{ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله }من سورة القرة الآية (197)  .

زاد الحج زاد مكثف وفير، يكرم الله به زوار بيته الحرام، فالفيوضات الربانية في أثناء فترة الحج، وفى الأماكن المقدسة، وعند أداء هذه الشعائر فيوضات غامرة من النور و الهداية والتقوى والرحمة والسكينة، خاصة إذا كان جهاز الاستقبال وهو قلب الحاج سليماً نقياً نظيفاًَ مخلصاً الوجهة لله، فالمشاعر الوجدانية التى تتملك الحاج قبل سفره من رغبة ملحة وشوق كبير لأداء فريضة الحج وزيارة بيت الله الحرام وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتى تزداد أثناء السفر ، ثم اللحظات التى يقع فيها البصر لأول مرة على الكعبة المشرفة، ما أعظمها وأروعها من لحظات فكأن شِحنة روحية تدفقت على القلب الحاج فملأته خشية وخشوعاً لله، وتعظيماً ومهابة لبيت الله الحرام، وعند استلام الحجر الأسعد يمين الله فى الأرض، وعند الوقوف بأعتاب الكعبة عند الملتزم حيث تسيل العبرات وتذرف دموع الخشية والضراعة والتوبة والندم ، وهناك أيضاً على عرفات الله وعلى جبل الرحمة فيض غامر ، الجميع فى صعيد واحد يجأرون إلى الله بالدعاء وقد أتوا من كل فجٍ عميق، والحج عرفة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكون إكرام الله لزوار بيته فلا يردهم خائبين، فيقبل توبة التائبين واستغفار المستغفرين ودعاء الداعين، وتتنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتغمر قلوبهم بنور الله وتقوى الله، وتكون السعادة الحقة التى تذكر بسعادة أهل الجنة .

زاد الصلاة والصوم والزكاة يتجدد ويتكرر لأن هذه العبادات تتكرر مع الأيام والأشهر والأعوام، ولكن لما كانت فريضة الحج هى فريضة العمر تسقط بأدائها مرة فكأن الله سبحانه وتعالى كرماً منه وفضلاً قد خصها بهذا الفيض الغامر و الزاد الوفير الذى يفيد صاحبه بقية حياته ويجعله يعود نقياً كيوم ولدته أمه وكأنه حط عن كاهله أحمالاً وأوزاراً ثقيلة .

-إن الحاج من وقت خروجه من منزله لأداء فريضة الحج يعيش فترة خالصة لله خالية من مشاغل الدنيا يعيشها بوجدانه ومشاعره وكيانه كله بقلبه وعقله وجسده وجوارحه وحواسه ونفسه وخلجات قلبه، ويبذل فيها وقته وجهده وماله وكل ما يملك، وهكذا يطوع كل هذه النعم لله، ولطاعة الله، بعيداً عن معصية الله، وفى هذا التطويع زاد كبير وتربية وتهذيب يمتد أثرها فى حياته بعد ذلك .

إن توقف وجوب فريضة الحج على شروط توافر الاستطاعة له تأثير غير مباشر على المسلم الصادق أن يجعله يراقب حاله دائماً ويراقب الله فى تحديد وقت توافر هذا الشرط فلا يتراخى ولا يتردد في السعي لأداء الفريضة بمجرد توافر الاستطاعة لأنه لا يضمن امتداد أجله، وإلا لتعرض لعذاب الله ويكون مثله كمن ترك الصلاة تراخياً أو حلَّ عليه شهر رمضان ولم يصم، أو وجبت عليه الزكاة ولم يؤدها .

- إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً فمن ينوى أداء فريضة الحج لابد وأن يتحرى فى كسبه الحلال الطيب بعيداً عن الحرام أو ما فيه شبهة وفى هذا أيضاً جانب تربوى هام فى حياة المسلم .

- ما أشبه الحاج الذى يخرج من بيته وقد اغتسل، ولبس ملابس الإحرام، وخرج من مشاغل الدنيا ليخلص بقلبه لله وترك الأهل والمال والولد خلفه، ما أشبهه بمن يخرج من الدنيا عند لقاء الله، فالاغتسال يقابله التغسيل، وملابس الإحرام تقابل ملابس التكفين، والخروج من مشاغل الدنيا يقابله الخروج الجسدى من الدنيا ، وتوديع الأهل وترك المال والولد أمر مشترك فى الحالين، فما أجمل أن يتذكر الحاج هذا المعنى ويأخذ العبرة و العظة، ويستعد للقاء الله على طهر ونقاء، فيرد المظالم ويقضى الديون، ويطلب الصفح ممن أساء إليه، ويتوب إلى الله فربما لقي الله في سفره هذا ، وبهذا يبدأ رحلته بدءاً طيباً كريماً .

- صلى عليك الله ياسيدى يارسول الله علمتنا دعاء نقوله عند السفر لو عشنا ما يتضمنه من معان بحق لخرجنا بزاد تربوى كبير: ( اللهم إنا نسألك فى سفرنا هذا البر و التقوى ومن العمل ما ترضى  ) توجيه النية و القصد إلى البر و التقوى و العمل الصالح، وأن الهدف هو رضوان الله، وسؤال ذلك من الله، فيه شعور وإقرار أن هذا لا يتحقق إلا بتوفيق الله وإرادته، والفقرة التالي من الدعاء: ( اللهم أنت الصاحب فى السفر و الخليفة في الأهل والمال والولد ) ما أعظم أثر هذا الدعاء فى نفس المؤمن يشعر بصحبة الله ومعيته في السفر ، فهو في حفظ الله ورعاية الله وضمان الله ، ثم الاطمئنان أن الله هو الخليفة في الأهل والمال والولد فلا قلق ولا انشغال على شيء من ذلك .

هكذا يتحقق التفويض لله وجميل التوكل عليه بصورة عملية واقعية، ثم الفقرة التالية: ( اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوى عنا بعده  ) لجوء الى الله فى تيسير السفر وتخفيف مشاقه، فالأمر كله لله، ولا يظن أحد أن هذا التيسير كامن فيما أخذ من أسباب، كطائرة، أو سيارة، ولكن لا سهل إلا ما جعله الله سهلاً ، فقد تصير السيارة سبب مشقة لا سبب راحة إن أمسك الله رحمته ووكلنا لأنفسنا، ثم الفقرة التالية: ( اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب فى الأهل و المال ) شعور بالعجز، ولجوء الى الله، واستعاذة به مما يتعرض له المسافرون أحياناً من متاعب وأخطار فى السفر أو فى أهلهم وأموالهم عند عودتهم إليها .

- ليستشعر الحاج عند بدء السفر أنه يبدأ رحلة فى ضيافة الرحمن وأن من معه من ركب كلهم ضيوف الرحمن وزوار بيته الحرام فيطمئن أنه فى حفظ الله ورعايته ويتعامل مع ضيوف الرحمن بكل رفق ولين وتسامح وحب وتعاون ، يعين الضعيف و المريض ويقضى حاجة المحتاج :{ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج } وترويض النفس على ذلك طوال الرحلة زاد تربوى ضرورى للمسلم فى حياته ولازم للدعاة الى الله على وجه الخصوص .

- و الدعاء المتبادل عند توديع الأهل والأصحاب عند السفر الذى أرشدنا إليه رسولنا الكريم فيه خير كبير ومعان تربوية هامة: ( استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ) هكذا يقول المقيم للمسافر ، ويقول أيضاً: ( زودك الله بالتقوى ) ويقول أيضاً: ( لاتنسانا يا أخى من دعائك )  قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضى الله عنه عند سفره ... ويقول المسافر للمقيمين: ( أستودعكم الله الذى لاتضيع ودائعه ) موقف كله ذكر لله وافتراق على الله وفيه التواصى بالحق و الثبات على الأمر و الحرص على حسن الخاتمة ، عاطفة وحب للخير متبادل لانجده إلا بين المسلمين .

- اختيار أمير للركب فيه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق لمعنى الوحدة والنظام واجتماع الكلمة وحفظ من الشيطان ببركة الجماعة، وهذا جانب تربوي هام خاصة لأصحاب الدعوات السائرين على طريق الدعوة .

- وهذا الدعاء عند ركوب الدابة أو وسيلة السفر إذ يسمى الله أزلاً وعندما يركب يقول الحمد لله ويكبر ثلاثاً وإذا استوى يقول: ( سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا الى ربنا لمنقلبون ) وفي ذلك تذكر لفضل الله في تسخير هذه الوسيلة، ولا يرجع الفضل لصانعي الطائرة أو السيارة وحدهم، فالفضل أولاً وأخيراً لله هو الذى سخر لهم المواد لصنعها ورزقهم العقل الذى يفكرون به .

- التلبية وما تحمل  ألفاظها من معاني الاستجابة لداعي الله، وما فيها من تنزيه عن الشرك وأن الحمد له وحده، والنعمة والملك له وحده، ثم إن تكرارها باللسان وانشغال القلب بها في تأكيد وتثبيت لمعاني الإيمان والتوحيد والشعور بفضل الله وفقرنا إليه: ( لبيك اللهم لبيك ... لبيك لاشريك لك لبيك ... إن الحمد و النعمة لك و الملك ... لا شريك لك )  .

واستبدالها بالسلام عند لقاء الحجيج بعضهم البعض  فيه تذكير وتأكيد للاجتماع على عقيدة التوحيد و الشعور بالمشاركة في هذه العبادة الجماعية .

- كلما سما الحجاج بأرواحهم ... قلَّ شعورهم بالتعب الجسماني، بل تذوقوا لهذا التعب طعماً آخر غير التعب، إذ يكون مصدراً لثواب الله ورحمته .

- كلما اقترب الحجاج من بيت الله الحرام ... ازداد شوقهم وتعلقهم به كـتأثير المغناطيس يشتد جذبه بالاقتراب منه، وهذا أمر أودعه الله قلوب عباده المخلصين ، وفي ذلك دلالة على حب الله لهؤلاء العباد الذين حبب إليهم زيارة بيته الحرام إن شاء الله .

- عندما يقع بصر الحاج أول مر على الكعبة المشرفة يتملكه شعور بالمهابة والتعظيم وروعة المشهد، وحال من التأثير و الرهبة الممزوجة بالفرح و السرور و الوصف هنا لا يكفى ولكن من ذاق عرف ... ثم هذا الدعاء المأثور وما فيه من خير : ( اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبراً ) ( اللهم  أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام ) .

- رحلة الحج ليست كغيرها من الرحلات، إنها ليست رحلة بالأجساد إلى مكة حيث الكعبة وجبل عرفات، إنها رحلة ربانية، رحلة نورانية، رحلة قلوب وأرواح تسعى إلى خالقها، فتتصل بأصلها وتستمد القوة والحياة والسعادة، وتتزود بالتقوى خير زاد .

منقول بتصرف من كتاب - زاد على الطريق الدعوة – للأستاذ مصطفى مشهور- رحمه الله