّا بجهة دون غيرها، مشيرًا إلى أن أهل الجنوب عندما حاربوا ضد الحكومة المركزية لم يحاربوا ضد الشمال، وإنما حاربوا من أجل رفع الظلم عنهم ومساواتهم بأهلهم في الشمال، وعدم استئثار الشمال بكل الثروة والسلطة.

 الصورة غير متاحة

إحدى حملات الكنيسة الكاثوليكية بولاية البحيرات جنوب السودان لإنجاح الاستفتاء

 

وأوضح قن أن هناك جيلاً كاملاً من الجنوب نشأ في الشمال نتيجة الحرب سواء القديمة التي توقفت عام 1972م أو الجديدة التي بدأت عام 1983م وتوقفت مع اتفاقية نيفاشا، وهذا الجيل الذي هرب إلى الشمال في شكل لاجئين تعلَّم ودرس وتزوَّج وأنجب وارتبطت مصالحه بالشمال، ونشأ من بعده جيل ظلت علاقته بالجنوب علاقة عاطفية، بل إن منهم من لم يزر الجنوب طيلة حياته، وحتى بعد اتفاقية نيفاشا لم يجد في الجنوب ما يحفزه على العودة إليه؛ لأن الأموال التي تم توفيرها لحكومة الجنوب من أجل تنميته طبقًا لاتفاقية السلام لم يتم استغلالها بالشكل المناسب الذي يرضي هؤلاء الموجودين في الشمال أو حتى يرضي الجنوبيين أنفسهم، مؤكدًا أنه وفقًا لهذه الأسباب فإن الوحدة من وجهة نظر حزبه، والتي تم عرضها في المؤتمر هي الحل، من خلال إنشاء حكم فيدرالي ديمقراطي يتم فيه تقاسم عادل للسلطة والثروة، بالإضافة إلى أهمية تأمين العلاقة بين الجنوبيين وأهل الشمال، خاصة أن العالم اليوم يتجه إلى إنشاء كيانات اتحادية إقليمية وليس انفصالية.

 

واختتم حديثه معنا بأن الوحدة هي الضمانة لاستقرار الجنوب واستقرار السودان نفسه، على أن تقوم هذه الوحدة على أسس جديدة، تتجاوز كل الإشكاليات التي أدت إلى الحروب والانشقاقات.

 

تأجيل الاستفتاء

صوت آخر دعا إلى الوحدة يمثله حزب الأمة القومي؛ حيث دعا رئيس الحزب في الجنوب يوسف يعقوب إلى تشكيل مفوضية للحكماء، تضم الشخصيات الوطنية؛ للتعامل مع المشاكل العالقة مثل الجنسية والحدود وأزمة إقليم أبيي، ومنح هذه المفوضية المدة الكافية لحل هذه المشاكل؛ بحيث لا تتجاوز العام 2012م، ثم يجري الاستفتاء بعدها على أن تقوم به جهة محايدة ولتكن الأمم المتحدة نظرًا للخلافات الطاحنة التي تشهدها مفوضية الاستفتاء.

 

وأضاف يعقوب أن حزبه طرح رؤيته في المؤتمر المبنية على الوحدة الراشدة، والتي تقوم على عدة أمور، منها الديمقراطية والتعددية الحزبية وكفالة قومية أجهزة الدولة، واعتبار أن جنوب السودان هو بوابة السودان للقارة الإفريقية، وأن شمال السودان هو البوابة للعالمين العربي والإسلامي.

 

وأكد يعقوب أنه واضح أن المؤتمر يتجه بالاستفتاء نحو الانفصال، ولذلك فإن حزبه قدَّم رؤية أخرى في حالة الانفصال، وهي أن يكون هناك برتوكول توأمة بين الجنوب والشمال لكفالة حق الرعي بين القبائل المشتركة في الجانبين، وأن تكون منطقة أبيي جسر تواصل بين الشمال والجنوب؛ نظرًا لتركيبتها السكانية وثرواتها المشتركة، ولتاريخها في التعايش السلمي، وكفالة الحريات الأربع وهي التنقل والإقامة والتملك والعمل، هذا بالإضافة إلى إبرام معاهدة أمنية لحسن الجوار بين الطرفين.

 

ودعا يعقوب في النهاية إلى ضرورة القيام بمشروع عمل وطني، تدعى إليه كل القوى السياسية للنظر في مستقبل السودان دون إقصاء لأحد، وإعادة مشروع الولايات المتحدة السودانية.