تتغير الأوضاع السياسية والعسكرية في الصومال عامًا بعد الآخر؛ حيث تندفع البلاد من جديد نحو الأزمات والمخاطر ولا يبدو في الأفق أدنى بصيص من الأمل للخروج من المستنقع الفوضوي وانتشال الصومال منه، ولا تزال الجماعات المسلحة الصومالية القبلية أو الإسلامية تموت في مهدها ثم تندلع شرارتها وتفرض نفسها بقوة على الساحة الصومالية من جديد، وكان الحزب الإسلامي الذي تشكل في بداية عام 2009م الأنموذج الأمثل في تقهقر الحركات الإسلامية في الصومال، بعد بقائه على ساحة الأحداث لمدة عامين تقريبًا.

 

وكان الحزب الإسلامي توصل مع حركة الشباب المجاهدين إلى توحيد صفوفهما ودمج القوات فيما بينهما، وذلك في محاولة لكبح جماح النزاع العسكري الذي أزهق أرواح عددٍ من الجانبين، ولوضع حدٍ للخلافات السياسية بين الإسلاميين المناوئين لحكومة الصومال.

 

وفي الـ20/12/2010م ذكر محمد عروس، الناطق باسم الحزب الإسلامي للإعلام المحلي أن جماعته قررت الانضمام إلى حركة الشباب وحل القوة العسكرية والإدارية للحزب الإسلامي بدءًا من ذلك اليوم.

 

وأشار محمد عثمان عروس إلى أن رئيس الحزب الإسلامي حسن طاهر أويس قَبل فكرة الاندماج مع الشباب المجاهدين، معللاً ذلك بأن الأفكار والمبادئ التي تحملها "الشباب المجاهدين" هي نفس الأفكار التى يسعى الحزب الإسلامي إلى تحقيقها.

 

ويضيف قائلاً: إن فكرة الانضمام إلى حركة الشباب جاءت عقب مشاورات دارت بين عددٍ من المسئولين والقياديين داخل الحزب الإسلامي، انتهت فيما بعد  إلى الانضمام إلى صف الشباب المجاهد.

 

وقد صادرت حركة الشباب بعد على أسلحة  الحزب الإسلامي وحله نهائيًّا بعد بقائه على ساحة الأحداث لمدة عامين على الأقل .

 

  أسباب الانضمام: 

 اللافت للنظر أن  الحزب الإسلامي كان يواجه خياراتٍ صعبةً منذ دخوله النزاع العسكري مع حركة الشباب في أواخر عام 2010م، وكان مخيرًا بين إما مواصلة الحرب ضدَّ حركة الشباب أو إما رفع الراية البيضاء والخضوع لرغبات حركة الشباب المجاهدين التي أصرَّت على  القضاء على الحزب الإسلامي.

 

وتكمن قوة حركة الشباب المجاهدين في امتلاكها قوةً عسكريةً ونفوذًا واسعًا في جنوب ووسط البلاد؛ ما أتاح فرصةً كبيرةً للحركة في كبح جماح الحزب الإسلامي نهائيًّا.

 

 أما الحزب الإسلامي فكان يعتمد على قوة عسكرية يتراوح عددها ما بين 2500 - 3000، إلا أن نفوذه العسكري كان يعتبر ضعيفًا، مقارنةً بالقوة العسكرية التي تتمتع بها حركة الشباب المجاهدين.

 

وبهذا تم هدم آخر حصون الحزب الإسلامي في الـ20 من شهر ديسمبر، والتي كان يحتفظ بها قوته، وبفعل سياسته العسكرية والإدارية المتذبذبة في اتخاد قرارات مصيرية أصبح نمرًا على ورق.

 

أبعاد

 الصورة غير متاحة

 عناصر من حركة شباب المجاهدين الصومالية

   يرى الكثير أن التوحد الذي حصل بين أكبر حركتين إسلاميتين في جنوب الصومال سيزيد النفوذ العسكري لحركة الشباب، إلى جانب ضمِّ مناطقها إلى أرضٍ خصبة جديدة تتمتع بثروات اقتصادية هائلة؛ ما سيضاعف الدعم الاقتصادي الذي يجنيه الشباب من قِبَل بعض التجار الصوماليين بشكلٍ غير مباشر.

 

 يقول المحلل السياسي عبد الناصر معلم لـ(إخوان أون لاين): إن تزايد النفوذ العسكري للشباب المجاهد وامتلاكه أرضية شاسعة لا يزيد سنتاً واحدًا من نفوذ "الشباب"  الاقتصادي؛ لأن المناطق التي كان يتولى أمورها هي أكبر بكثير من المدن القليلة التي استولت عليها حاليًّا.

 

ويقول المحلل السياسي علي أحمد هرابي لإذاعة صوت أمريكا الناطقة بالصومالية: "إن قرار الحزب الإسلامي في التوحد مع الشباب المجاهد والانضمام إلى صفوفها، لا يغير شيئًا على الوضع السياسي الراهن في البلاد".

 

مضيفًا: إن كليهما لا يستطيعان دحر الحكومة الصومالية.

 

ويتابع: القوات الإفريقية هي التي تضع حدًّا للهجمات العسكرية التي تشنها المعارضة على معاقل الحكومة الصومالية والإفريقية؛ لأن القوات الإفريقية تتمتع بقوة عسكرية هائلة تمكنهم من صدِّ هجمات الإسلاميين المناوئين لحكومة الصومال.

 

 ويستبعد كثيرون بقاء تماسك الشباب المجاهد داخليًّا؛ حيث الاندماج الذي حصل بينه وبين الحزب الإسلامي سينعكس سلبًا على قوة تماسكه عسكريًّا وإداريًّا، ما لم تضع الشباب المجاهد خططًا ممنهجة للحؤول دون تفككها عسكريًّا أو إداريًّا ، ولئلا تميل كفة الميزان إلى صالح الحكومة الصومالية.

 

 وبحسب المراقبين فإن قوة التماسك الإداري للحركتين المندمجتين مؤخرًا ستشهد اضمحلالاً في المرحلة القادمة؛ بسبب حسم الخلافات الخارجية التي كانت تدور رحاها بين الحركتين، ما كان يزيد تماسك الشباب داخليًّا، لكن بعد التوحد سيبدو في الأفق قريبًا بوادر خلافات حادة في داخل حركة الشباب.

 

يقول عبد الله حسن بلاك- مدير منزل مقديشو للإعلام- لـ(إخوان أون لاين): إن الاندماج "الإسلامي" مع الشباب المجاهد لا يقوض النفوذ العسكري للحكومة الصومالية في حال اشتداد العنف في مقديشو في المرحلة القادمة، لأن القوات الإفريقية هي التي تصد هجمات حركة الشباب"، مضيفًا: إن انضمام الحزب الإسلامي لـ"حركة الشباب" لا يزيد قوتها العسكرية، لأن الحزب الإسلامي لم يكن أكبر قوة وعتادًا من حركة الشباب المجاهدين.

 

ويتابع قائلاً: لم يحدث توحد بين حركة الشباب المجاهدين، لكن ما رأيناه هو ابتلاع حركة الشباب لقوة الحزب الإسلامي؛ حيث لجأت معظم عناصره المشتتة إلى حركة الشباب، وهذا ما يعتبر ـ عبد الله حسن ـ  بمثابة طوق النجاة للحزب الإسلامي.

 

تباين حكومي و"إفريقي": 

ومن جهتها قللت الحكومة الصومالية من شأن أهمية الاندماج بين حركتي الشباب المجاهدين والحزب الإسلامي؛ حيث صرح مسئول حكومي يُدعَى محمد عمر محمود لإذاعة محلية أن الاندماج بين الحركتين لن يؤثر على قوة الحكومة الصومالية والقوات الإفريقية في الصومال.

 

وعلى الرغم من كلِّ ذلك فإن جهات حكومية حذَّرت من مغبة استهداف معاقل حكومية بعد الاندماج الذي حصل بين "الشباب" و"الإسلامي" بواسطة سيارات مفخخة يقودها انتحاريون أو عبر استخدام العبواة الناسفة لزرعها في مناطق حساسة في عمق المراكز التى تسيطر عليها حكومة الصومال.

 

ووصف وزير الدفاع الصومالي عبد الحكيم محمود انضمام عناصر الحزب الإسلامي كليًّا إلى حركة الشباب المجاهدين بأنها لن تجدي نفعًا، وأن هذا لا يشكل معنى كبيرًا.

 

ويقول باريجي بهوكو، الناطق باسم قوات حفظ السلام الإفريقية، "لن نتوقع زيادة الهجمات ضدنا، بل إن المعارضة كانت تشن طول عمرها هجمات على مراكزنا في مقديشو، مشدِّدًا على أن هذا لا يؤثر على مهامهم، لكن مَن سيدفع ثمن ويلات العنف في مقديشو هو الشعب الصومالي الذي يحتاج إلى الأمن والاستقرار".

 

وتسيطر القوات الإفريقية البالغ عددها 8,100 جندي على مراكز حيوية في مقديشو كالمطار والميناء والقصر الرئاسي، إضافةَ إلى وجودها في معسكر حلنى الذي يتحول يومًا بعد الآخر إلى قاعدة عسكرية للقوات الإفريقية في الصومال.

 

وكان مجلس الأمن الدولي وافق الأربعاء الماضي على تمديد تفويض قوات حفظ السلام الإفريقية التابعة للاتحاد الإفريقي لغاية سبتمبر عام 2011م، وزيادة عدد القوات الإفريقية إلى 12 ألف جندي من أصل 8 آلاف؛ لدعم حكومة الصومال لمواجهة حركة الشباب المجاهدين.

 

ويأتي هذا التصريح بعد أن توعَّد رئيس الوزراء الصومالي محمد عبد الله بشن هجوم على حركة الشباب، واصفًا الحرب المقبلة بـ"حرب ساحقة" ضدَّ حركة الشباب المجاهدين.

 

ومن جهة حركة الشباب فقد توعَّدت يوم الخميس الماضي بأنها تسعى إلى الإطاحة بالنظام الحكومي بقيادة شريف أحمد وإجبار القوات الإفريقية على الانسحاب من الصومال، وبهذا يستعد الفرقاء الصوماليون في المرحلة القادمة لخوض معركة مصيرية فيما بينهم، وما سنشهده الآن هو أنهم يشحذون السيوف والسلاح لإقصاء كلٍّ منهم الآخر .

 

تداعيات المرحلة القادمة:

 الصورة غير متاحة

عرض عسكري لمجموعة من شباب المجاهدين بالصومال

   هناك جملة من التداعيات التي ستؤثر على الواقع الصومالي، وربما هذه التداعيات هي التي تقلب الأمور رأسًا على عقب، ويمكن طرح أبرز التداعيات فيما يلي:

1 ـ ازدياد الهجمات العسكرية من قِبَل الشباب المجاهد ضدِّ معاقل القوات الحكومية في محيط القصر الرئاسي بهدف الوصول إليه، حتى تذهب جهود المجتمع الدولي في بقاء الحكومة الصومالية هباءً.

2 ـ تقليل حدة الحرب الكلامية المتبادلة عبر الإعلام المحلي، سواء كان ذلك من قِبَل الحكومة الصومالية وحركة الشباب، لأن الأخيرة لها محدداتها وإستراتيجيتها في الواقع، كما أن أهدافها واضحة في تخاطب وإبداء التصريحات عبر الإعلام المحلي، وهناك مَن يمثلها بصفة رسمية، وهي الجهة المخولة في إبداء التصريحات وعقد المؤتمرات الصحفية.

3 ـ انتهاء الصراع العسكري والفكري القائم بين الحركات الإسلامية ونبذ الخصومات بينها نهائيًّا بعد دمج مقاتلي الحزب الرأسالمي في حركة الشباب المجاهدين.

4 ـ صعوبة إقناع حركة الشباب المجاهدين مستقبلاً في أخذ مبدأ الحوار كوسيلةٍ للتخاطب مع الحكومة الصومالية بدلاً من التعنت في سياسة النار والحديد.

5ـ إمكانية إحراز الشباب المجاهدين تقدُّمًا عسكريًّا إلى الأمام وتوسيع رقعة مراكزها العسكرية بمقديشو وتقوقع الحكومة الصومالية وانحسار نفوذها قرب القصر الرئاسي.

6 ـ وبعد ذلك يكتب لحركة الشباب أن تحقق نصرًا عسكريًّا وتطرد فلول القوات الإفريقية من الصومال كحال القوات الإثيوبية التى انسحبت من البلاد عام 2009م؛ لأن الشباب المجاهد تبذل النفس والنفيس في سبيل دحر نفوذ الحكومة الصومالية، وبالعكس لا نرى استعدادات أو تحركًا عسكريًّا من قِبَل الحكومة الصومالية في مواجهة مقاتلي الشباب المجاهد الذين يزحفون يومًا بعد الآخر باتجاه القصر الرئاسي.

 

محطات  تاريخية:

نشأ الحزب الإسلامي في الـ2/2/1431م، وذلك بعد اتحاد أربعة حركات  مسلحة صومالية، شاركت المقاومة ضدَّ المحتل الإثيوبي الذي توغل في الصومال عام  2006م، والذي أطاح بنظام المحاكم الإسلامية في الصومال.

 

وقد نشأ الحزب بفعل اتحاد جبهة راس كمبوني والجبهة الإسلامية ومعسكر خالد بن الوليد ومعسكر عانولي، ليشكلوا معًا الهيكل الإداري والعسكري للحزب الإسلامي برئاسة عمر إيمان أبو بكر الذي أعلن بعد وصوله إلى الصومال في فبراير عام 2009م عن مواصلة الحرب ضدَّ الحكومة الصومالية التي لم تضع قدمها آنذاك بشكل كامل على أرض الواقع.

 

وفي أبريل عام 2009م قدم عمر إيمان استقالته ليتنازل عن رئاسة الحزب الإسلامي لحسن طاهر أويس، وذلك بعد خلافات دارت بين القياديين البارزين داخل الحزب الإسلامي والتي أدَّت إلى ترك عمر إيمان من منصبه ذاهبًا إلى المهجر.

 

وفي أكتوبر عام 2009م دخل الحزب الإسلامي معركةً حاسمةً مع حركة الشباب المجاهدين وذلك في نزاع عسكري في حكم مدينة كسمايو (على بعد 500 كلم جنوب مقديشو)، وبعد أيام قليلة استطاعت حركة الشباب المجاهدين اكتساح مقاتلي الحزب الإسلامي، وطردتهم إلى خارج المدينة الواقعة في جنوب الصومال.

 

وفي فبراير عام 2010م انفصل الزعيم الإسلامي حسن تركي عن الحزب الإسلامي، وفضّل الانضمام إلى حركة الشباب المجاهدين، ما قوَّى شوكة حركة الشباب التي كانت تستولي على معظم المدن الجنوبية في الصومال، وابتلعت كل المدن القليلة التي كانت تقع تحت سيطرة الشيخ حسن تركي في منطقة راس كمبوني جنوب البلاد، ما شكل صفعة قوية في وجه الحزب الإسلامي، وشهد على إثرها انشقاقات عريضة كانت تحدث في داخله يومًا بعد يوم.

 

وفي مايو عام 2010م شكَّل القيادي البارز في الحزب الإسلامي أحمد مدوبي جبهة رأس كمبوني من جديد، معلنًا انفصاله عن الحزب الإسلامي الذي وجه جملة من التهم حول ضعف إرادته في مواجهة من يبتلع نفوذه في إشارة إلى الشباب المجاهد، مؤكدًا أنه يخوض حرب مصيرية ضدَّ حركة الشباب وهي التي انتزعت من يده كبرى مدن جنوب الصومال.

 

وفي عام 2010م استولت حركة الشباب على مدينة بلدوينى (على بعد 300 كم شمال مقديشو)، وذلك بعد دمج قوات الشباب الموجودة في بلدوينى في قوات الحزب الإسلامي فيها، ما أجبر عددًا من المسلحين الإسلاميين الرافضين الانضمام إلى الشباب المجاهد على الخروج من المدينة.

 

 وفي الـ12 /12/2010م حققت حركة الشباب انتصارًا عسكرياّا أمام مليشيات الحزب الإسلامي بعد أن استولت على مدينة بورهبكة التي كان يتولى أمورها الحزب الإسلامي ودخلت وحدات من حركة الشباب المجاهدين في المدينة على حين غفلة من "الإسلامي"، وبعد يومين أحكمت الشباب المجاهد قبضتها على منطقة تورتورو القريبة بمدينة أفجوي (على بعد 30 كلم غربي مقديشو).

 

وفي 19/20/2010م أعلن مسئول في الحزب الإسلامي في مدينة لوق الانضمام  إلى حركة الشباب المجاهدين، وذلك عقب مؤتمر صحفي عقده فرحان عبدي مسئول "الإسلامي" في مدينة لوق- قرب الحدود- ليعلن انشقاقه عن الحزب، مقررًا انضمام عناصره إلى الشباب المجاهد .