دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، مرحلة غير مسبوقة من حيث طبيعة الأهداف وحساسيتها، عقب اغتيال قيادات إيرانية وازنة تمثل جزءًا من الحلقة الضيقة التي تدير مفاصل القرار السياسي والأمني.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بوصفها عمليات أمنية معزولة، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحول استراتيجي يستهدف بنية النظام ذاتها، في محاولة لإضعاف تماسكه، وإرباك قدرته على إدارة الصراع، وفرض معادلات جديدة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية.
وأكد الكاتب والمحلل السياسي علاء الريماوي في قراءة تحليلية أن "اغتيال قيادات إيرانية وازنة يعكس تصاعدًا نوعيًا وخطيرًا في مستوى المواجهة، ويؤشر إلى انتقالها نحو استهداف مباشر لبنية النظام، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات تحتل مواقع متقدمة في هرم القيادة”.
تداعيات تتجاوز الخسارة البشرية
وأضاف الريماوي أن قدرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الوصول إلى هذه القيادات وتحييدها يمثل ضربة مركبة لا تقتصر على الخسارة البشرية، موضحا أن هذه العمليات صُممت لإحداث صدمة استراتيجية داخل النظام الإيراني، وخلق حالة من الإرباك في آليات اتخاذ القرار، بما قد ينعكس على قدرة النظام على الاستجابة السريعة والمنظمة، أو إعادة إنتاج حالة التوازن التي كان يعتمد عليها.
ويقدر الخبراء أن سرعة التعاطي الإيراني مع الموقف بعد اغتيال عدد كبير من قادتها يؤشر على استيعاب النظام الإيراني للحالة ما يعزز ذلك سرعة وقوة الردود الإيرانية على العدوان وتوسعها.
محاولة للتأثير في مراكز القوة
وأشار الريماوي إلى أن "الهدف الأعمق لهذه الضربات يتمثل في محاولة إعادة تشكيل التراتبية داخل بنية النظام الإيراني، في إطار تعويل أمريكي– صهيوني على التأثير في توازنات مراكز القوة، بما قد يقود إلى تغيير في طبيعة القرارات الاستراتيجية”.
وأضاف أن هذه المقاربة لا تستهدف فقط إضعاف القدرات العسكرية، بل تسعى إلى خلق بيئة داخلية ضاغطة، قد تسهم في إحداث تصدعات داخل تركيبة النظام، أو على الأقل تقليص قدرته على المبادرة وفرض إيقاع المواجهة.
هل يستطيع النظام إعادة إنتاج تماسكه؟
وأكد الريماوي أن الاختبار الحقيقي للنظام الإيراني يتمثل في قدرته على إعادة بناء تماسكه بسرعة، واستعادة زمام المبادرة، وإنتاج حالة مواجهة جديدة، سواء عبر أدواته العسكرية المباشرة أو عبر منظومات الردع التي يمتلكها.
وأضاف أن الحفاظ على جاهزية القدرات الصاروخية الإيرانية يمثل عنصرًا حاسمًا في هذه المرحلة، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية التي يستند إليها النظام في تثبيت معادلة الردع، ومنع خصومه من فرض واقع استراتيجي جديد.
استهداف شبكة النفوذ الإقليمي
وقال الريماوي إن "الضربات الأخيرة ترتبط أيضًا بمحاولة تحييد تحالفات إيران الإقليمية، والتي تمثل امتدادًا استراتيجيًا لنفوذها، وأحد أهم أدواتها في إدارة الصراع متعدد الساحات”.
وأضاف أن سلوك هذه التحالفات خلال الفترة المقبلة سيكون عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه التصعيد، سواء من حيث توسيع نطاق الاشتباك أو الإبقاء عليه ضمن حدود مدروسة، بما يحفظ توازن الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
استراتيجية الاستنزاف
وأشار الريماوي إلى أن الولايات المتحدة تبدو وكأنها انتقلت إلى مرحلة تستهدف فيها إضعاف النظام الإيراني بشكل مباشر، ليس فقط عبر الضربات العسكرية، بل من خلال محاولة خلق بيئة داخلية ضاغطة، تسهم في إضعاف بنيته، ودفعه إلى حالة من الاستنزاف الاستراتيجي.
وأضاف أن الهدف النهائي يتمثل في إضعاف النظام إلى الحد الأقصى، وخلق تصدعات داخل تركيبته، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل مراكز القوة داخله، أو تقليص قدرته على التأثير في البيئة الإقليمية.
مرحلة حاسمة: الأيام المقبلة سترسم معادلة الصراع
وأوضح الريماوي أن الأيام الثلاثة المقبلة ستكون مفصلية في تحديد اتجاه الأحداث، في ظل مؤشرات على إمكانية دخول المنطقة في مرحلة مواجهة قد تمتد لما لا يقل عن خمسة عشر يومًا، وهي فترة كفيلة بإعادة رسم معادلات الاشتباك، وتحديد سقوف الردود المتبادلة.
وأضاف أن "شكل الرد الإيراني، وطبيعة تحرك تحالفاته، سيحددان ما إذا كانت المواجهة ستبقى ضمن إطار الردع المتبادل، أو ستتجه نحو تصعيد أوسع قد يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية في المنطقة”.
وأكد الريماوي أن "ما يجري لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المرتبطة بإيران، واختبار قدرتها على الحفاظ على تماسكها، وإعادة إنتاج أدوات المواجهة، في ظل ضغوط غير مسبوقة تستهدف بنيتها القيادية وتحالفاتها الإقليمية”.