د. يوسف القرضاوي

للمرأة في أحكام الصيام نصيب أكبر من الرجل، فهي تشاركه في عامة الأحكام وتختص هي بأمور لا يشاركها فيها. ذلك أن القدر حملها ما لم يحمل الرجل من متاعب الحياة، فهي تعاني الدورة الشهرية التي كتبها الله على بنات آدم، أو ما يسمى في الشرع «الحيض»، ومثله حالة الولادة أو النفاس، وهما العذران اللذان أوجب عليها الفطر، وحرم عليها الصوم بسببهما.

وقبل الولادة تكون حالة الحمل، وهي كما صورها القرآن، وهو يوصي الإنسان بالإحسان بوالديه، فيقول: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15]. وفي آية أخرى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]. إنها حالة الوحم والغثيان والثقل والألم، التي تتحملها الأم طوال تسعة أشهر صابرة، بل سعيدة راضية حتى يخرج جنينها إلى نور الحياة.

وبعد الولادة وما يصحبها من آلام تبدأ مرحلة أخرى، هي مرحلة الإرضاع والفصال التي قد تطول إلى عامين، كما قال تعالى: ﴿وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]. وقال: ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233].

والمرأة في حالة الحمل قد تخاف على نفسها من مشقة الصوم، وقد تخاف على حملها في بطنها الذي أصبح جزءًا منها، فغذاؤه منها، وبقاؤه بها، أو تخاف عليهما معًا. وهي في حالة الرضاع أيضًا قد تخاف على نفسها أو على رضيعها، أو على الاثنين جميعًا. فما الحكم في مختلف هذه الحالات؟

لقد أجمع الفقهاء على أن من حق كل منهما ـ الحامل والمرضع ـ أن تفطر في كل هذه الأحوال، وفي هذا جاء حديث: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم».

ولكن ماذا عليهما بعد أن تفطرا؟ أتعاملان معاملة المريض العادي، فيجب عليهما قضاء عدة من أيام أخر بعد أن تنتهي حالة الحمل والإرضاع؟ أم تعاملان معاملة الشيخ الكبير والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه فتفديان وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، أو تعفيان من الفدية أيضًا؟ أم يختلف حكم الحامل عن حكم المرضع، وحكم من تخاف على نفسها، ومن تخاف على ولدها؟

بكل احتمال من هذه الاحتمالات قال بعض الفقهاء. ومعظم الفقهاء أخذوا بالاحتمال الأول وعاملوا كلتيهما معاملة المريض وقالوا: تفطران وتقضيان. ومذهب ابن عمر وابن عباس من الصحابة، وابن جبير وغيره من التابعين أن عليهما الفدية، أي الإطعام، ولا قضاء عليهما.

روى عبد الرزاق في مصنفه، أن عمر سئل عن امرأة أتى عليها رمضان وهي حامل؟ قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكينًا. وروي عن ابن عباس، أنه كان يأمر وليدة له حبلى، أن تفطر في شهر رمضان، وقال: أنت بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام، فأفطري، وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من حنطة.

وعن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران، وتطعمان كل واحدة منهما، كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما. وروي نحو ذلك عن القاسم بن محمد، وقتادة، وإبراهيم. كما روى عبد الرزاق، عن بعض السلف أيضًا أن على الحامل والمرضع القضاء ولا تطعمان.

وذكر ابن كثير الخلاف الكثير بين العلماء في شأنهما؛ قال: «فمنهم من قال: تفطران وتفديان وتقضيان وقيل: تفديان فقط، ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: تفطران ولا فدية ولا قضاء».

والذي أرجحه هو الأخذ بمذهب ابن عمر وابن عباس في شأن المرأة التي يتوالى عليها الحمل والإرضاع، وتكاد تكون في رمضان إما حاملًا وإما مرضعًا. وهكذا كان كثير من النساء في الأزمنة الماضية، فمن الرحمة بمثل هذه المرأة ألا تكلف القضاء وتكتفي بالفدية، وفي هذا خير للمساكين وأهل الحاجة.

أما المرأة التي تتباعد فترات حملها، كما هو الشأن في معظم نساء زمننا في معظم المجتمعات الإسلامية، وخصوصًا في المدن، والتي قد لا تعاني الحمل والإرضاع، في حياتها إلا مرتين أو ثلاثًا، فالأرجح أن تقضي كما هو رأي الجمهور.

إذن الحكم مبني على مراعاة التخفيف، ورفع المشقة الزائدة، فإذا لم توجد ارتفع الحكم معها؛ إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.