فجأة ودون إنذار مسبق، حشد جيش الاحتلال الصهيوني قواته واقتحم، في وقت مبكر من فجر، اليوم الإثنين، عدة أحياء فلسطينية في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، في تصعيد ميداني واسع رافقته إجراءات عسكرية مشددة، وسط مخاوف فلسطينية من فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على الأرض.

 

وفرضت قوات الاحتلال طوقًا أمنيًا مشددًا على الأحياء المستهدفة، وأغلقت عشرات الطرق والشوارع باستخدام بوابات حديدية ومكعبات إسمنتية وسواتر ترابية، إلى جانب نشر حواجز عسكرية ومنع حركة الدخول والخروج، وفرض حظر تجول فعلي في منطقة تُقدّر مساحتها بعدة كيلومترات مربعة، كما وزعت منشورات تحذيرية على السكان.

 

إعلان رسمي لعملية طويلة

 

وفي وقت لاحق، أعلن جيش الاحتلال الصهيوني وجهاز الأمن العام (الشاباك)، في بيان مشترك، بدء عملية عسكرية واسعة في مدينة الخليل بمشاركة الشرطة وحرس الحدود، مؤكدًا أنها ستستمر عدة أيام، وستتخللها تحركات مكثفة للآليات العسكرية.

 

وأوضح البيان أن القوات اقتحمت منذ الليلة الماضية حي جبل جوهر، بزعم "تدمير بنى تحتية ومصادرة أسلحة"، في إطار ما وصفه الاحتلال بـ"مكافحة الإرهاب".

 

اعتقالات واعتداءات

وخلال الاقتحامات، اعتقلت قوات الاحتلال سبعة فلسطينيين بعد دهم منازلهم وتفتيشها والعبث بمحتوياتها، فيما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) بتعرض عدد من المواطنين للاعتداء بالضرب خلال عمليات الدهم والتفتيش.

 

كما شملت الإجراءات العسكرية إغلاق مداخل الخليل وبلداتها وقراها ومخيماتها، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة، وتعطيل الحياة اليومية للسكان.

الخليل وتقسيم السيطرة

وتأتي هذه العملية في مدينة تخضع لترتيبات أمنية خاصة منذ توقيع اتفاق الخليل عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإكيان الاحتلال، والذي قُسمت بموجبه المدينة إلى منطقتين: المنطقة (H1) وتشكل نحو 80% من المدينة، وتخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية، المنطقة (H2) وتخضع للسيطرة الصهيونية الكاملة، وتشمل البلدة القديمة، المسجد الإبراهيمي، وعددًا من الأحياء الجنوبية.

 

تحذيرات فلسطينية من مخطط توسعي

 

وقال مهند الجعبري، رئيس لجنة إعمار الخليل، إن قوات الاحتلال اقتحمت المنطقة الجنوبية للمدينة بآليات عسكرية ومجنزرات، رغم أنها تخضع أصلًا للسيطرة الإسرائيلية الكاملة ولم تُنقل إلى سيطرة السلطة الفلسطينية وفق الاتفاقيات الموقعة.

وأوضح الجعبري، أن الاحتلال طوّق المنطقة المستهدفة بالكامل، وأغلق جميع منافذها، ومنع الدخول والخروج، ونفذ حملة دهم وتفتيش واعتقال طالت عشرات المواطنين، وفق حديثه للجزيرة.

ورفض الجعبري ذريعة الاحتلال المتعلقة بـ"إنهاء الفلتان وجمع السلاح"، مؤكدًا أن المنطقة تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة، وهو المسئول المباشر عن حالة الفوضى التي يدّعي معالجتها.

وأضاف أن ما يجري "لا علاقة له بفرض الأمن، وإنما يندرج في إطار محاولات تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين، وتوسيع المنطقة المغلقة داخل البلدة القديمة ومحيط المسجد الإبراهيمي".

 

فرض وقائع سياسية جديدة

 

وأشار الجعبري إلى أن المنطقة المستهدفة تقع خارج النطاق المغلق تقليديًا، ويحاول الاحتلال اليوم التضييق على سكانها ودفعهم للرحيل، بهدف ربط المساحة الممتدة من مستوطنة كريات أربع شرق الخليل وحتى بؤرة تل الرميدة الاستيطانية في جنوب شرق وسط المدينة، وجعلها منطقة مفتوحة للمستوطنين وخالية من الوجود الفلسطيني، في خطوة وصفها بأنها “محاولة واضحة لفرض وقائع سياسية جديدة”.

 

قراءة سياسية وأمنية

من جانبه، قال المحلل السياسي خليل شاهين إن العملية العسكرية "لا يمكن التعامل معها كإجراء أمني محدود"، مشيرًا إلى أن الاحتلال ينفذ عملية مركبة ذات أبعاد أمنية وميدانية وسياسية ونفسية.

 

وأوضح شاهين أن الهدف الأمني المباشر يتمثل في تنفيذ اعتقالات مركزة، وتفكيك أي بنى تنظيمية أو شبكات دعم للمقاومة، إلى جانب جمع معلومات استخبارية من خلال التفتيش الواسع والتحقيقات الميدانية.

وأضاف أن الاحتلال يسعى ميدانيًا إلى فرض سيطرة أمنية مشددة على منطقة ذات أهمية جغرافية مرتفعة، تشرف على أحياء واسعة من مدينة الخليل، بما يتيح له إعادة هندسة الواقع الميداني ومنع تشكّل بؤر مقاومة مستقبلية.

رسائل ردع وضغط نفسي

 

وبيّن شاهين أن للعملية أبعادًا سياسية واضحة، أبرزها توجيه رسائل ردع للفلسطينيين في الخليل والضفة الغربية، وتعزيز صورة السيطرة الأمنية داخليًا لدى المجتمع الصهيوني، في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة.

 

وأشار إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة يتمثل في ممارسة ضغط نفسي واجتماعي على السكان عبر الاقتحامات الليلية، التخريب المتعمد للمنازل، والاعتداءات والإغلاقات، بما يشكل عقابًا جماعيًا يهدف إلى كسر الحاضنة الشعبية الفلسطينية.

 

تصعيد ضمن سياق أوسع

 

ويأتي هذا التصعيد في الخليل في إطار سياسة صهيونية أوسع تستهدف الضفة الغربية، تقوم على تكثيف الاقتحامات والاعتقالات، وتشديد الإجراءات العسكرية، بالتوازي مع توسيع النشاط الاستيطاني، في ظل غياب أي أفق سياسي، واستمرار الاعتماد على القوة العسكرية كأداة لإدارة الصراع.