الصومال بتعقيداته وتشابكاته وتقلباته السريعة أضحى ساحةً لتدخلات عسكرية ومسرحًا تستعرض عليه دول الجوار الإقليمي عضلاتها العسكرية والسياسية، غير آبهة بالمرارة التي طالما تجرعها الشعب الصومالي رغمًا عن أنفه ردحًا من الزمن، فالضربات الجوية تروِّع أهالي الجنوب، فضلاً عن خسائر بشرية ومادية تلاحق بالصوماليين الذين بدءوا بالأمس ينفضون آثار المجاعة ويلملمون أوضاعهم الإنسانية القاسية جدًّا.

 

فقبل أيام قليلة فاجأتنا صحيفة "إندبندنت" البريطانية بخبر تداولته الصحف العالمية على وتيرة متسارعة، وأصبح مادة دسمة يتناولها الإعلام المحلي بشكل منقطع النظير؛ حيث كان مفاده أن بريطانيا تعتزم الدخول إلى متاهات الأزمة الصومالية؛ لدعم الحكومة الانتقالية بكل ما لديها من قوة عسكرية وسياسية حذقة؛ للتغلب على عناصر حركة الشباب، وهو أمر استغربته الأوساط الصومالية في مغزى التدخل البريطاني الجديد للشأن الصومالي بعد صمت دام عقودًا من الزمن.

 

البعض يوهم أن الانتصار البريطاني ووقفتها إلى جانب ثوار ليبيا لإسقاط نظام معمر القدافي المخلوع، سيكون حليفًا للسياسة البريطانية الجديدة تجاه لملمة الجرح الصومالي، لكن ما نختزل في الذاكرة يشير عكس ذلك، وبما أن سياسة بريطانيا الراهنة لن يكتب لها النجاح- لأن ما تريده لن يخدم المصلحة الصومالية- فسياستها هي تجزئة الصومال وجعله قرنًا منهكًا وكعكةً قابلةً لعملية التقسيم المزدوجة  بين الغرب والجوار الإقليمي، سواء في الخفاء أو في العلن.

 

السياسة الكينية تجاه الأزمة الصومالية تنبع من الإرث الاستعماري البريطاني، التي بدأت بالوقوف إلى جانب مستعمرتها في شرق إفريقيا التي تحظى اليوم باهمتمام دولي وزخم عالمي، فبريطانيا تدخل الصومال؛ كي تكون بمثابة طوق نجاة لكينيا التي رمت بنفسها وسط أرض موحلة بتعقيدات وأزمات سيياسية وإنسانية، فالخروج من الصومال المضظرب ليس بالأمر اليسير؛ فهل يا ترى تنجح عملية الحبل البريطاني المدود لكينيا للخروج من النفق المظلم؟!

 

فبريطانيا تحرص كل الحرص على نجاة مستعمرتها الكينية من منزلق الفوضى الأمنية والسياسية التي بدأت تنهش اقتصاديات كينيا بعد مغامرتها وغزوها للصومال في منتصف أكتوبر الماضي؛ فالتفجيرات التي بدأت تهز المدن الواقعة شمال كينيا دليل على بداية حلقة دموية جديدة في العمق الكيني.. فنيروبي أمامها خياران: إما أن تتراجع عن سياستها التوسعية الراهنة على حساب القطر الصومالي المتآكل، وتراجع سياستها من أجل تدارك الأمر والمأزق الذي تترنح فيه حاليًّا أو إما أن تواصل سياستها العسكرية تجاه حركة الشباب، وتصبح خصمًا لدودًا معها، وألا تندم لما سيحمل لها العام القادم من تداعيات مغامرة دخولها إلى الصومال.

 

مبررات واهية

الهجمة الغربية الشرسة تجاه القرن الإفريقي تخرج مبرراتها في سياق التهمة التي روَّجها الإعلام الغربي وصاغتها أمريكا لاستباحة أجزاء من الوطن العربي وأخرى من العالم الإسلامي، وهو (الإرهاب)؛ الذي تتخذه كينيا وبريطانيا مبررًا لسياستهما نحو الصومال، هذا بالإضافة إلى وجود مبرر القرصنة الذي أعطاه الإعلام الغربي زخمًا واهتمامًا عالميين؛ لأن صوماليين بسطاء قد تنقصهم الخبرة والمؤن العسكرية البحرية ويصطادون فرائسهم بزوارق محلية الصنع أضحَوا ينشطون في أعمالهم المخالفة للقانون الدولي في عُرض البحر أكثر من أي وقت مضى.

 

واللافت في الأمر أن القرصنة التي لم تكن ظاهرة قبل بضع سنوات تحولت اليوم إلى شبكات ومجموعات لها مكاتبها السرية وأنظمتها في دول العالم، بدءًا من بريطانيا، وهي التي تزعم أنها تكافح القرصنة وأرسلت غواصاتها وسفنها البحرية إلى السواحل الصومالية، مرورًا بـ"دبي" وصولاً إلى مراكزها الفعلية في شمال الصومال؛ فالسؤال الذي يطرحه العديد من المحللين هو: من أعطى القرصنة تلك القوة والخبرة في مواصلة نشاطها القرصني لاختطاف البشر والسفن على حدٍ سواء؟!

 

كما أنني أتساءل باستغراب شديد: كيف يمكن للقرصنة أن تهدد الأمن القومي البريطاني وتخلق زوبعة في نفوس الإدارة البريطانية الحالية، وفي مقدمتها حكومة كامرون؛ التي أرسلت عددًا من سفنها البحرية إلى الصومال؛ بغية كبح جماح القراصنة أو تخفيف هجماتها على السفن التي يرفرف فوقها العَلم البريطاني؛ علمًا أن القراصنة الصومالية لا توسع نطاق عملياتها إلا في حدود المحيط الهندي والبحار المحيطة به؛ فأنَّى لقراصنة صوماليين يضيقون الخناق على السفن البريطانية ذات الطابع التجاري؟!

 

وعلاوةً على ذلك سنحت بريطانيا لشركاتها التجارية فرصة أن تزوِّد سفنها بمختلف أنماط الأسلحة للدفاع عن أنفسها وحماية ممتلكاتها من قبضة القراصنة الصوماليين، فالتساؤل المشروع هنا: لمن تقاتل تلك السفن البريطانية المزودة بالأسلحة الحديثة؟ الصوماليون البسطاء في عرض البحر (صيادو الأسماك) أم القراصنة البحرية؟!

 

الاستنتاج الذي يصل إليه كل باحث في منتهى صدد الحديث عن هذا الموضوع هو أن المبرر الغربي نحو القضاء على القرصنة مبرر مصنوع أولاً، وثانيًا هو مبرر يحمل ماركة غربية؛ وذلك لاستغلال ثروات الوطن الصومالي الكامنة في أعماق السواحل الصومالية، فتلك السفن التي نراها من الفضائيات وهي ممدودة في عُرض المحيط الهندي ليست تعمل إلا تجريفًا للسواحل الصومالية من خيراته الوفيرة التي لا تعد ولا تحصى، أضف إلى ذلك، جلب أطنان من الكيماويات التي تهدد حياة الإنسان إلى الصومال، وذفن مخلّفاتها في السواحل الصومالية؛ ليدفع البشر هناك ثمنًا باهظًا للنجاة بحياته من خطر الإشعاع النووي الصادر من تلك الحاويات المبعثرة على طول السواحل الصومالية، وعلى الأخص في الضلع الشرقي من البلاد.

 

توجس بريطاني

أما خطر حركة الشباب المجاهدين.. تلك التي تقف وراء هجمات وتفجيرات أزهقت أرواح الكثيرين ومن ضمنهم صوماليون ليسوا في العير ولا في النفير في العداء المتواصل بين حكومة شريف أحمد والشباب المجاهدين، فضلاً عن تفجيرات حملت بعدًا دوليًّا وتوسعًا إقليميًّا لعمليات حركة الشباب، هزت عام 2010 في كمبالا، وهي تفجيرات تبنت حركة الشباب مسئوليتها، أضف إلى ذلك التفجير الأخير الذي استهدف مجمعًا في نيجيريا؛ حيث سرِّبت معلومات بأن حركة الشباب هي من وراء هذا التفجير.

 

ورغم الخطر الذي تبديه بريطانيا وتوجسها من إمكانية تصدير  تفجيرات ارهابية من الصومال إلى قلب (عاصمة الضباب)؛ فإن ذلك الخوف البريطاني ليس في محله، بل إنه من صميم سياسة بريطانية لاستباحة أجزاء من الصومال، وخاصة تلك التي أدمنتها فواجع الحرب والتفجيرات لفترة من الزمن، وهي نفس السياسة التي غزتها أمريكا لـ"العراق" وجعلته قطرًا تتجاذب فيه القوى المتصارعة في الهيمة على زمام منطقة الشرق الأوسط، فتراه يخضع لسياسات خارجية أوصلت الأزمة السياسية في العراق إلى أوج قمتها ومن حيث لارجعة فيها.

 

وأيًّا كان المصير للصومال، فإن الاصطياد العكر للغرب في البيدر الصومالي أو بالأحرى السياسة الطامعية لبريطانيا وأمريكا في مستنقع الخراب الصومالي تتجذَّر نحو السيطرة على المنطقة التي يطلق عليها "الحزام الأمني" للعرب، أو جعله إقليمًا يخضع للعجرفة الصهيونية، وهو ما سيبعث في المستقبل قلقًا لدى قادة دول شرق الأوسط، وهذا في وقت لا يستطيعون تدارك الأمر، وانتهت الأمور لصالح الصهاينة.

 

فإذا أراد الغرب أن يصحح سياسته تجاه الصومال فعليه أن يتخلَّى أولاً عن سياسة "التفتيت الناعم" التي بدأت تنطبق على أرض الواقع أكثر من ذي قبل، وأن يعيد حساباته وسياساته تجاه الصومال؛ فأي مكر وعداء آخر يدبِّره الغرب للصومال لن يجدي نفعًا سوى مزيد من الخراب وبحور من الدماء.