في مشهدٍ تختلط فيه أصوات التكبير بأزيز الطائرات، ويعانق فيه الدعاءُ رائحة الركام، استقبل أهالي قطاع غزة ليالي شهر رمضان بإقامة صلاتي العشاء والتراويح فوق أنقاض مساجدهم المدمّرة، وداخل مصلّيات مؤقتة شُيّدت من النايلون والأخشاب.
لم يكن المشهد اعتياديًا، بل بدا كرسالةٍ حيّة بأن شعيرة الصلاة ستظل قائمة، مهما اشتدّت وطأة الحرب ومهما اتّسع حجم الخراب.
وعلى امتداد القطاع، حيث طال القصف مئات المساجد خلال الحرب الأخيرة، نصب المواطنون خيامًا بسيطة وحوّلوها إلى فضاءاتٍ للعبادة، بينما اختار آخرون الصلاة في الأجزاء المتبقية من مساجد تضرّرت جزئيًا.
وبينما كانت طائرات الاستطلاع تحلّق في الأجواء، اصطفّ المصلّون بخشوع، رافعين أكفّهم بالدعاء لتفريج الكرب ووقف المعاناة وتحسين الأوضاع المعيشية.
أرقام الدمار… وعودة الصوت من بين الركام
وتشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن مئات المساجد تعرّضت لتدمير كلي أو جزئي خلال الحرب، في حين يؤكد المدير العام لوزارة الأوقاف في غزة، أنور أبو شاويش، أن الاستهداف طال نحو 93% من مساجد القطاع.
ويوضح في تصريح له أن من أصل 1244 مسجدًا، جرى استهداف نحو 1160 مسجدًا بين تدمير كلي وجزئي، بينها 909 مساجد سُوّيت بالأرض بالكامل، فيما لحقت أضرار جسيمة بـ251 مسجدًا جعلتها غير صالحة للاستخدام.
ويضيف أبو شاويش أن الاستهداف لم يقتصر على المباني، بل طال الأئمة والدعاة والعلماء، حيث استشهد أكثر من 330 من موظفي الوزارة ودعاتها وأئمتها، بينهم 233 من الخطباء والوعاظ والمحفّظين، فيما لا يزال 27 موظفًا رهن الاعتقال.
كما طالت الغارات مساجد ومصليات على رؤوس المصلين، بينها مصلى مدرسة التابعين، إضافة إلى مساجد أثرية بارزة، على رأسها المسجد العمري الكبير في مدينة غزة.
وبرغم ذلك، يؤكد أبو شاويش أن وزارة الأوقاف، بالتعاون مع مؤسسات شرعية وأهل خير، أنشأت أكثر من 500 مصلى مؤقت في مختلف أنحاء القطاع، خاصة داخل مخيمات النزوح، لضمان استمرار رفع الأذان وإقامة الصلوات وحلقات تحفيظ القرآن.
ويشدّد على أن "المسجد رسالة قبل أن يكون بناءً"، وأن الصلاة ستبقى قائمة مهما اشتدّ الدمار.
المسجد العمري… عودة إلى المكان رغم الخراب
في مدينة غزة، اعتاد خالد مقداد (37 عامًا) أن يقطع مسافة طويلة ليؤدي صلاة التراويح في المسجد العمري الأثري.
ورغم ما أصابه من دمار، عاد إليه في أولى ليالي رمضان، يقول: "لقد فقدنا هذه النعمة خلال العامين الماضيين، واليوم نعود لإقامة الصلاة في المسجد برغم الخراب الكبير".
ويضيف أن تدمير المساجد كان يهدف – برأيه – إلى حرمان الناس من إقامة شعائرهم، "لكننا مصرّون على تحدّي ذلك، وسنقيم شعائرنا حتى فوق الأنقاض، ولن نُبعد عن ديننا الذي هو مصدر قوتنا وثباتنا".
صلاة على الأنقاض… والروح تعود
في وسط المدينة، وقف الإمام راغد لبيب يؤمّ المصلين في مسجد أبو خضرة، أو ما تبقى منه، بعد أن أقام الأهالي مصلى من معرشات النايلون والأخشاب مكان المسجد الذي دُمّر كليًا.
يقول إن رمضان هذا العام "مختلف تمامًا"، لأن إقامة التراويح جماعة أعادت شيئًا من الروح، ومنحت الناس فرصة للقاء الجيران والأصدقاء بعد شهور طويلة من التشتت.
ويؤكد أن القصف طال المسجد أكثر من مرة قبل أن يُدمّر بالكامل، لكن الأهالي أعادوا بناء مساحة للصلاة بأدوات بسيطة، لتبقى الصلوات الخمس قائمة، خاصة الفجر والتراويح.
ويعرب عن حزنه لفقدان كثير من المصلين الذين استشهدوا خلال الحرب، لكنه يشدد على أن "جيلاً يورثه جيل"، وأن كسر الإرادة ليس أمرًا ممكنًا.
فرحة منقوصة… بين الخيام والذكريات
في حي الأمل بخان يونس أدى المصلّون صلاة التراويح داخل بقايا مسجد الرحمة، الذي دُمّر جزء كبير منه. امتلأ المصلى المؤقت بالمصلين بعد عامين من الحرمان، في مشهدٍ أعاد بعضًا من ملامح رمضان الغائبة.
الحاج محمد دبور (65 عامًا) يقول إنه اعتاد أداء التراويح لعقود في المسجد نفسه، حيث كان يجد راحةً وأجواءً إيمانية خاصة، لكن العامين الماضيين حملاه على فقدان هذا الشعور. ويضيف: "الحمد لله عدنا للصلاة رغم الدمار وفقدان الكثير من المصلين والأئمة"، معربًا عن أمله في إعادة إعمار المسجد قريبًا، ومؤكدًا أن الإيمان لم يتزحزح رغم كل شيء.
ويحلّ رمضان هذا العام على نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.3 مليون نسمة في القطاع، يعيش معظمهم في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط نقص في الغذاء ومواد الإيواء والمساعدات، واستمرار تسجيل خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار. ورغم الهدوء النسبي مقارنة بذروة الحرب، فإن غياب الزينة الرمضانية، وموائد الإفطار الجماعية، وازدحام الأسواق، جعل الفرحة منقوصة لدى عائلات ما زالت تتجرع مرارة الفقد.