تدخل المواقف والخطوات الدولية، تحديداً الأوروبية والأمريكية، من جرائم مليشيات الدعم السريع في السودان، مرحلة جديدة ولا سيما بعد البيان الصادر عن وزراء خارجية المجموعة الأساسية بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أمس الخميس، والذي أكد أن أعمال العنف التي ترتكبها مليشيا "الدعم السريع" في مدينة الفاشر في إقليم دارفور في غرب السودان تحمل "سمات الإبادة الجماعية"، لتخلص المجموعة إلى أن العنف الذي تقوده هذه القوات يُعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتؤكد أنها تعتزم تشكيل تحالف لمنع مزيد من الفظائع في السودان.
وجاء هذا البيان بالتوازي مع فرض مجلس الأمن الأربعاء الماضي عقوبات على أربعة قادة من "الدعم"، بينهم عبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد مليشيا الدعم السريع وشقيقه، إلى جانب جدو حمدان أحمد، يشتبه في تورطهم بارتكاب فظائع ضد المدنيين قال خبراء أمميون إنها تحمل "سمات الإبادة الجماعية". كما جاء البيان بالتزامن مع إعلان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أمس الخميس أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان ازداد أكثر من الضعف في 2025 مقارنة بالعام السابق، في وقت لم تنجح فيه محاولات التوصل إلى هدنة، بما في ذلك التي تقودها المجموعة الرباعية بشأن السودان (تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة).
"سمات إبادة" تلاحق مليشيا الدعم السريع
وقالت المجموعة الأساسية بشأن السودان في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (تضم ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج وبريطانيا) في بيان لوزراء خارجية هذه الدول، أمس الخميس، إن أعمال العنف التي ترتكبها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر بالسودان تحمل "سمات الإبادة الجماعية". وخلصت المجموعة، في بيان نشرته وزارة الخارجية الألمانية، إلى أن العنف الذي تقوده "الدعم" يُعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ويحمل سمات الإبادة الجماعية. وأعلنت هذه الدول أنها تعتزم تشكيل تحالف لمنع المزيد من الفظائع في السودان.
في هذه الأثناء، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان ازداد أكثر من الضعف في 2025 مقارنة بالعام السابق، محذّراً من أن آلاف القتلى الآخرين لم تُحدد هوياتهم أو ما زالوا في عداد المفقودين. وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: "هذه الحرب بشعة. إنها دموية وعبثية"، ملقياً باللوم فيها على طرفي النزاع. كما ندد بجهات خارجية تموّل ما وصفه بأنه نزاع "عالي التقنية". وقال إن عام 2025 شهد "زيادة بأكثر من مرّتين ونصف مرة في عدد المدنيين الذين قُتلوا مقارنة بالعام السابق. هناك الآلاف الذين ما زالوا مفقودين أو جثثهم مجهولة الهوية". ودان فظاعات "شنيعة ووحشية" ارتُكبت، بما في ذلك العنف الجنسي وعمليات الإعدام الميدانية والاعتقالات التعسفية. كما لفت إلى "المجازر" التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع خلال الهجوم على مخيم زمزم للنازحين في إبريل الماضي، ومرة أخرى في أكتوبر الماضي في الفاشر. وأشار إلى تزايد العنف الجنسي بما في ذلك حالات الاغتصاب والتعذيب الجنسي والعبودية، مع تسجيل أكثر من 500 ضحية لهذا النوع من الهجمات في 2025. وعبّر عن قلقه البالغ من إمكانية تكرار هذه الجرائم. وأشار تورك إلى أن الجيش وقوات الدعم السريع على حد سواء يواصلان استخدام "أسلحة متفجّرة في مناطق مكتظة بالسكان، غالبا من دون أي تحذير مسبق، ما يظهر استخفافاً تاماً بحياة البشر". وسلّط تورك الضوء على "الاستخدام المتزايد لمسيّرات متطورة بعيدة المدى"، وهو أمر "وسّع دائرة الأذى لتشمل مدنيين في مناطق بعيدة عن خطوط الجبهة كانت تعيش بسلام في الماضي". وعبّر تورك عن قلقه حيال "تزايد عسكرة المجتمع"، بما في ذلك تجنيد الأطفال والشباب للقتال.
أول طائرة أممية في الخرطوم
في هذه الأثناء، هبطت طائرة تابعة للأمم المتحدة في مطار الخرطوم، أمس الخميس، في أول رحلة من نوعها منذ اندلاع الحرب في السودان قبل نحو ثلاثة أعوام، بحسب ما أفادت منسقة الشئون الإنسانية الأممية في البلاد دينيس براون. وقالت بعد نزولها من الطائرة: "أود أن أؤكد مدى سروري بأن أكون على متن أول رحلة لخدمة النقل الجوي الإنساني التابعة للأمم المتحدة إلى الخرطوم منذ ثلاث سنوات، فهذا حدث مهم جدا للمجتمع الإنساني".
ورأى المحلل السياسي صلاح مصطفى، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المواقف الناقدة لتصرفات "الدعم السريع" الصادرة عن مجموعة دول تأتي في ظل تقارير من الأمم المتحدة وبعثة تقصي الحقائق ومنظمات أخرى حول الفظائع والجرائم التي ترقى إلى إبادة جماعية خصوصا في مدينة الفاشر، وأضاف أن هذه المواقف تضيّق الخناق على "الدعم" وداعميها الدوليين وتكشف ما يحاولون إخفاءه بخصوص جرائم الحرب التي جرت وما زالت تجري في دارفور على يد "الدعم" والمليشيات الموالية لها، متوقعا ان يتحرك مجلس الأمن بصورة أكثر جدية في الأيام المقبلة بعد هذه المواقف لممارسة ضغوط أكبر على "الدعم" وحلفائها، كما لفت إلى أنّ بيان الدول الخمس "سيصل تأثيره إلى خليفة حفتر في ليبيا ودولة الإمارات المتهمين بمساندة الدعم السريع".
من جهته، قال الصحفي السوداني محمد محمود إن الجرائم التي ترتكبها "الدعم السريع" والتي لا تزال مستمرة سببها الأساسي ضعف المواقف الدولية تجاه الأزمة في السودان، وأشار إلى أن البيان الصادر عن دول أوروبية بشأن الإبادة الجماعية في الفاشر يمثل تحركاً مهماً في سياق عزل "الدعم" وحلفائها دوليا واتخاذ خطوات أكثر جدية من المجتمع الدولي، وضرورة أن تصل الخطوات إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن بشأن حظر دخول السلاح إلى السودان خصوصا دارفور.
وأضاف ان "الدعم السريع والدول الداعمة لها تستفيد من عدم وجود ضغوط حقيقية في مواجهتها، وهي وتحصل على السلاح والمقاتلين عبر الحدود مع ليبيا ودول أفريقية أخرى".
واعتبر محمود أن توجّه الدول الأوروبية كما ورد في بيانها حول تشكيل تحالف لمنع المزيد من الفظائع في السودان سوف يشكل ضربة جديدة تزيد عزلة الدعم السريع دولياً.
من جهته، قال عضو المكتب التنفيذي للتيار الوطني (تنظيم سياسي) نور الدين صلاح الدين، لـ"العربي الجديد"، إن وصف أعمال مليشيا الدعم السريع في الفاشر بأنها تحمل "سمات الإبادة الجماعية" من قبل وزراء خارجية دول مثل ألمانيا وبريطانيا والنرويج وهولندا وأيرلندا، وفي إطار مداولات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ليس مجرد تعبير سياسي عابر بل توصيف قانوني ثقيل العواقب، وأضاف أن هذا النوع من التوصيف يضع قيادة المليشيا تحت مجهر المساءلة الدولية بشكل أكثر جدية، ويمهد عمليا لعدة مسارات أهمها مسار تعزيز العزلة السياسية، إذ أن إي طرف يُوصف سلوكه بأنه يحمل سمات الإبادة الجماعية يصبح عبئاً على داعميه الإقليميين والدوليين، وتزداد كلفة التواصل أو التنسيق معه. ولفت صلاح الدين إلى أنّ هناك مسار توسيع نطاق العقوبات الفردية، إذ من المتوقع أن يُستخدم هذا التوصيف لتبرير عقوبات أوسع، تشمل تجميد أصول، حظر سفر، وملاحقات جنائية محتملة، أيضاً هناك المسار المرتبط بدعم قضايا المساءلة سواء عبر آليات تقصي الحقائق، أو الدفع نحو اختصاصات قضائية دولية، "وبالتالي فإنّ تثبيت هذا الوصف في بيانات رسمية لدول مؤثرة يعزز الملف القانوني ضد قادة المليشيا". وأشار إلى أنّ من الآثار المهمة أيضاً تضييق هامش الشرعنة السياسية".