كثيرة هي الذكريات الجميلة والحزينة التي ترتبط بأحداث وقصص تزخم بها ذاكرة الشعب الفلسطيني، والتي تتجدد فيها الجراح الممزوجة بالسعادة، وفي مثل هذا اليوم الذي يحتفل فيه العالم بالأم التي ربت وسهرت وتعبت, تستقبل أم الأسير الفلسطينية هذا اليوم بمرارة الحزن, فهي تعبت وسهرت وربت، ولكنها اليوم تبكي وتشتاق وتتمنَّى عودة الابن الأسير.

 

لحظات مريرة تمرُّ بها كلُّ أم فلسطينية لها حكاية مختلفة, تتفتح الجراح وتفتقد الأحباب وتتمنى وجودهم, فهذه زيتونة فلسطين الرومية الحاجة رابعة "أم بكر", نموذج فلسطيني يحكي قصة أمٍّ تحاول أن تصنع الفرحة بداخل نفسها وسط يوم تتجدد فيه الجراح, فهي أم لأربعة أسرى يقبعون خلف القضبان, ناهيك عن زوجة ابنها نيللي الصفدي التي تمكث هناك هي الأخرى, وحفيدها ابن ولدها البكر سعيد الذي أيضًا خطفته السجون من حضن عائلته, تشتكي مرارة تلك الذكرى التي تفتح جرح قلبها الذي لم يغلق منذ أكثر من عقدين؛ حيث الاعتقالات المستمرة والمتكررة لأولادها, بالإضافة إلى اعتقالها قبل عام لمدة ثلاثة أيام من أجل الضغط على أولادها في مراكز التحقيق.

 

تعبِّر عن شوق كبير- لم تستطع وصفه- إلى أبنائها في ذلك اليوم, تشعر وكأنها تفتقد ثمرة تعبت بها كثيرًا ولكن الاحتلال خطفها منها, فهي كأي أمٍّ في مثل هذه المناسبة تتذكر أبناءها الذين لن تغيب صورتهم عن مخيلتها فيزداد الشوق، ويتضاعف الحنان المصاحب للضيق الشديد الذي يزيد من نبضات قلبها، ولربما تتساقط دموعها حينما ترى كلَّ مَن حولها يحتفلون بأمهم ويحضرون لها الهدايا, بينما هي أبناؤها تحتجزهم السجون ولن يتمكنوا من رؤيتها.

 

وعلى الرغم من تلك المشاعر الموجعة لقلب هذه الأم فإنها تشعر بفخر واعتزاز كونها أم فلسطينية تختلف عن أي أمٍّ بالعالم, فهي من تودع ابنها الشهيد بالزغاريد, وهي التي تحبس الدمعات من عينيها وهي تشاهد ولدها مربوطًا بالأصفاد.

 

ولم تقل معاناة السيدة "أم حسن" عن سابقتها, فهي تتجرع نفس المرارة في تلك المناسبة؛ حيث تحتجز سلطات الاحتلال، ولديها المحكوم عليهما مدى الحياة, والمحرومة من رؤيتهما نهائيًّا, فمنذ 13 عامًا لم تر ابنها حسن، ولا حتى سمعت صوته, ومنذ تاريخ حصار غزه عام 2006م، ولم تتمكن من رؤية ولدها أكرم الموجود في مستشفى سجن الرملة في ظروف غاية في الصعوبة والقسوة.

 

تقول إنها تتمنَّى أن يأتي مثل هذا اليوم العام القادم وأن ترى فيه ولديها الأسيرين, لعلها تروي ظمأ شوقها لمعرفة أخبارهم، فهي أم تموت في اليوم ألف مرة حينما ترى نفسها عاجزة عن الوصول إلى أبنائها, ولكنها تدرك جيدًا أن الأم الفلسطينية هكذا هو حالها, موضحةً أن الأم الفلسطينية فرحتها منقوصة في هذه المناسبات؛ لأنها غالبًا تكون أم أو شقيقة أو ابنة أسير أو شهيد.

 

تحاول هذه السيدة أن تصف مشاعر تختلج في صدرها تجددت، اليوم، فصورة حسن وأكرم لم تفارق عينيها، ولكن في هذا الوقت تشتد الذكرى، وتزيد الأمنيات، وتسرح بالخيال؛ لتشعر أن ولديها بجانبها يشاركانها فرحتها المنقوصة بدونهما.

 

وربما مشاعر خنساوات فلسطين اللاتي قدمن أبناءهن أسرى, تكون واحدة في ذلك اليوم، فالألم واحد ولكن لكلِّ واحدة حكاية وذكريات خاصة بها, فوالدة الأسير عبد الله أبو شلبك الذي مضى على اعتقاله أكثر من 20 عامًا متواصلة في سجون الاحتلال, تتمنَّى أن يكون ابنها بجوارها في مثل هذا اليوم, تقول بابتسامة تسرح بها: "أريد أن أضمه إلى صدري لعلي أحاول أن أعوض هذه السنين التي أمضاها بعيدًا عنِّي, فهذه أمنيتي وبعد ذلك لا أريد شيئًا فلا يهمني إن مت أو بقيت على قيد الحياة, فبذلك سأكون شبعت من رائحته التي لم تفارقني اليوم".

 

أما "أم ناصر" أبو حميد فلها حكاية تزداد عن سابقاتها بأنها تجرعت مرارة أم الأسير ومرارة أم الشهيد, لقد كان لها في يوم من الأيام سبعة أولاد في السجن، بالإضافة إلى ولد شهيد وهو عبد المنعم، الذي اغتال أحد كبار ضباط الشاباك الصهاينة, واليوم تحتجز القضبان ثلاثة من أبنائها، وهم: ناصر ونصر وشريف, جميعهم محكوم عليهم بالمؤبد أكثر من مرة.

 

تقول وهي تفضفض كل ما بقلبها: "أولادي هم أغلى ما أملك, وهم اليوم في يد السجان, لا أدري ماذا تخبئ لي الأيام هل سأراهم أحرارًا وأنا على قيد الحياة أم أن الموت سيسبق قدومهم مثل كثير من الأمهات, فهل يا ترى سأحظى بنظرة وداع, ضمة حب وحنان من فلذات كبدي قبل موعد الموت؟".

 

ليست هي الأم الفلسطينية التي تحترق مشاعرها على فراق أبنائها في هذا اليوم, فالأخت لها نصيب من ذلك كما هو الحال لدى حنان البرغوثي شقيقة عميد الأسرى الفلسطينيين نائل البرغوثي وشقيقة الأسير عمر البرغوثي "أبو عاصف", الذي أمضى ما يزيد عن 25 عامًا في سجون الاحتلال, تستذكر ما كانت أمها الحاجة "فرحة" التي انتقلت إلى جوار ربِّها من دون أن تلتقي ولدها نائل, تقول: "كانت رحمها الله تنظم الشعر العامي، وكانت على الدوام تغني لنائل ولعودته لها، وكانت تتمنى أن يخرج وتغني في عرسه له ولفلسطين وللأقصى, ولكن قضاء الله وقدره كان أسرع من خروج نائل إليها، فماتت وذهبت هذه الذكريات معها, وبقيت أنا الآن وحدي أفتقد الأخوين والأبوين وانتظر عودتهما بفارغ الصبر".

 

والدة الأسير مازن فقهاء من بلدة طوباس, حرمت على نفسها هذه الفرحة، وحرمت بقية أبنائها من الاحتفال بها, وجعلتها ذكرى قاسية ومؤلمة منذ أكثر من ثمانية أعوام, فهي لم تذق للحياة طعم السعادة دون ولدها البكر مازن المحكوم عليه مدى الحياة.

 

وربما يشكل الألم مشاعر كلِّ أمٍّ من هؤلاء البطلات الصامدات؛ حيث والدة الأسير أحمد النجار المحكوم عليه بالمؤبد 18 مرةً تمنَّت أن يأتي ذلك اليوم في العام القادم، وقد شفى الله ولدها الذي فَقَدَ صوته بعد استئصال الأوتار الصوتية بسبب مرض السرطان.

 

تقول والدموع قد سبقتها بالتعبير: "لقد تضاعفت جراحي في هذا اليوم, فأنا أم لا أريد هدايا ولا أريد شيئًا, فكل ما أطلبه هو إعادة صوت ولدي أحمد لكي يتمكن من الحديث لنا ولابنته إباء أثناء الزيارة التي أتألم بها في كلِّ مرة حينما أراه بهذا الحال".

 

وتضيف: "لكم أن تتخيلوا حالي وحال أفراد أسرته الذين لا يملكون فعل شيء وهم يشاهدون بأم أعينهم موت ابنهم, وفقدانه صوته دون تقديم شيء له, إنه شعور في غاية الصعوبة, فهذا جرحي الذي أبكيه في هذا اليوم".

 

ولم يختلف يوم الأم لدى عائلة الأسير هيثم صالحية الذي تعرَّض لمحاولة اغتيال قبل أشهر قليلة وهو في الأسر عن بقية العائلات الفلسطينية, تشتكي والدته شعورها بفقدان ابنها بيوم كان المفترض أن يكون به عندها؛ حيث تقتلها آلام القلق على مصير ابنها وحاله, فهل ستعود له صحته أم أن المضاعفات ستفعل شيئًا به, قائلة: "رغم وجود جميع أبنائي حولي باستثناء هيثم فإنني أشعر بفقدانهم جميعًا، فهيثم هو ابني وحبيبي ولا طعم للحياة من دونه".

 

من جانبه، هنَّأ فؤاد الخفش مدير مركز "أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان" كل أمهات فلسطين في الوطن وفي الشتات بذلك اليوم الذي تفخر به فلسطين، بأنها تشمل أمهات صابرات من هذا النوع.

 

وأوضح أن الشعب الفلسطيني شعب اجتماعي يهتم بالأسرة، ويعشق الجماعات واللمات, لا سيما الأسرة الفلسطينية التي تحب أن تجتمع في مناسباتها دون غياب أي فرد من أفرادها, ولكن الواقع الفلسطيني فرض عليهم أمرًا آخر، فهناك مَن تفقد ابنها الأسير، وأخرى أبناءها الأسرى، وثالثة تبكي ابنها الشهيد.

 

ويشير الخفش إلى أن الاحتلال وبطبيعته يُفسد ويُعكر جو مثل هذه المناسبات، ويعتقل الأبناء ليفسد عليهم فرحتهم, ولكن العائلة الفلسطينية تحاول أن تعضَّ على جرحها؛ لأنها على يقين أن هناك في هذه الدنيا مَن يستحق أن يضحي لأجله الإنسان.

 

واختتم: "هذه هي الأم الفلسطينية, وتلك هي أجواء الاحتفال بيومها, وهكذا يكون صمودها وسط جروح كثيرة مؤلمة وموجعة, ولكن فلسطين تستحق ذلك".