زار وفد مجلس الأمن الدولي السودان، جنوبه وغربه والعاصمة الخرطوم، وكأنَّ السودان أصبح اليوم أخطر قضية أمنية في السياسة الدولية، وقد استقبل الجنوبيون الوفد بحفاوة بالغة، رافعين لافتاتٍ تُطالب بالانفصال، بل أكثر من ذلك، فإن رئيس حكومة الجنوب طالب مجلس الأمن بنشر قوات دولية على الحدود بين الجنوب والشمال، مما قُوبل من الحكومة المركزية في الخرطوم بالاستنكار والاستهجان.

 

أما في دارفور فقد كان الاستقبال لهذا الوفد فاترًا، بل غاضبًا؛ حيث خرجت مظاهرات صاخبة ضد مجلس الأمن وآلياته، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدةً الوقوف مع الرئيس عمر البشير، والسلام في دارفور.

 

والأشدُّ من المظاهرات هو لقاء الوفد بوالي ولاية شمال دارفور "عثمان محمد يوسف كبر" فقد سألته سفيرة الولايات المتحدة بمجلس الأمن "سوزان رايس" حول تحقيق العدالة في دارفور وتسليم الرئيس البشير للجنائية، فبادرها "كبر" بسؤالٍ أكثر حدة عن علاقة واشنطن بالمحكمة الجنائية، وهي ليست عضوًا فيها وترفض أن يحاكم جندي أمريكي عادي، ناهيك عن مسئول كبير، ووجه انتقادات حادة لمجلس الأمن، مؤكدًا أن جميع مواطني دارفور يقفون وقفة رجل واحد خلف رئيس الجمهورية.

 

وقد عرف والي شمال دارفور بصرامته مع الوفود الأجنبية التي تزور الإقليم، فعندما زار كولن بارول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دارفور أفرد خمس دقائق لمقابلة الوالي، وعند الاستقبال في المطار وقف "كبر" أمام "باول" وبعد التحية قال له: "إنني لا أستطيع مقابلتك"، فاندهش "باول" لهذا الكلام الذي لم يكن يتوقعه، فرد "كبر" إنك تريد أن تمنحني خمس دقائق، وأنا أقول إنها انتهت، فاعتذر باول له ووقف معه ساعات طويلة قدَّم فيها كبر تنويرًا عن الأوضاع في الإقليم.

 

سر الاهتمام بدارفور

البروفيسور "ستيفن كروبلن" الأستاذ المحاضر بجامعة "كولون" الألمانية، أوضح دور الغرب والولايات المتحدة في صناعة وتأجيج مشكلة دارفور لتحقيق أجندة مصالح خاصة على حساب أمن واستقرار الشعوب الفقيرة.

 

قال "كروبلن" إن "دول أوروبا الغربية وأمريكا تعلم على اليقين أن ما يجري في دارفور ليس أطماعًا سياسية داخلية تعلق بموارد الإقليم، بل هي أزمة مفتعلة يمارس الإعلام الغربي فيها دورًا محوريًّا ومؤثرًا في تشكيل الرأي العام العالمي؛ حيث أصبح الإقليم مختطفًا، وما يجري في دارفور حملة عنصرية كبرى قام بوضعها اليمين المتشدد، وأدخل تحتها التهميش والإبادة الجماعية".

 

وأشار البروفيسور الألماني إلى أن الغرب منذ زمن بعيد يستهدف إفريقيا، ومن قبل سحق القارة السمراء كلها، واسترق سكانها ومارس التهجير ليقوم بخدمته، كما مارسوا الإبادة للتخلص منهم، فدخلت إفريقيا منذ ذلك الحين في رحلة الألم والعذاب والاحتراب والبؤس والشقاء.

 

والحقيقة أنهم يستهدفون دارفور الآن لكي يتخلصوا من هذا الوطن شبه القارة، الذي يُشكِّل مدخلاً وبوابةً للعروبة والإسلام إلى إفريقيا، وهم يعلمون أنهم لو تركوا السودان وشأنه فإنه بخيراته وثرواته الظاهرة والباطنة ووحدته شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا يُشكِّل مشروع دولة كبرى تنافس الغرب في القوة المادية، فضلاً عن القيم الإنسانية المتمثلة في تعاليم الدين الحنيف الزاحف ذاتيًّا دون دفعٍ بآليات شبيهة بآليات التنصير والتضليل.

 

وخوفًا من أن يستثمر السودان إمكاناته في المضي قدمًا نحو بناء دولة مستقلة في قرارها معتمدةً على نفسها في الغذاء والكساء ويصعب ترويضها لصالحهم كبقية الدول التي تحت طاعتهم، فقد صنعوا ما صنعوا في دارفور والجنوب.

 

منبع الخوف من السودان عند اليهود والنصارى المستعمرين من أن السودان له تأثير قوي على إفريقيا ثقافيًّا واجتماعيًّا وروحيًّا وسياسيًّا، لا سيما على الغرب الإفريقي ودول الجوار التي استضاف السودان زعماءها الذين كانوا يقاومون الاستعمار خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي.

 

ويخشى الغرب دارفور؛ لأن هذه الولاية في بدايات القرن الماضي كانت عصيةً على الاستعمار البريطاني؛ حيث قاوم القائد المسلم السلطان "علي دينار" المستعمر البريطاني مدة ستة عشر عامًا، معلنًا ولاءه التام للخليفة العثماني، بل كان حليفًا لألمانيا مع تركيا ضد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.

 

منذ ذلك التاريخ، استحوذت ولاية دارفور على اهتمام الألمان، وازداد هذا الاهتمام بعد أن صارت ألمانيا جزءًا مهمًّا من التحالف الغربي الأمريكي لإعادة استعمار الشعوب المسلمة والإفريقية بشتى وسائل الاستعمار الحديث، وانقلب التحالف القديم إلى ضررٍ كبير، يلحق بدارفور، فقد أصبحت ألمانيا ملجأ لقادة حركات دارفور؛ حيث يقيم "أحمد إبراهيم دريج" هناك منذ أن تزوج ألمانية، وكذلك "د. شريف حرير"، "د. علي الحاج" الرجل الثاني في المؤتمر الشعبي، وكثيرون غيرهم، وهؤلاء يقيمون في ضيافة الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية، وتمثل دارفور بالنسبة لهؤلاء المتنعمين بهذه الضيافة آخر اهتماماتهم!

 

واتفاقية "نيفاشا" التي كلها ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة، تم وضعها في "هايلدبرج" بألمانيا بمباركة ومشاركة مراكز الدراسات الإستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوكلت مهمة الإشراف ومتابعة التنفيذ لأمريكا قائدة العالم الصليبي الحديث.

 

من هذه المدينة، تم تصعيد مشكلة دارفور حتى نالت شهرةً عالميةً فائقة في مدى سنتين، وهي الشهرة التي لم تنلها قضية جنوب السودان في مدى نصف قرن أو يزيد!

 

بعوث ألمانية

آخر محاولات ألمانيا المسيحية- التي أذاقت العالم ويلات حربين عالميتين في 26 عامًا خلال القرن الماضي (1919- 1945م)، هي زيارة بعثة من جامعة "بريلن" إلى السودان، وتحديدًا دارفور.. فقد أوردت صحف الخرطوم أن أحد أفراد البعثة اسمه "ستيفن" متخصص في الجيولوجيا، والثاني ألماني من أصل فلسطيني اسمه "داودين محمد سعيد" متخصص في العلوم السياسية.

 

أحاديث هؤلاء أثارت شكوك المراقبين فيهم؛ حيث يتحدثون عن المؤامرة ضد السودان، مع أن كل المؤامرات مطابخها في "هايدلبرج" أما حديثهم مع والي شمال دارفور، فقد جاء في إحدى صحف الخرطوم أن هذا الوفد قابل الوالي "عثمان كبر" ونقل إليه تحيات "حزب الله" واستعداده للدفاع عن سلامة دارفور.

 

بالطبع لم تنطل الحيلة والمكيدة والخبث في هذا الحديث على الوالي الحصيف، فحزب الله اللبناني لا دخل له بالسودان، وليس من المنطقي والمعقول أن يرسل هؤلاء الألمان إلى والي شمال دارفور وليس إلى رئيس البلاد لينقل هذه المعلومات الخطيرة.. ولكن جواسيس ومخابرات الغرب تحاول عبثًا جر السودان إلى مصايد الكيد، وكأن هناك تنسيقًا بين اليهود والنصارى المستعمرين، مع أن هذا الظن بعيد كل البعد، فالسودان أعلم بالكيد من غيره.

 

عزل السودان

 

 خريطة السودان توضع رغبة دول الجوار الإفريقي في انفصال الجنوب

وتنصب جهود الغرب في عزل السودان عن محيطه الإفريقي والعربي والإسلامي؛ حتى يتحوَّل إلى كيانٍ ممزقٍ مفتت لا يقوى على شيء، ويستعمل الغرب في كيده كل السبل لضرب السودان، ويستعمل صنيعته "الحركة الشعبية" الجنوبية لهذا الغرض.. فهذه الحركة الواقعة تحت نفوذ الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي تحاول الآن وتتحرك نحو توحيد حركات دارفور، فهل هناك إستراتيجية للتعاون بين الحركة الشعبية وحركات دارفور؟!

 

بعض المراقبين يستبعدون تمامًا أن يكون هناك تحالف إستراتيجي؛ لأسباب جوهرية، هي أن الإقليم الوحيد الذي دفع فاتورة الحرب في الجنوب هي دارفور، ولذلك لا يمكن أن يتعاون أهل دارفور مع الحركة الشعبية، كما أن تحرُّك هذه الحركة الجنوبية "سياسي مرحلي" لتعزيز خيار الانفصال وتقوية موقفها في التفاوض مع الحكومة؛ ولذلك تعمل الحركة الشعبية على جعل حركات دارفور "عامل ضغط" سياسي إضافي؛ لأن التحالف الإستراتيجي يشتمل على عوامل كثيرة، منها اللغة والجنس والدين والقبلية، وهذه عوامل غير موجودة في هذه الحالة.

 

مفاوضات واتفاقات

حركات دارفور ليست موحدة كالحركة الشعبية، وهي مفتتة ومنشطرة إلى شظايا، وها هي حركة "مناوي" كبير مساعدي الرئيس السابق الذي وقَّع اتفاقية "أبوجا" كأكبر حركة مسلحة في دارفور، يسافر قادتها إلى أوروبا وأمريكا في هجرة نهائية تم الترتيب لها مسبقًا، بينما "أركو مناوي" رئيس الحركة معتكف في الجنوب، ويزور أوغندا دائمًا بعد أن فقد كل شيء.

 

في هذه الأثناء، بدأت مفاوضات دارفور بين تجمع الحركات المسلحة بقيادة "د. التيجاني سيسي" ووفد الحكومة على مستوى اللجان المختلفة، وتقول التقارير: إن معظم القضايا قد تم الاتفاق عليها ما عدا مسألة الإقليم الواحد التي تعارضها بعض الحركات، وكذلك الخلاف حول كيفية انسياب أموال التنمية عبر "بنك تنمية دارفور" وهل تأتي هذه الأموال عن طريق وزارة المالية المركزية أم مباشرة على الإقليم؟

 

وتقول المصادر: إن بقية البنود قد تم الاتفاق عليها على مستوى الملفات الخمسة، وتم إعداد الوثيقة التي تتكون من أكثر من ست وخمسين صفحة للتوقيع النهائي قبل نهاية شهر أكتوبر الجاري.

 

والأسئلة التي يطرحها المهتمون بشأن الإقليم: ما الفرق بين الاتفاق القادم واتفاقية "أبوجا"؟ وما الضمانات التي تجعل اتفاقية "الدوحة" أفضل من اتفاقية "أبوجا"؟ وهل تستطيع الاتفاقية الجديدة إحراز تقدم ملحوظ في مجالات الأمن والتنمية بدارفور؟

 

إغاثة النازحين

إن أردنا سلامًا حقيقيًّا لدارفور، فلا بد أن يكون سلامًا متكاملاً مهمًّا ازداد تشرذم الحركات؛ لأنه يصعب على الحكومة أن تُوجد في كل مرة وضعًا سلطويًّا لأي حركة يتم التفاوض معها.

 

ولقطع الطريق على المنظمات الدولية التخريبية في معسكرات النازحين، أكدت ولاية جنوب دارفور أن عمليات ترحيل معسكر "كلمة" (أكبر المعسكرات) لموقعه الجديد ستتم خلال الشهرين القادمين، وتفيد التقارير بأن المعسكر الجديد- وقد أطلق عليه "كلمة التقوى" بدلاً من "كلمة" قال شارفت التجهيزات فيه على النهاية، وتؤكد حكومة ولاية جنوب دارفور أنها تستلزم بكافة الخدمات وأعمال الإغاثة داخل الموقع بصورةٍ مباشرة، بجانب تأمينه بما يحفظ كرامة النازحين بعيدًا عن تدخلات المنظمات الأجنبية الساعية للفتنة.

------------

* بالاتفاق مع المجتمع