في ظل الطروحات المتداولة حول تشكيل ما يُعرف بـ«مجلس الوصاية» أو «مجلس السلام» لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، يقدّم المفكّر والباحث السياسي الدكتور أسامة الأشقر قراءة تحليلية ناقدة لهذا المشروع، محذّراً من مخاطره السياسية والأمنية، ومشككاً في قدرته على تقديم حل حقيقي للصراع، أو معالجة جذور الأزمة القائمة.

 

البعد الأمني وأولوية نزع السلاح

يرى الأشقر أنّ المهمة المركزية الأولى لمجلس الوصاية تتمثل في نزع السلاح من القوى المحلية، سواء عبر التفاهم أو الإكراه، إلى جانب تفكيك البنى التي شكّلت عناصر ردع في مواجهة الاحتلال، وإنشاء جهاز أمني جديد يعمل تحت إشراف ما يُسمّى «قوة استقرار دولية».

ويعتبر أنّ هذا التوجّه يعكس اختلالاً جوهرياً في تعريف مفهوم الأمن، حيث يُقدَّم أمن الاحتلال على حساب أمن السكان وحقوقهم.

اللجنة الإدارية وغياب الإطار السياسي

 

ينتقد الأشقر فكرة تعيين لجنة إدارية من التكنوقراط بلا خلفية أو تفويض سياسي، معتبراً أنّ إبعاد السياسة عن إدارة قطاع محاصر لا يعني الحياد، بل يؤدي إلى تثبيت الأزمة وإعادة إنتاجها. فغياب الرؤية السياسية يحوّل الإدارة إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية دون امتلاك القدرة على معالجتها جذرياً.

تحديات الواقع المحلي

ويشير إلى أنّ هذه اللجنة ستواجه ضغوطاً اجتماعية ومعيشية هائلة، في ظل الدمار الواسع واحتياجات السكان المتزايدة، دون امتلاك أدوات الحماية أو القرار. كما يرى أنّ مجلس الوصاية، الذي يُتوقّع أن تهيمن عليه الولايات المتحدة، لن يسمح للجنة بالعمل باستقلالية، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع المحلي، وهي مواجهة مرشّحة للفشل وفقدان الشرعية.

إشراك دول الوساطة الإقليمية

يحلّل الأشقر إشراك دول عربية وإسلامية في مجلس الإدارة على أنّه محاولة لـتحييد هذه الأطراف ومنح المشروع غطاءً إقليمياً، مع تحميلها تبعات قرارات تصب عملياً في مصلحة القوى المهيمنة.

ويؤكد أنّ هذه الدول ستُدفع للقيام بدور تخفيف حدّة السياسة الأمريكية دون قدرة حقيقية على التأثير في مسار القرار.

 

الجوانب الإيجابية المحدودة

 

وبالرغم من الطابع النقدي، لا يستبعد الأشقر وجود إيجابيات جزئية، أبرزها إعفاء السكان من أعباء الإدارة اليومية القاسية، وكون اللجنة المقترحة من أبناء القطاع، إضافة إلى أنّ وجود إدارة مدنية—even مؤقتة—قد يشير إلى بداية عودة جزئية للحياة العامة.

 

مخاطر «قوة الاستقرار»

 

يحذّر من أنّ أي قوة استقرار لا تستند إلى غطاء قانوني وأممي واضح، ولا تحظى بدعم وقبول مجتمعي، قد تتحوّل إلى أداة هيمنة بدلاً من أداة حفظ أمن، ما يفتح الباب أمام احتكاكات داخلية وتصعيد غير محسوب.

تجاهل واقع العدوان المستمر

 

يلفت الأشقر إلى غياب أي معالجة لمسألة التدخلات العسكرية وسياسة الاغتيالات، ما يعني بقاء حالة التوتر قائمة، واستمرار الاشتعال الأمني، في ظل تعريف منحاز للأمن يتجاهل أمن الفلسطينيين وحقوقهم الأساسية.

 

وبالاستناد إلى تجارب سابقة، يشكّك الأشقر في جدوى مسار إعادة الإعمار المقترح، في ظل تحكّم الاحتلال بالمواد والمسارات والآليات، معتبراً أنّ ذلك يجعل أي مشروع إعمار عرضة للتقويض السريع، ويؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية بفرص نجاحه.

 

ويخلص إلى أنّ المشروع المطروح يقدّم نزع سلاح بلا تسوية سياسية، وإعادة إعمار بلا ضمانات، ولا يتضمّن التزاماً واضحاً برفع الحصار، ما يجعله سلاماً شكلياً يفتقر إلى مقومات الاستدامة.

 

في الخلاصة، يرى الدكتور أسامة الأشقر أنّ مجلس الوصاية يمثّل نموذجاً جديداً لإدارة الصراع بدل حلّه، دون رؤية سياسية شاملة أو أفق سيادي واضح، وهو مشروع يُرجّح أن يكون مؤقتاً، ومآلاته أقرب إلى الفشل، كما هو حال تجارب سابقة مشابهة.