أمران متصلان ببعضهما سعت تل أبيب مؤخرًا لخداع الجانب المصري فيهما، أو التحايل والسعي للانحناء لرياح وعاصف الثورة المصرية التي انتقلت لسفارتها بالقاهرة:
(الأول) هو التقرير الكاذب الذي قدمته لمصر؛ لتفسير أسباب قتلها ستة من رجال الأمن المصريين على الحدود ورفضته مصر، وأصرت على التحقيق المشترك، والذي بموجب إدانة "إسرائيل" فيه تطالب مصر بتعديل اتفاق كامب ديفيد؛ للمطالبة بنشر المزيد من القوات المصرية في سيناء.
و(الثاني) هو المبادرة بقبول طلبات مصر العديدة لإدخال قوات مصرية (مؤقتًا) إلى سيناء للقضاء على العناصر الخارجة عن القانون هناك؛ باعتبار أن تأمين سيناء هو تأمين لمصالح "إسرائيل" أيضًا، وبالتالي تفويت الفرصة على المصريين المطالبين بتعديل (دائم) ومستمر لاتفاقية السلام المصرية مع الصهاينة 1978 المبنية على تفاهمات كامب ديفيد 1977.
فآخر أخبار التحقيقات في جريمة قتل الصهاينة لجنودنا على الحدود تشير إلى موافقة نتنياهو- بضغوط مصرية وأمريكية- على طلب مصر إجراء تحقيق مشترك في جريمة مقتل ستة من رجال الأمن المصريين على أيدي الجيش الصهيوني، بعدما ظلت ترفض وتعرض فقط إبلاغ مصر بنتائج تحقيق تجريه هي؛ حيث ذكر بيان لمكتب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو الخميس 25 أغسطس أن "إسرائيل مستعدة لإجراء تحقيق مشترك مع المصريين في هذا الحادث الصعب"، بعدما ظلت ترفض لمدة ثلاثة أيام طلب مصر إجراء تحقيق مشترك.
فمصر رفضت نتائج التحقيقات الصهيونية التي سلمها عمر إيشيل، رئيس هيئة الأركان العامة للتخطيط، للمسئولين المصريين؛ لأن التقرير الصهيوني تضمن سلسلة أكاذيب، منها: أن منفذي عملية إيلات كانوا يرتدون ملابس الجنود المصريين، وهو غير صحيح؛ لأنهم كانوا يرتدون ملابس سوداء عادية، ربما تشبه ملابس الشرطة السوداء، ولكنها ليست ملابس شرطة، كما أن التقرير الصهيوني وهو يسترسل في إيضاح كيف أن طائرات الصهاينة كانت تميز بين جنود الشرطة المصريين ومنفذي عملية إيلات- لتبرئة الصهاينة من تهمة تعمُّد قتل المصريين- اعترف ضمنًا بأنه كان بذلك يعرف الجنود المصريين ويعرف المهاجمين ومع هذا قتل الجميع!.
أيضًا من الأكاذيب الصهيونية التي جاءت في التقرير الذي تسلمته مصر أنهم زعموا أن لديهم لقطات مصورة بواسطة طائرات الهليكوبتر التي كانت تطارد منفذي هجمات إيلات، تبين حرصهم على عدم قصف المصريين في حين أن (علا) شقيقة الضباط الشهيد أحمد جلال كشفت أن شقيقها الشهيد قال لها قبل استشهاده بساعتين وهو يصرخ في التليفون: "ضربونا ضرب وحشي يا علا بدون سبب أو إنذار وبكلمهم على اللا سلكي وعارفين أنهم بيضربونا ومش بيردوا!!"، بخلاف أكذوبة أن من بين المهاجمين السبعة الذين قتلوهم ثلاثة مصريين ينتمون لجماعات جهادية برغم أن هذا الاعتراف يفضح مزاعمهم لضرب غزة وقتل 26 من أبنائها بدعاوى أن مقاومين من غزة هم من نفذوا العملية بالتسلسل إلى سيناء(!).. ولكنهم الآن يقولون إن من نفذوها مصريون، ناهيك عن الاعتراف الصهيوني الضمني في التقرير بأن الطائرات الصهيونية خرقت بالفعل حدودنا، وحلَّقت داخل الأراضي المصرية، وهو ما يخالف اتفاقية السلام بين مصر و"إسرائيل".
فتقرير الجيش الصهيوني الذي جرى تسليمه لمصر ذكر أن المروحيات الصهيونية حرصت على عدم ضرب سيارات الجيش المصري من طراز "جيب"، والتي كانت موجودةً في الموقع المصري المتاخم للحدود، كما اتضح من الفيلم الذي تم تصويره بكاميرات مثبتة في المروحيات "الإسرائيلية"، وأنها ركزت نيرانها على قناصة وصفها التقرير بـ"الخلايا الإرهابية"، وقال إن هؤلاء القناصة كانوا يطلقون نيرانهم على القوات "الإسرائيلية"، وإنه قبل دقائق من إطلاق المروحية للصاروخ الذي قتل الجنود المصريين أطلقت الخلية صاروخ "آر بي جي" على إحدى المروحيات "الإسرائيلية"، وتبعتها طلقات مدافعهم الرشاشة، وهم على بُعد أمتار قليلة من موقع القوات المصرية، وزعم التقرير أن القوات المصرية لاحظت وجود الإرهابيين على مقربة منهم، لكنهم لم يفعلوا شيئًا، وبعد فترة خرج أحد الضباط ومعه مجموعة من الجنود المصريين متجهين نحو هذه العناصر؛ حتى يتم وقف إطلاق النار، إلا أن الإرهابيين الذين كانوا يرتدون ملابس مشابهة لملابس الجنود المصريين رفضوا وقف إطلاق النار(!).
وبرَّر التقرير إطلاق الجيش الصهيوني للنار بأنه حدث اختلاط لدى الجنود الصهاينة، ما بين المجندين المصريين والإرهابيين؛ بسبب تشابه ألوان ملابسهم، ومن هنا أصيب الجنود المصريون بطلقات نيران الجيش "الإسرائيلي"، أو من طلقات نيران الإرهابيين، وأنه لكي يتم معرفة ذلك بدقة وتحديد من قام بإطلاق الرصاص المميت يجب أن يتم تشريح جثث الجنود الشهداء، لتحديد من المسئول عن قتلهم.
ومعروف أن "إسرائيل" سارعت باتهام مصر على لسان رئيس وزرائها "بنيامين نتانياهو" ورئيس دولتها "شيمون بيريز"، وطالب اللواء احتياط "عوزي ديان"، رئيس مجلس الأمن القومي "الإسرائيلي"، الجيش "الإسرائيلي" بدخول سيناء فورًا.
أما "إيهود باراك" وزير الدفاع فهرع للحدود وأمر بقتل منفذي العملية من مرتدي الملابس العسكرية المموهة الذين هاجموا موقعًا خاصًّا بشركة "إسرائيلية" تدعى: "ليونوبس العسكرية للسياحة" والتي يديرها ضباط سابقون بوحدات القوات الخاصة "الإسرائيلية" كانت تستأجر "موقع معسكر" قديمًا مهجورًا للجيش "الإسرائيلي" يطل على إيلات بالقرب من الحدود المصرية لأغراض ما يسمى السياحة العسكرية التي تتضمن تدريبهم على فنون القتال المميت.
الهروب من تعديل كامب ديفيد
وقد سعت تل أبيب لترتيب عملية هروب مبرمجة من المطالب الشعبية المصرية بتعديل اتفاق السلام المصري "الإسرائيلي" عبر اقتراحها وقبولها مطالب مصر إرسال قوات إضافية لسيناء قبل وبعد عملية إيلات؛ لأن الثورة المصرية مثلت حالةً ضاغطةً على تل أبيب، خشيت معها من تحول الثوار المصريين للضغط على المجلس العسكري من أجل إلغاء اتفاقية السلام أو تعديلها، خصوصًا بعد هجمات العريش التي قام بها خارجون عن القانون قيل إنهم من تنظيمات إسلامية متطرفة، وقيل إنهم عصابات مبرمجة، والتي أظهرت أن سيناء مهددة بحالة من الفوضى، يصعب تصور أن تنجح القوات القليلة الموجودة حاليًّا هناك خصوصًا في المنطقة (ج) على الحدود مع فلسطين المحتلة عام 1948 في التعامل معها.
ولهذا قبلت تل أبيب طلب المجلس العسكري مؤخرًا إدخال قوات مصرية من الجيش هذه المنطقة الحدودية لمطاردة هذه الفئات الخارجة عن القانون التي تهدد أمن مصر قبل أن تهدد أمن "إسرائيل"، وقيل إنها سمحت بإدخال فرقة مدرعة مصرية لا تضم دبابات وإنما مدرعات والسماح بتحليق بعض طائرات الهليكوبتر لكشف أماكن هؤلاء الهاربين من قبضة العدالة بعدما لجئوا إلى مناطق جبلية وعرة.
فقد قسمت سيناء من الناحية الأمنية بموجب اتفاقية السلام مع "إسرائيل" إلى ثلاث شرائح طولية سميت من الغرب إلى الشرق بالمناطق (أ) و(ب) و(ج) وهي:
المنطقة (أ) المنطقة المحصورة بين قناة السويس والخط (أ) المذكور عاليه بعرض 58 كم، وفيها سمح لمصر بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة تتكون من 22 ألف جندي مشاة مصري (كان يوجد 80 ألف جندي في سيناء عقب نصر أكتوبر تم سحب أغلبهم بعد الاتفاقية) مع تسليح يقتصر على 230 دبابة (كان يوجد لمصر قبل الاتفاقية الف دبابة هناك) و126 مدفعًا ميدانيًّا و126 مدفعًا مضادًّا للطائرات عيار 37 مم و480 مركبة.
ثم المنطقة (ب) وعرضها 109 كم الواقعة شرق المنطقة (أ) وتقتصر على 4000 جندي من سلاح حرس الحدود مع أسلحة خفيفة ثم المنطقة (ج) وعرضها 33 كم وتنحصر بين الحدود الدولية من الشرق والمنطقة (ب) من الغرب ولا يسمح فيها بأي تواجد للقوات المسلحة المصرية وتقتصر على قوات من الشرطة (البوليس) تقدَّر بـ750 جنديًّا وضابطًا، أضيف لهم عام 2005 عدد 750 جندي حرس حدود بموجب اتفاق فيلادلفي ويجري الحديث حاليًّا عن زيادة العدد إلى 4 آلاف جندي وضابط بدلاً من العدد الحالي الذي يقدَّر بحوالي ألفين.
وعلى العكس قيدت الاتفاقية "إسرائيل" في المنطقة (د) فقط التي تقع غرب الحدود الدولية وعرضها 3 كم فقط، بتحديد عدد القوات بـ4000 جندي حرس حدود دون حديث عن تقييد حجم تسليحها، ولذلك يستخدمون الطائرات والدبابات في هذه المنطقة بحرية، وأعلنوا مؤخرًا تسيير طائرات بدون طيار أيضًا في هذه المنطقة!.
ومنذ وقوع حادث العريش وما تلاه من عملية إيلات وهناك توافق مصري صهيوني على ضرورة تكثيف الأمن في المنطقة الحدودية ولكن المطروح "إسرائيليًّا" هناك هو فقط اتفاقات مؤقتة تسمح بموجبها "إسرائيل" بنشر قوات مصرية إضافية فوق ما هو محدد في اتفاق سلام 1978، ولكن دون تعديل اتفاق السلام نفسه أو بنوده كي يتسنَّى لهم مطالبة مصر بسحب هذه القوات في أي وقت، وقد أثيرت مؤخرًا أنباء عن أن مصر و"إسرائيل" اتفقتا مبدئيًّا على زيادة عدد القوات المصرية في منطقة سيناء، وأنه بعد مفاوضات متواصلة جرى التوصل إلى اتفاق مبدئي بين مصر و"إسرائيل" على نشر مزيد من القوات المصرية في منطقة سيناء دون تحديد حجم هذه القوات إعلاميًّا، وقبلها قالت مجلة "الإيكونوميست" يوم الجمعة 26 أغسطس إن وزير الدفاع "الإسرائيلي" إيهود باراك سيوافق على السماح لمصر بنشر آلاف الجنود في سيناء لتعزيز الإجراءات الأمنية بعد هجوم شنه مسلحون على الحدود، وأسفر عن سقوط قتلى، بيد أن مصدرًا عسكريًّا مسئولاً نفي صحة ما تناولته وكالات الأنباء، عن أنه تم اتفاق مبدئي بين مصر و"إسرائيل" على زيادة القوات في سيناء، وقال المصدر إن هذا الموضوع ما زال محل بحث وتفاوض؛ حيث يتطلَّب ذلك إجراءات كثيرة وتكلفة مالية عالية.
وأوضح المصدر أن زيادة القوات من ناحية الجانب المصري تصب في مصلحة العدو الصهيوني التي تعجز عن تأمين حدودها، والتي تم من خلالها تسلل بعض العناصر التي تعرف طبيعة هذه الأماكن وتعجز عن اختراق الحدود المصرية، مؤكدًا أن هذه العناصر نفَّذت من حدود الطرف الآخر "الإسرائيلي" لتنفيذ العمليات التي قامت بها داخل "إسرائيل".
والمشكل أن الصهاينة- كعادتهم- وظفوا وسائل الإعلام العالمية التي تنقل منها وسائلنا العربية؛ للتركيز على فكرة سماح "إسرائيل" لمصر بنشر قوات على أرضها في سيناء (!) بشكل مؤقت؛ لكي يجري إجهاض فكرة الحديث عن تعديل اتفاق السلام نفسه واختصاره في سماح مصر بنشر قوات مؤقتًا، في حين أن تعديل اتفاق السلام يستهدف ليس فقط نشر قوات مصرية في سيناء ولكن نشر السيادة المصرية على سيناء ونفض التدخل الصهيوني- عبر الاتفاقية- في تحديد سياسة مصر الخارجية ومن تصادق ومن تعادي؛ بدعاوى أن هذا يتعارض مع اتفاقية السلام!.
فقد وصل الأمر بهذه الاتفاقية ليس فقط للتدخل في شئون مصر الداخلية بمنع من يعارضون الصهاينة في الداخل من طرح وجهات نظر تتعلق بإعادة النظر في الاتفاقية أو عقاب الصهاينة على تجاوزاتها، ولكن امتد الأمر للتدخل في سياسات مصر الداخلية عبر إشراكها فيما يسمَّى عمليات مكافحة الإرهاب في العالم أو توريطها في حرب الخليج بما خدم المصالح "الإسرائيلي" في تحييد القوة العسكرية العراقية من معادلة الصراع العربي الصهيوني، كما وضع قيدًا على عودة العلاقات الطبيعة بين مصر وإيران، وساهم في أن تلعب مصر دورًا في خنق غزة وحصارها، وأنتج لنا جيلاً من المهزومين والعملاء، يزعمون أن غزة أو حماس أو حتى إيران هي العدو الإستراتيجي الأول لمصر وليس العدو الصهيوني، وهو ما يجب أن يتغير وتعود الأمور لمسمياتها؛ فـ"إسرائيل" هي عدو مصر والعرب والمسلمين الأول.. وستظل.