عقب تولي الحركة الإسلامية الحكم في السودان بعد انقلاب "البشير" عام 1989م، سرت روح جهادية كبيرة بين شباب الحركة الإسلامية تدعو لتطهير الجنوب من حركة التمرد (الحركة الشعبية لتحرير السودان) التي كان يقودها جون جارانج حينئذ، واستغلت قيادات الحركة هذه الروح الجهادية في الحشد لطرد المتمردين من الجنوب، بعدما كانوا قد وصلوا إلى مدينة جوبا وسيطروا على قرابة 70% من الجنوب.
وبالبرغم من أن الحرب التي شنتها الخرطوم على الجنوب نجحت في استعادة المدن الكبرى وطرد حركة جارانج وحصرها قرب الحدود الجنوبية مع أوغندا وكينيا، حتى وصل الجيش السوداني إلى مدينة نيمولي قرب الحدود مع أوغندا، فقد كانت الحرب مكلفة للخرطوم اقتصاديًّا (مليون دولار شهريًًّا) وبشريًًَّا، حتى قيل إن 200 ألف من خيرة شباب الحركة الإسلامية استشهدوا في هذه الحرب التي استعرت منذ 1989م وحتى 1995م، من بين قرابة 1.3 مليون قتلوا عمومًا في حرب الجنوب منذ 1983م حتى توقفها.
وبسبب عرقلة هذه الحرب في الجنوب لفكرة قيام الدولة الإسلامية التي كانت هي الهدف الأساسي للحركة الإسلامية الموحدة حينئذ بزعامة تحالف الترابي مع الضباط الإسلاميين في الجيش بزعامة البشير، بدأت بعض الأصوات تتصاعد داخل الحركة الإسلامية ترى أن السماح بانفصال الجنوب الذي يبدو كسلسلة ثقيلة تعوق حركة السودان نحو (الأسلمة) الكاملة، أفضل للسودان، ما دام الجنوب يثقل كاهل الخرطوم بأعباء اقتصادية وحروب وعداءات دولية، ويدفع لمزيد من التدخل الدولي لضرب المشروع الإسلامي ككل في السودان.
وأزعم أن أحد أسباب الصراع داخل الحركة الإسلامية وانقسامها لاحقًا لمجموعتي البشير والترابي، كان بسبب هذه الحروب وما سببته من فتنة داخلية وصراعات، بجانب اشتعال مشكلات أخرى في الشرق وفي الغرب (دارفور)، ونشير هنا إلى أن الدكتور حسن الترابي كان أول من وقع اتفاق مبدئي للسلام مع العقيد جون جارانج قائد متمردي الجنوب، ولكن انتهى الأمر بتوقيع اتفاقات لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية ثم اتفاق ماشاكوس وأخيرًا اتفاق نيفاشا 2005م الذي وضع أوزار الحرب، وانتهى باتفاق سلام الجنوب الذي أقر بحق الجنوب في تقرير المصير في غضون ست سنوات إما بالوحدة أو الانفصال.
وتوجت هذه المعركة التاريخية بين الشمال والجنوب منذ بدأ الاستعمار البريطاني سياسته لفصل الجنوب في القرن التاسع عشر، بفصل الجنوب رسميًًّا عقب استفتاء 9 يناير 2011م، ثم تدشين دولة الجنوب رسميًًّا في 9 يوليه الجاري 2011م.
سر مشكلة الجنوب
والحقيقة أن انفصال الجنوب (ربع مساحة السودان) كان خبرًا محزنًا لكلِّ أبناء الحركة الإسلامية في الداخل السوداني والخارج، ولكنه مع هذا جمع المعارضين للانفصال مع المؤيدين على فكرة التفرغ مرة أخرى لاستعادة الهدف الأول منذ انقلاب 1989م، وهو بناء دولة إسلامية سودانية مستقلة قوية، خصوصًا أن هناك فريقًا من هؤلاء الإسلاميين يقوده الطيب مصطفى خال الرئيس البشير، كانوا يؤيدون فصل الجنوب بشدة، باعتباره عبئًا على الشمال، وهؤلاء وزعوا الحلوى في شوارع الخرطوم عقب إعلان نشوء دولة الجنوب!.
والسبب الذي دعا هؤلاء الإسلاميين للترحيب بانفصال الجنوب منذ أكثر من ربع قرن، هو أنهم يدركون أن الوحدة في مفهوم جون قرنق زعيم الحركة الشعبية الراحل- والتي لا يزال أبناؤه مثل باقان أموم يسيرون عليها- تعني "سودانًا إفريقيًًّا علمانيًًّا مناهضًا لهوية السودان العربية الإسلامية، ويسعى لإخراج السودان من محيطه العربي الإسلامي" بحسب الطيب مصطفى نفسه أكثر المرحبين بالانفصال والداعين له منذ سنوات، إذ يرى هذا التيار داخل الحركة الإسلامية– وليس كل الحركة الإسلامية السودانية– أن انفصال الجنوب سيسمح للشمال بإقامة دولته الإسلامية العربية الخالصة التي تطبق الشريعة الإسلامية، والرئيس البشير ألمح لهذا في أحد خطاباته حينما أشار لتطبيق الشريعة.
أما سر مشكلة الجنوب فيكمن في أن انفصال الجنوب ليس هو هدف متمردي الجنوب ومن يدعمهم من قوى أجنبية ومنظمات تبشيرية وأجهزة استخبارات غربية، وإنما هو مجرد مرحلة من سلسلة خطوات هدفها الأساسي والنهائي هو تفتيت السودان، والقضاء على أي قوة سودانية إسلامية قوية اقتصاديًًّا وإقليميًًّا في هذه المنطقة الإفريقية؛ حيث الموارد المعدنية، والنفط، والطرق الإستراتيجية، والخط الفاصل بين (الإسلام العربي) و(إفريقيا).
فالسودان يتعرض لمخطط غربي سياسي تنصيري واسع لتفتيته، ومنعه من التوحد في دولة إسلامية قوية تمتلك أدوات القوة الكبرى اقتصاديًًّا واستراتيجيًًّا، ولكن الخطورة الحقيقية على السودان في اختيار الجنوبيين الانفصال، هي لأسباب محلية وأخرى إقليمية وثالثة دولية، بخلاف ما هو متصل بتأثير هذا الانفصال على حصار الإسلام والعروبة في جنوب السودان– وهو هدف غربي– ومنع الإسلام من التمدد والانتشار من الشمال إلى الجنوب ومن السودان– آخر الحصون العربية في الجنوب– إلى القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات العظمى، وكذا في غرب إفريقيا (عبر دارفور)؛ حيث تمَّ حصار الإسلام هناك عبر إشعال حرب أهلية بدعاوى إنسانية وفرية اضطهاد العنصر العربي للعنصر الإفريقي بعدما وجدوا أن استخدام سلاح التخويف من الإسلام لن يجدي؛ لأن 100% من سكان دارفور مسلمون!.
فعلى مستوى الحركة الشعبية (متمردو الجنوب)، كانت ولا تزال الخطة الأصلية هي (سودان علماني موحد) لا يسمح فيه للحركة الإسلامية بإدارة السودان الموحد، وهذه هي خطة جون جارانج الأصلية بالتعاون مع الغرب، والتي لا يزال صبيانه– خصوصًا باقان أموم أمين عام الحركة الشعبية– يؤمنون بها ويعملون لها.
ولهذا ما إن أعلن عن اختيار الجنوبيين الانفصال، حتى بادر أنصار الحركة الشعبية الموجودون في الخرطوم لإعلان أنهم باقون في الخرطوم، وأن حزب الحركة الشعبية سيظل في الخرطوم، ولن يغادر إلى الجنوب (برغم أنهم أصبحوا رعايا دولة أخرى!) وقالوا صراحة إن هدفهم سيظل هو سودان علماني في الشمال، بل وهدد قادتهم بالحرب في الشمال إذا جرى استبعادهم بعدما قالت الخرطوم إنهم أصبحوا أجانب، وسوف يتم سحب الجنسية منهم، وحظر نشاط حزب الحركة الشعبية.
صراعات دولتي الجنوب والشمال*
وبجانب هذا الصراع الذي يقوده متمردو الجنوب مع الخرطوم لمناكفة الحركة الإسلامية ومنعها من تنفيذ مشروعها بشأن دولة إسلامية مستقلة تطبق الشريعة بعد انفصال الجنوب الذي كان يعرقل هذا، ظهرت مشكلات عالقة أخرى بين دولة الجنوب الجديدة ودولة السودان الشمالية، ستؤدي بدورها لاستمرار الشمال عالقًا في وحل الجنوب، ما يؤثر على خطط (الأسلمة) ويعزز خطط (التفتت).
فالسودان سيدخل مرحلة الخطر وتتزايد التدخلات الغربية لتفتيته؛ بسبب هذه المشكلات العالقة التي تبدو أشبه بمسمار جحا، بهدف جوهري هو منع تشكيل إمبراطورية سودانية (بحكم مساحة السودان الضخمة وموارده الهائلة).
فأزمات السودان لم تعد هي فقط انفصال الجنوب، وإنما هناك مخاطر من حركات التمرد في دارفور وحركات تمرد أخرى في مناطق شمالية وشرقية تدعمها قوى دولية هدفها تفتيت السودان، خصوصًا أن من يحكمونه لديهم منهج إسلامي وفكر عقائدي منسجم مع الشريعة الإسلامية.
بل إن انفصال الجنوب نفسه سيمثل خطرًا كبيرًا على السودان.. فبرغم أن هناك فريقًا داخل الحركة الإسلامية السودانية وصل إلى قناعة بأن انفصال الجنوب ربما يكون لصالح الشمال، باعتبار أن الجنوب والحرب معه شكلا عقبة أمام التحول الإسلامي الكامل وتطبيق الشريعة الإسلامية، وانفصاله يعطي الشمال فرصة لتنفيذ مشروعه الإسلامي والنهضة بالدولة السودانية بعد انفصال الجنوب منها.. إلا أن الجنوب ليس موحدًا وليس صحيحًا أن الحركة الشعبية هي المهيمن الوحيد وصاحبة الصوت العالي هناك، فهناك العديد من الحركات السياسية الجنوبية القبلية بشكل أساسي تتصادم مع الحركة الشعبية، وهناك حروب بينهم مستمرة بعد الانفصال وقد تزيد.
وهناك حرب أهلية حقيقية تجري هناك حاليًًّا، ومنهج الحركة الشعبية في التعامل مع أي حركة أو عشيرة تنافسها هو القمع؛ ولذلك هناك مخاوف حقيقية في الخرطوم ألا يؤدي انفصال الجنوب إلى سلام، وإنما سيخلق توترًا جديدًا بين دولتي الشمال والجنوب، خصوصًا أن الجنوب يتسلح حتى أسنانه، وسيزيد هذا بعد الانفصال، كما أن الحرب الأهلية في الجنوب سوف تنعكس بلا شك على الشمال، وتظل تلاحق استقرار السودان ككل!.
وبجانب هذا هناك مشكلات أخرى عالقة بين الشمال والجنوب أخطرها منطقة أبيي الحدودية المتنازع عليها بين الشمال والجنوب، والتي يطالب الجنوبيون بأن يُجرى الاستفتاء على تبعيتها لدولة الشمال أو الجنوب عبر تصويت القبائل الجنوبية فقط (الدينكا نقوك) واستبعاد القبائل العربية (المسيرية) التي تفوق قبائل الجنوب تعدادًا أربعة أضعاف، بخلاف مشاكل توزيع عائدات النفط ، ومشاكل الحدود.
أيضا هناك مشكلة دارفور ومشكلة جنوب كردفان؛ حيث بدأت محاولات لابتزاز الخرطوم وتشتيت انتباه الحكومة وسعيها لإعادة بناء شمال السودان، بعدما أدت نفقات الحرب مع الجنوب لإفشال المشروع الإسلامي للتنمية، من قِبل متمردي الجنوب في (الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان) بالإعلان أن منطقة (آبيي) المتنازع عليها والتي بها 80% من نفط السودان سيتمُّ ضمها تلقائيًًّا للجنوب عقب إعلان الدولة الجنوبيَّة (دولة السودان الجنوبيَّة)، وظهرت أعمال تحريض على هذا، انتهت بنصب كمين لقوات الخرطوم قتل فيه 23 جنديًًّا شماليًًّا، ما دفع الخرطوم لنشر قواتها في أبيي والسيطرة عليها.
وعندما فشلت خطة الحركة الشعبيَّة الجنوبيَّة في آبيي، بدأت بالتعاون مع قوى خارجيَّة وعصابات متمردة في دارفور وكردفان موالية للجنوبيين، بمحاولات لخلخلة الأمن في مناطق أخرى ضمن مخطط تفتيت السودان، ووقع الخيار على كردفان؛ حيث سعت قواتٌ جنوبيَّة يقودها (آدم الحلو) بالهجوم على كادوجلي، ونشبت مواجهات بين قوات الحركة والقوات المسلَّحة بمدينة كادوجلي عاصمة الولاية تعرض خلالها عبد العزيز آدم الحلو رئيس الحركة الشعبيَّة بجنوب كردفان لإصابة بالغة، فيما قُتل عدد من المدنيين على أيدي الجيش الشعبي، والذي بدأ الهجوم على منطقة دلامي بـ1500 من القوات ضمنها قوات من حركة العدل والمساواة من دارفور.
وقد أعلن والي جنوب كردفان أحمد هارون استتباب الأمن وسيطرة القوات المسلحة على الأوضاع بكادوجلي، واتّهم تيارات في الحركة الشعبيَّة بالتآمر على السلام والمنطقة، وبتبني الهجوم على القوات المسلحة لإفشال اتفاقيَّة السلام.
وبجانب هذه التحركات المشبوهة لمنع الخرطوم من الالتفات لبناء مشروعها الإسلامي بعد انفصال الجنوب ظهرت تحركات غربية لدعم التمرد والتفتيت في ما تبقى من السودان بعد فصل الجنوب؛ حيث نجح الضغط الغربي في سنِّ قرار من مجلس الأمن بجلب أكثر من 7 آلاف جندي دولي لحماية دول الجنوب، والسعي لاستصدار قرارات مشابهة بنشر قوات دولية في دارفور وفي كردفان، خصوصًا بعد ما أعلنت الخرطوم أن القوات الدولية المنشورة في الخرطوم وعلى الحدود مع الجنوب سوف يتم اعتبارها غير رسمية ومطالبتها بمغادرة السودان، في حين أن الهدف الغربي هو أن تبقى هذه القوات الأجنبية على أرض السودان معوقًا لاستقلال الشمال وسيفًا على رقبته.
شمال السودان يواجه بالتالي مزيدًا من الضغوط على عكس ما هو متوقع بين السعي لمزيد من (الأسلمة) وتطبيق الشريعة بعدما استقل الشريك الجنوبي بدولته الانفصالية، ومؤامرات المزيد من التفتيت والشروع في فصل أقاليم جديدة عن السودان الموحد.
ولكن المؤكد مع هذا أن جنوب السودان بانفصاله سوف يجعل هم الحركة الإسلامية بالتالي منصبًًّا كليًًّا على دعم وتعزيز المشروع الإسلامي، الذي هو مسوغ وصولها للحكم ومسوغ بقائها وصمودها أمام المشكلات والمصاعب والعقبات الكثيرة والمتتالية، وإذا كان أعداء الجنوب أو أعداء العرب قد كسبوا جولة، فإن الحركة الإسلامية ترجو من الله ما لا يرجون، وتنتظر نصر الله في المستقبل بالرغم من أن حديث الأسلمة يحفز الغرب أكثر على حديث التفتيت!.