د. يوسف القرضاوي
مَن كان عليه صيام أيام من رمضان، أفطر فيه بعذر، كالمريض والمسافر والحائض، والنفساء، ومن شق عليه الصوم، مشقة شديدة فأفطر، والحامل والمرضع، عند من يرى عليهما القضاء، فينبغي له أن يبادر ـ إذا زال عذره من المرض أو السفر إلخ ـ بقضاء ما فاته بعدد الأيام التي أفطر فيها، تبرئة لذمته، ومسارعة إلى أداء الواجب، واستباقًا للخيرات.
أما المريض والمسافر فقضاؤهما ثابت بالقرآن: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] وأما قضاء الحائض والنفساء، فهو ثابت بالسنة، عن عائشة: كنا نحيض في عهد النبي ﷺ، فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
ولا يأثم بالتأخير ما دام في نيته القضاء؛ لأن وجوب القضاء على التراخي، حتى كان له أن يتطوع قبله على الصحيح. ويدل على ذلك أن عائشة قالت: كان يكون عليَّ الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان.
وكذلك من أفطر بغير عذر من باب أولى، كمن أفسد صومه عامدًا، بما يوجب الكفارة، كالجماع، أو بما لا يوجب الكفارة، كالأكل أو الشرب، عند أكثر الفقهاء فعليه القضاء أيضًا، كما بينا ذلك في موضعه.
ويجوز أن يكون قضاء رمضان متتابعًا وهو أفضل، مسارعة إلى إسقاط الفرض، وخروجًا من الخلاف ـ فقد أوجبه بعض العلماء لأن القضاء يحكي الأداء، وهو متتابع ـ وأن يقضيه مفرقًا، وهو قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه فيه، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ولم يشترط فيها تتابعًا. بل قال بعدها: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
ومَن أفطر في قضاء رمضان متعمدًا ولو بالجماع فلا كفارة عليه، وإنما عليه يوم مكان يوم، وذلك لأن الأداء متعين بزمان له حرمة خاصة، فالفطر انتهاك له، بخلاف القضاء، فالأيام متساوية بالنسبة إليه.
ومن أتى عليه رمضان آخر، ولم يقض ما عليه من رمضان الفائت، فإن كان ذلك بعذر فلا شيء عليه بالإجماع؛ لأنه معذور في تأخيره. وإن كان تأخيره للقضاء بغير عذر، فقد جاء عن عدد من الصحابة: أن عليه عن كل يوم إطعام مسكين، كفارة عن تأخيره. وأخذ بذلك مالك والثوري والشافعي وأحمد وغيرهم.
وهناك رأي آخر: أن لا شيء عليه غير القضاء وهو رأي النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ورجحه صاحب «الروضة الندية»؛ لأنه لم يثبت فيذلك شيء، صح رفعه إلى النبي ﷺ، وغاية ما فيه آثار عن جماعة من الصحابة من أقوالهم، وهي ليست حجة على أحد، ولا تعبَّد الله بها أحدًا من عباده، والبراءة الأصلية، مستصحبة فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح.
وأرى الأخذ بما جاء عن الصحابة على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، فهو نوع من جبر التقصير بالصدقة، وهو أمر مندوب إليه. أما الوجوب فيحتاج إلى نص من المعصوم ولم يوجد.
من مات وعليه صيام:
إذا مات المريض أو المسافر وهما على حالهما من المرض والسفر، لم يلزمهما القضاء، لعدم إدراكهما عدة من أيام أخر. وإن صح المريض وأقام المسافر ثم ماتا، لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة لإدراكهما العدة بهذا المقدار.
ومعنى اللزوم هنا أنه أصبح في ذمته، وتبرأ ذمته بأحد أمرين:
1 ـ إما بصيام وليه عنه، لحديث عائشة في الصحيحين مرفوعًا: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه». ورواه البزار، بزيادة لفظ «إن شاء».
فصيام الولي عن الميت من باب البر به لا الوجوب عليه، ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان، عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم فدين الله أحق أن يقضى».
ومن المعلوم أن الإنسان ليس مُطالبًا بقضاء دين غيره إلا من باب البر والصلة؛ لأن الأصل براءة الذمم، وأن المكلف غير ملزم بأداء ما يثبت في ذمة غيره. فالصحيح جواز الصيام عن الميت لا وجوبه، وبه تبرأ ذمة الميت.
2 ـ وإما بالإطعام عنه، أي بإخراج طعام مسكين من تركته وجوبًا، عن كل يوم فاته؛ لأنه دَيْن لله، تعلق بتركته، ودَيْن الله أحق أن يقضى.
واشترط بعض الفقهاء أن يكون قد أوصى بذلك، وإلا لم يخرج من تركته شيء لأنها حق الورثة. والصحيح أن حق الورثة من بعد وصية يوصي بها أو دَيْن وهذا دَيْن؛ لأنه حق المساكين في ماله، والله أعلم.