أثارت الوثائق التي بدأت قناة (الجزيرة) الفضائية في نشرها حول مجريات المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني مع الوسيط الأمريكي؛ ردود أفعال متباينة في الساحة الفلسطينية، ومن ضمن الوثائق التي تمَّ كشفها التنسيق بين السلطة والاحتلال حول اغتيال أحد قادة كتائب "شهداء الأقصى" في قطاع غزة عام 2005م، إضافةً إلى علم السلطة المسبق بالحرب على غزة، وطلب عباس من الاحتلال إعادة احتلال قطاع غزة، علاوةً على اعتراف السلطة بيهودية الدولة لدى الكيان الصهيوني وتبادل الأراضي.

 

من جهته أكد د. أحمد بحر، النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي، أن ما كشفت عنه الوثائق التي عرضتها قناة (الجزيرة) الفضائية يعدُّ فضيحةً مدويةً لسلطة رام الله وحركة "فتح"، وكارثةً وطنيةً بكل المقاييس.

 

وأوضح بحر لـ(إخوان أون لاين) أن الوثائق- بما حملته من معلومات- لم تكن مفاجئةً على الإطلاق بالنظر إلى التسريبات المتكررة غير الرسمية التي تواترت إبَّان مسيرة المفاوضات العبثية بين السلطة والاحتلال، والتي تحدثت عن تنازلات خطيرة وغير مسبوقة في تاريخ الصراع.

 

وأشار بحر إلى أن قيمة هذه المعلومات تكمن في صبغتها الرسمية الصادرة على شكل وثائق، تشتمل على جزءٍ كبيرٍ من محاضر اجتماعات المفاوضات والتنسيق الأمني والعلاقة القائمة مع الاحتلال والمحيط الإقليمي والدولي، والتي لا يستطيع أحد أن يشكِّك في صحتها ومصداقيتها.

 

وشدَّد بحر على أن ادِّعاءات وشعارات السلطة و"فتح" التي لا تفتأ تردِّدها زورًا ونفاقًا دفاعًا عن مواقفها وسياساتها حول تمسكها بالحقوق والثوابت الوطنية قد سقطت إلى أسفل سافلين، وباتت عورة السلطة و"فتح" مكشوفةً أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي وكل أحرار العالم، بدون أي غطاءٍ أو ورقة توت.

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد بحر

 

وجدَّد بحر تأكيده فشل السلطة و"فتح" في إدارة المشروع الوطني، وعدم ائتمانها بالمطلق على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن التنازلات الخطيرة التي تتعلق بقضيتي القدس واللاجئين اللتين تشكِّلان لب القضية الفلسطينية وجوهرها والجرائم المتمخِّضة عن التنسيق الأمني والتواطؤ في الحرب على غزة؛ تضع السلطة و"فتح" في مواجهةٍ أكيدة مع الشعب الفلسطيني.

 

ودعا بحر شعبنا الفلسطيني إلى نبذ كلِّ مَن سولت له نفسه الاصطفاف مع الاحتلال وبيع الحقوق والثوابت الوطنية والعمل على محاكمة الزمرة المتورِّطة والطواقم السياسية والأمنية المتواطئة مع الاحتلال ومرجعياتها القيادية بتهمة "الخيانة العظمى".

 

وشدَّد على أن الصمت على هؤلاء والتغاضي عن خطاياهم يشكِّل جريمةً لا تغتفر، وأن بقاءهم في إطار المشهد الوطني والسياسي كفيلٌ بجرِّ الوطن والقضية إلى مهالك وكوارث حقيقية لا يعلم حدودها ومداها إلا الله.

 

فيما أكد النائب إسماعيل الأشقر، نائب رئيس كتلة التغيير والإصلاح، أن الوثائق التي كشفتها قناة (الجزيرة) تثبت أن فريق أوسلو مجموعة من اللصوص السياسيين الذين تتقاطع مصالحهم الشخصية مع أجندة الاحتلال، مضيفًا أن هذه الوثائق تُثبت مدى تورُّط السلطة مع الاحتلال الصهيوني في التآمر على الشعب الفلسطيني، ومدى تهاون هذا الفريق في الثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني.

 

وطالب الأشقر- في تصريحٍ لـ(إخوان أون لاين)- بتقديم هؤلاء لمحاكمات شعبية ومحاكمات قانونية كمجرمين ومفرِّطين في الحقوق الشعب الفلسطينية.

 الصورة غير متاحة

إسماعيل الأشقر

 

وأشار الأشقر إلى أن هذا الفريق نصَّب نفسه زورًا وبهتانًا وصيًّا على الشعب الفلسطيني، معتبرًا منظمة التحرير الفلسطينية فاقدة الشرعية القانونية والدستورية، ومؤكدًا أن كل ما قام به هذا الفريق- سواء باسم المنظمة أو باسم الشعب الفلسطيني- غير معترف به ولا يلزمنا كشعبٍ فلسطيني بأي حالٍ من الأحوال، وإنما يلزم هؤلاء المجرمين الذين يجب أن يُقدَّموا للمحاكمة بصفتهم؛ لأنهم ارتكبوا خيانةً وجنايةً بحقِّ الشعب الفلسطيني.

 

وأوضح الأشقر أن تبرير محمود عباس بأنه وضع الأنظمة العربية في صورة المباحثات والحوارات مع الاحتلال وأمريكا بقوله: "لا يعفيهم أبدًا من هذه الجريمة النكراء التي ارتُكبت بالتواطؤ مع الاحتلال وبتفريطهم في الثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني"؛ أن هذا دليل إدانة آخر لمحمود عباس؛ لأنه يتواطأ مع ما يُسمَّى بالأنظمة التي تسير في التسوية السياسية التي فرَّطت وذهبت بالقضية الفلسطينية وأدَّت إلى انهيارات كبيرة جدًّا فيها، وفي المقابل رسَّخت أقدام الكيان الصهيوني في فلسطين، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني لم يفوضْهم للتفاوض عنه في الحقوق والثوابت.

 

من جهتها أكدت حركة المقاومة الشعبية أن فلسطين هي حق ديني وتاريخي، وأن كل مَن يتنازل عن ذرةٍ من ترابها هو خارج عن الصفِّ الوطني، موضحةً أن عباس ومَن حوله لا يمثلون إلا أنفسهم، ولهذا فهم لا يملكون حقًّا بالتفاوض عن الوطن باسم الشعب الفلسطيني.

 

وشددت الحركة- في بيانٍ صحفي وصل (إخوان أون لاين)- على سقوط خيار المفاوضات وسقوط أصحابه، وأن مشروع الشعب الفلسطيني هو المقاومة والتمسك بالثوابت حتى تحرير الأرض وانتزاع جميع الحقوق المشروعة.

 

ويأتي هذا بعد أن عرضت قناة (الجزيرة) وثائق تكشف الانزلاق والسقوط الوطني الذي وصلت إليه سلطة عباس.

 

ويضيف د. باسم زبيدي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت: "لا يكفي النفي أو الإنكار أو التشكيك بهذا الشكل، معتبرًا أن المطلوب تقديم أدلة إن كان ما عرضته الجزيرة من وثائق مختومًا بأختام دائرة المفاوضات الفلسطينية غير صحيح".

 

وأضاف: "هذه وثائق رسمية، و(الجزيرة) تقول إنها فحصتها، ومتأكدة من دلالتها، وهي تقدم رواية لأحداث، والمطلوب من السلطة إذا كانت تنفي هذه الوثائق أن تُقدِّم أدلتها وروايتها للأحداث".

 

واعتبر أن ما كشفته الوثائق مقلق للغاية، وإن كان أشار إلى أن "هذه الوثائق من الناحية الفعلية لم تأتِ بجديد؛ فالجانب الفلسطيني سخيٌّ جدًّا، وقدَّم الكثير من التنازلات، ولم يكن أمامه أي ضوابط، سواء بالثوابت أو رأي الجمهور أو مشروع النضال الفلسطيني".

 

وأقرَّ بأن ما تمَّ عرضه "كشف عن مستوى نوعي من الاستعداد الفلسطيني للتنازل عن الثوابت التي لم تعد ثوابت".

 

وقال: "هذه الوثائق تظهر المفاوض الفلسطيني مستعجلاً متلهفًا سخيًّا متجاوزًا لما يقال عنها خطوط حمراء، بينما الجانب الصهيوني غير مستعد لمجرد تفهم المطالب الفلسطينية".

 

واعتبر أن ما طرحه محمود عباس بأن الزعماء العرب وجامعة الدول العربية على اطِّلاع بوثائق ومجريات المفاوضات لا يقلل من خطورة ما تم الكشف عنه، وقال: "ما يطمئن الفلسطينيين ليس إبلاغ الزعماء العرب بمجريات المفاوضات، بقدر تأكيد التحقق من صدقية هذه الوثائق ومدى انسجامها مع الثوابت الفلسطينية ومع إرث الرئيس الراحل ياسر عرفات؛ الذي رفض تقديم أي تنازلاتٍ في ملف القدس الشرقية".

 

في المقابل، شكَّك رئيس تحرير وكالة (معًا) الفلسطينية ناصر اللحام، في نوايا قناة (الجزيرة) من بثِّ هذه الوثائق، معتبرًا أن تل أبيب وواشنطن هما المستفيدتان.

 

غير أن د. عبد الستار القاسم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح، رفض فكرة التركيز على نوايا "الجزيرة" ومناقشة أهداف توقيت النشر، مشدِّدًا على أن الأهم هو الوثائق وما تضمنته من معطيات وحقائق.

 

وقال قاسم لـ(إخوان أون لاين): إن استعداد السلطة لتقديم التنازلات كان معروفًا، معتبرًا أن الكيان الصهيوني "لا يقبل بمشاركة أي طرفٍ في مفاوضات معه إلا إذا قبل أن تكون الأولوية لحماية الأمن الصهيوني، ومَن يقبل بذلك يسهل عليه التنازل".

 

وأشار إلى أن ما تم الكشف عنه مهم في إطار عرض تفاصيل عن حجم وطبيعة التنازل، والتدليل على أن المفاوض الفلسطيني لم يكن أمينًا مع الشعب الفلسطيني، وقال إن ذلك سيؤدي إلى المزيد من المنزلقات الخطيرة في المستقبل.