في البداية أعتذر عن عدم الكتابة في هذا الموضوع منذ مجزرة بورسعيد وحتى اليوم، والله وحده يعلم أنني أخرتها بناءً على طلب من زودني بالمعلومات فيها، والذي طالبني بعدم كتابتها إلا إذا آن أوانها وبما أن الموضوع وصل لحد القتل وسفك الدماء البريئة بدون ذنب فقد آن أوانها.

 

فهذه شهادتي الواجبة في حق الرائد فادي سيف الضابط بإدارة مرور بورسعيد والذي استشهد على يد عدد من المجهولين الذي أجزم بأن جموع البورسعيديين يعرفونهم عن ظهر قلب.

 

بدأ تعارفي بالشهيد بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير ومع بداية عملي كمراسل تلفزيوني لقناة مصر ٢٥ بالمدينة الباسلة فذهبت إلى مديرية أمن بورسعيد لأجد في استقبالي كل من الرائد فادي سيف والرائد مؤمن السباعي مديرًا مكتب مدير الأمن في ذلك الوقت اللواء سامي الروبي رحمه الله، والذي كان يشغل مؤخرًا منصب مساعد وزير الداخلية لشئون الأفراد.

 

جاءت البداية مع الشهيد الرائد فادي سيف فاترة بعض الشيء في ظل حالة من التجاوب المحدود من زميله الرائد مؤمن السباعي الذي كان هو المدير الأول لمكتب مدير الأمن ومن وقتها بدأ التواصل شبه اليومي بين الشخصيتين وبيني، ولمست من الرائد فادي سيف رحمه الله حبًّا لعمله وتفانيًا فيه بصورة كبيرة ولا ينشغل بأي شيء سوي عمله ولا يحكمه في عمله سوى العمل والعمل فقط وكانت المشاعر بعيدة كل البعد عن عمله وعلاقته بمن يتردد على مكتبه هي إنجاز العمل.

 

مرت الأيام سريعًا وبات التعامل بيني وبين الرائد فادي سيف يزداد يوميًّا إلى أن جاء خبر رحيل اللواء سامي الروبي عن الإدارة الأمنية بالمدينة الباسلة لأفاجأ بهذا الأمر وذهبت إلى مبنى المديرية وعرفت من الرائد فادي والرائد مؤمن بأنه قدم هذا الطلب نظرًا لحالته الصحية السيئة، وكان هذا النقل قبل مذبحة إستاد بورسعيد بحوالي ٨ أيام فقط وبعدها ترقى اللواء سامي الروبي داخل أروقة الوزارة بشكل كبير حتى وصل إلى منصب مساعد وزرير الداخلية لشئون الأفراد ورئيس النادي العام لضباط الشرطة، وفاز بهذا المنصب باكتساح في أول انتخابات للنادي، فتساءلت في نفسي: أين ذهبت الحالة الصحية السيئة لللواء سامي الروبي والتي على إثرها ترك الإدارة الأمنية ببورسعيد ليذهب بعد ذلك إلى مناصب أصعب من ذلك بكثير.

 

لتأتي مجزرة بورسعيد، ويتبين للجميع أن اللواء سامي الروبي رحمه الله قد رفض أن تحدث المجزرة المدبرة في عهده وبعلاقاته داخل أروقة الوزارة استطاع الرجل أن يترك منصبه قبل المجزرة بأسبوع وذهب إلى الوزارة ليأتي بعده اللواء عصام سمك مدير أمن بورسعيد الذي حدثت المجزرة في عهده وبعد أسبوع فقط من توليه المنصب وكأنه جاء إلى المدينة الباسلة لينفذ المذبحة فقط!!.

 

وكعادتي ذهبت إلى مبنى المديرية ورفض الرجل كثيرًا أن يقابلني أو حتى يتعرف على فسألت أحد الزملاء والذي تربطه علاقة قوية بضباط الأمن عن هذ الرجل الغامض عصام سمك فكان الجواب: "هذا الرجل فيه برج من دماغه ضارب "والسؤال الآن: لماذا يأتون إلى المدنية الباسلة بمدير أمن دماغه ضارب وقبل أسبوع فقط من المذبحة مع العلم أن المبارة الأولى بين النادي الأهلي والنادي المصري التى كانت في عهد اللواء سامي الروبي، ومع وجود مؤشرات بحدوث احتكاكات بين جماهير الفريقين قرر الروبي إعادة جماهير النادي الأهلي إلى القاهرة وبدون أن يحضروا الماتش الذي أتوا من أجله فماذا فعل سمك في هذه المباراة المهمة؟!

 

كالعادة قبل أي قبل أي مباراة يحدث اجتماع داخل مديرية الأمن لمتابعة الحالة الأمنية والاستعدادات لهذه المباراة فما بالك لو كانت هذه المباراة خاصة بالنادي الأهلي الذي يرتبط ذهنيا مع أهالي بورسعيد بصورة سلبية وسيئة وحدث الاجتماع بحضور مدير الأمن والحكمدار ومدير المباحث وقائد الأمن المركزي، وبحضور الرائدين فادي سيف رحمه الله والرائد مؤمن السباعي، وانتهى الاجتماع إلى خطة لم ينفذ منها إلا القليل وذهب سمك لمعاينة إستاد بورسعيد الرئيسي الذي ستقام فيه المباراة ويطالب الأمن بلحام جميع الأبواب المؤدية إلى المدرجات التي سيجلس فيها جماهير النادي الأهلي ليقابل بمعارضة من قبل إدارة النادي، ولكنه أصر على هذا الأمر وبالفعل تم لحام جميع الأبواب التي من الممكن أن تكون مخرجًا لجماهير النادي الأهلي إذا حدثت أي مشكلات من طرف جماهير النادي المصري.

 

وجاء يوم المباراة وغابت قوات الجيش التي كانت تؤمن الإستاد غابت الحراسة حول الإستاد والحراسة حول الإستاد يعرفها جميع البورسعيدية، فلا أحد يمر بسيارته بجوار النادي لمسافة كيلو متر مربع حوله من جميع الجهات وفي هذا اليوم كان الأطفال يلعبون على عربة البث التليفزيوني بجوار مدرجات جماهير الأهلي.

 

وحدثت المجزرة بكل تفاصيلها التي بات يعرفها جميع المصريين، والتي ربما أحكي المزيد عنها خلال الأيام القادمة، وجاءت المحاكمة سريعًا لخمسة عشر قيادة أمنية اتهمت بالتآمر والقتل العامد خرجت جميعها براءة باستثناء مدير الأمن ورئيس قوات الأمن المركزي وتم قبول الاستئناف على الحكم مؤخرًا كبداية لوصولهم إلى البراءة ورحم الله من مات.

 

وأثناء المحاكمة قدم كلٌّ من الشهيد فادي سيف والرائد مؤمن السباعي شهادتهما حول الاجتماع الذي تم، وأن مدير الأمن لم يتخذ الإجراءات الكافية للتأمين، فقام سمك بتكذيبهما وقال إنهما أبلغاه بأن المباراة مجرد مباراة ودية دليل علي المحبة، وكأنه لا يعرف ماذا يحدث بين النادي الأهلي والمصري في كل المباريات وكل المصريين بات يعرف.

 

المهم أتى بعد عصام سمك على رأس الإدارة الأمنية لبورسعيد اللواء سامح رضوان، وهذا الرجل له ملف فساد وقضية كانت لا تزال منظورة أمام المحاكم في هذا الوقت؛ حيث كان المذكور يرأس قسم المباحث لقطاع غرب الدلتا، وقام بحبس الضباط والرتب الأقل في مديرية أمن الغربية لكي يقوموا بالتزوير في انتخابات ٢٠١٠ ويعلّموا على الهلال والجمل في هذا الوقت، ثم ذهب رضوان ليتولى حكمدار محافظة الشرقية وأخيرًا مديرًا لأمن بورسعيد وكان أول قرار اتخذه رضوان هو ابعاد الرائد الشهيد فادي سيف عن المكتب مع الإبقاء على زميله مؤمن السباعي، والذي كان أيضًا شاهدًا أساسيًّا في هذه القضية.

 

وتم نقل فادي سيف إلى إدارة المرور وتعرض من بعد هذا النقل لمحاولتين لاغتياله إلى أن حدثت الفاجعة أمس واستشهد على يد مجموعة من الخونة أحسبهم ممن تآمروا على بلدنا لقتل أي شريف فيها وأي فرد قد يحاول أن يقول كلمة حق في وجه ظالم لم ينظر للآلاف من الآهالي وهم ينتظرون جثث ذويهم في قطار بوسعيد القاهر، وبالتالي بات الحكم في قضية مجزرة بورسعيد معروفًا للجميع بعد أن مات الشاهد الرئيسي على تآمر العسكر على قتل المصريين، وبات مصيره هو الجزاء الأوفى لمن يحاول أن يقول قولة حق في وجه ظالم متجبر قاتل.

 

هنا أنتهي من سرد سريع لعلاقتي بالرائد فادي سيف، وربما يكون مع الأيام تفاضيل أكثر تكشف حجم المؤامرة التي تمت بليل لقتل المصريين.