نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريرًا، تحدث فيه عن نظرة المسؤول عن مراقبة قوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا، ديفيد أندرسون، لمفهوم الإرهاب، وإعادة تعريفه، خاصة في ظل اختلاط هذا المفهوم عند عامة الناس.


وقال الموقع في تقريره الذي ترجمته "عربي21" إن السياسيين في جميع دول العالم يسعون لإقناع مجتمعاتهم بأن الإرهاب هو شكل فريد وخاص من الجرائم، ولذلك عمدوا إلى إدراجه في فئة "الشر السيكوباتي"، الذي يتميز المصنفون ضمنه بقدرة على ارتكاب أفعال لاإنسانية.


علاوة على ذلك، يضع السياسيون الإرهاب في خانة غير قابلة للتفاوض ولا حتى التسوية، ويعتبرونه أخطر معضلة تواجهها الإنسانية في عصرنا.


وذكر كاتب التقرير بيتر أوبورن أن هذه المحاولات البائسة ليست إلا خطة محكمة من قبل السياسيين بغية الحصول على صلاحيات خاصة، وضخ المزيد من المبالغ الضخمة في مكافحة التهديدات الإرهابية، فضلاً عن تحقيق مصالحهم الأمنية والدفاعية.


في المقابل، وفي خضمّ هذا السرد السياسي، هناك بعض المفاهيم التي تم طرحها ومناقشتها، بيد أن أغلبها لم تفهم، نظرًا لأنها افتقرت للوضوح. وبالتالي، وظف السياسيون مفهومهم الخاص للإرهاب لخدمة أجنداتهم السياسية.


ونوه أوبورن المعلق البريطاني المعروف إلى أن التعريف الفضفاض والغامض للإرهاب صعب على عامة الناس فهم المعنى الصحيح لهذا المصطلح.
فعلى سبيل المثال، في مصر والسعودية ومعظم دول الخليج عامة، أي حزب سياسي يدعو إلى التغيير الديمقراطي السلمي يتم تصنيفه على أنه "إرهابي".


بيد أنه، في بريطانيا، تم إعادة تشكيل هذا المفهوم حتى لا يتم استعماله فقط للإشارة إلى أعمال العنف، بل أيضًا إلى الأشخاص الذين يحملون أفكارا يمكن أن تهدد بريطانيا، والقيم التي تأسست عليها.


وذكر الموقع البريطاني أن مصطلح الإرهاب اخترع على أعقاب الثورة الفرنسية، التي ساهمت في الإطاحة بسلالة بوربون في سنة 1793، التي قدمت مقاليد الحكم على طبق من ذهب لجماعة أكثر تطرفا وراديكالية.


وفي بادئ الأمر، كان مصطلح الإرهاب يعتمد للإشارة إلى السياسات المعتمدة، وليس للمنظمات أو الجماعات المتمردة.


ومن هذا المنطلق، عرف "أكسفورد" هذا المصطلح على أنه "صفة تميز الحكومة التي تقوم بتخويف الناس ليخضعوا للتوجهات التي وضعها الحزب الحاكم".


وأشار الموقع إلى أن مصطلح الإرهاب في معناه الأصلي هو استخدام الحكومة للعنف لأغراض سياسية ضد أعدائها المحليين. وهذا التعريف يتماشى مع التعريف الذي وضعه أكسفورد.


الجدير بالذكر أن هذا المصطلح قد اختفى بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى لنحو نصف قرن.


 وسلط الموقع الضوء على التعريف الذي وضعه جورج أورويل، الذي وصف الجيش الفرنسي ومعارضيه الشيوعيين خلال الحرب الأهلية الإسبانية بالإرهابين.
ومن المثير للسخرية، أنه وبموجب القانون البريطاني المعاصر، يمكن اعتبار أورويل إرهابيًا، إذ إنه حارب مليشيا الأناركي في الحرب الأهلية.


وأورد الموقع أن هذا المصطلح عاد للظهور في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهذه المرة كان مرتبطا إلى حد كبير مع الجماعات القومية، وعلى رأسها الجيش الجمهوري الإيرلندي، ومنظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة إيتا.


وفي الوقت ذاته، أسهم تنامي الخوف من الإرهاب في تغيير القوانين في بريطانيا مرارًا وتكرارًا.

 
وأكد الموقع على أن القادة الدول الغربية لم يعتبروا الإرهاب تهديدًا حقيقيًا، إلا في أعقاب هجوم تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في 11 أيلول/ سبتمبر 2001.


وفي المملكة المتحدة، تم سن قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب، على غرار قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن العام 2001، وقانون مكافحة الإرهاب سنة 2008.


ديفيد أندرسون


وأفاد الموقع بأن ديفيد أندرسون كان يفتقر للخبرة اللازمة عندما تسلم مهمة مسؤول عن مراقبة قوانين مكافحة الإرهاب في شباط/ فبراير 2011.
وعلى الرغم من ذلك، فقد أعطى أندرسون نفسا جديدا لمهمة مراقبة قوانين مكافحة الإرهاب على خلاف سلفه أليكس كارلايل، إذ اعتمد سياسة جديدة تقوم بالأساس على تقصي الحقائق، والعمل ليس فقط لفائدة أجهزة المخابرات بل من أجل الجميع.


وفي هذا الصدد، بين أندرسون أن الإرهاب من الممكن أن يكون السمة التي تميز القادة السياسيين، وأعضاء النيابة العامة، والصحفيين، والمحامين والناشطين، وهو ما من شأنه أن يضخم ميزانيات الأجهزة العسكرية والاستخباراتية.


وذكر كاتب التقرير أوبورن أن أندرسون قد حذر باستمرار من خطر استخدام شبح الإرهاب لقمع الاحتجاجات الاجتماعية، فضلاً عن اعتقال أشخاص بتهمة الإرهاب نظرا لدينهم فقط، على الرغم من أنهم لا يملكون أي نوايا مبيتة لارتكاب جرائم تتسم بالعنف.


وفي السياق ذاته، أورد الموقع قضية ديفيد ميراندا، الذي اعتقل سنة 2013، في مطار لندن هيثرو، بموجب المادة 7 من قانون الإرهاب لسنة 2000.
وأوضح الموقع أن وظيفة المراقب الاستخباراتي تعود إلى أكثر من 40 سنة، وذلك منذ تمرير قانون الوقاية من الإرهاب والمصادقة عليه، في أعقاب تفجيرات حانة برمنغهام، في سنة 1974.


وعلى خلفية تلك الأحداث، أعلن وزير الداخلية البريطاني، "ميرفيين رييس" عن إنشاء مراقبين مستقلين للتشريع.

وتجدر الإشارة إلى أنه من المقرر أن يتنحى أندرسون قريبًا من منصبه، لكنه سيغادر محملاً بخيبة أمل كبيرة، نظرا لأن العديد من الوزراء قد تجاهلوا بصفة مستمرة توصياته المتعلقة بطرق الحد من نطاق الأعمال الإرهابية.


وبين الموقع أن الحكومة البريطانية لا تزال تعتمد الاستراتيجية الردعية ذاتها ضد الإرهاب، متغاضية عن توصيات وانتقادات أندرسون.


ومن المثير للسخرية، أن الحكومات تتجنب دائما ارتكاب جرائم إرهابية، إلا أنها لا تتوان عن إزهاق أرواح العديد من المدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أغراضها السياسية.


وامتدح الموقع ديفيد أندرسون واصفا إياه بأنه كان "صوت العقل" و"مدافعا شرسا من أجل خدمة العديد من الأهداف النبيلة طوال الست السنوات التي شغل فيها منصب المسؤول عن مراقبة قوانين مكافحة الإرهاب".


وختم بالقول: "كان يتسم أندرسون بوضوح فكري، وشجاعة أدبية منقطعة النظير، ونظرة استشرافية ثاقبة، فضلا عن أنه كان محل ثقة جميع الأطراف البارزين، على الساحة السياسية البريطانية".