اطلعت محكمة في لندن على أدلة تثبت أن الشرطة البريطانية تعرضت لضغوط من جانب من منظمات يهودية لمنع تظاهر الآلاف من أنصار "ائتلاف فلسطين" أمام مقر هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" الرئيسي قبل أكثر من عام. ويحاكم اثنان من قادة الائتلاف، وهما مدير "حملة التضامن مع فلسطين" بن جمال ونائب رئيس "تحالف أوقفوا الحرب" كريس ناينهام، أمام محكمة ويستمنستر الجزئية بتهمة خرق قانون النظام العام وقيود التظاهر والتحريض على خرقها خلال الأحداث التي وقعت خلال مسيرة وطنية يوم 18 يناير عام 2025 للتنديد بجرائم الإبادة الجماعية الصهيونية في فلسطين.

 

وفي حالة إدانة جمال وناينهام، فإنهما سيواجهان السجن مدة قد تتجاوز السنة. وخلال جلسة الاثنين، أقر قائد الشرطة آدم سلوميسكي، المسئول آنذاك عن التعامل مع طلبات التظاهر وتأمينها، بأنه تلقى رسالة من "مجلس القيادة اليهودي" يهدد فيها بأنه سيسعى لإجراء "مراجعة قضائية" لقرارات الشرطة بشأن المظاهرة ما لم تفرض قيوداً تمنعها من الوصول إلى بي بي سي، بدعوى قرب مقرها من الكنيس اليهودي المركزي. وجاء "التهديد" في نهاية رسالة أرسلها محامون ممثلون عن مجلس القيادة اليهودي، كما كشف الدفاع للمحكمة.

 

ولم يجب القائد بوضوح عن سؤال بشأن ما إذا كان قد شعر بالتهديد بعد تلقيه تلك الرسالة، وقال: "لا أستطيع أن أعرف نية" محامي مجلس القيادة اليهودي من وراء الإشارة إلى المراجعة القضائية. وفي رده على أسئلة رئيس فريق الدفاع مارك سومرز، أقر سلوميسكي بأنه عقد عدداً كبيراً من الاجتماعات وحضر الكثير من اللقاءات مع منظمات يهودية والحاخام الأكبر في بريطانيا، وتلقى عدداً من الرسائل منهم تطلب منع التظاهر أمام بي بي سي. غير أن أوراق القضية كشفت أن قائد الشرطة لم يسجل ما دار في هذه اللقاءات رغم أهميتها. وأرجع قائد الشرطة هذا إلى ضيق الوقت. ومن بين المنظمات اليهودية التي التقى بها قائد الشرطة، "المنتدى اليهودي"، و"جمعية أفراد الشرطة اليهود"، والحاخام الأكبر لليهود في بريطانيا.

ولم يستطع سلوميسكي إثبات أنه أخذ على محمل الجد اعتراضات بن جمال وناينهام على صدقية المخاوف التي عبرت عنها المنظمات اليهودية التي التقى بها وتلقى منها تقارير بشأن تأثير المظاهرة المحتملة. وأقر بأن جمال وناينهام حذراه من أن هناك "تغطية وضغوطاً سياسية" لمنع التظاهرات المؤيدة فلسطينَ في أنحاء لندن، بدعوى ما تسميه المنظمات اليهودية المحتجة على المسيرة بـ"التأثير التراكمي" للتظاهر على المجتمع، خاصة اليهود.

 

وكانت محكمة الاستئناف البريطانية قد قضت في شهر مايو عام 2025 بعدم قانونية استخدام "التأثير التراكمي للتظاهر" ذريعة كي تقيد الشرطة الحق القانوني الأساسي في التظاهر. وأكد سلوميسكي أيضاً أنه قبل هذه الاجتماعات مع المنظمات والشخصيات اليهودية، كانت الشرطة ومنظمو التظاهرة، وعلى رأسهم جمال وناينهام، قد اتفقوا بالفعل على سير التظاهرة من وايتهول، مقر الحكومة والوزارات، إلى بي بي سي، للاحتجاج على انحيازها لإسرائيل في تغطيتها الحرب على غزة.

فلسطين أكشن كانت هناك

وأصر سلوميسكي على أن جماعة "بالستاين أكشن" كانت مشاركة في تنظيم المظاهرة. وعندما سأله سومرز عما إذا كان قد أخطأ في الجلسة السابقة عندما وضع، في شهادته المكتوبة، اسم الجماعة ضمن قائمة المنظمات الأعضاء في ائتلاف فلسطين الستة، نفى قائد الشرطة ارتكاب أي خطأ. وقال إن جماعة "بالستاين أكشن كانت ممثلة" في المفاوضات بينه وبين ممثلي منظمي المسيرة.

وكانت تلك هي المسيرة الثانية والعشرين التي نظمت احتجاجاً على الحرب الصهيونية على غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023. ونظمها ائتلاف فلسطين الذي يضم ست منظمات هي "حملة التضامن مع فلسطين" و "أصدقاء الأقصى" و "تحالف أوقفوا الحرب" و"رابطة مسلمي بريطانيا" و"المنتدى الفلسطيني في بريطانيا" و "حملة من أجل نزع السلاح النووي".

 

وخلال استجواب قائد الشرطة من جانب ممثل الادعاء كيفين دينت وممثل الدفاع، أكد أن همه الأساسي كان مراعاة الشعور بـ"القلق" و"الترهيب" و"الخوف من عدم التمكن من ممارسة الشعائر الدينية" من جانب المجتمع اليهودي في المنطقة التي تقع فيها بي بي سي. وأكد مراراً أنه كان يسعى إلى تحقيق "توزان معقول" بين تمكين المتظاهرين من ممارسة حقهم القانوني في التظاهر وحق أفراد المجتمع اليهودي من ممارسة شعائرهم الدينية.

شخص واحد يكفي

 

وأقر سلوميسكي بأن "حملة التضامن مع فلسطين" و"تحالف أوقفوا الحرب" نظما تظاهرتين سابقتين في المنطقة نفسها، ولم تحدث أي أحداث مهددة للنظام العام أو للمجتمع اليهودي أوالكنيس اليهودي فيها. كما أكد أنه "لم يسع" إلى الاطلاع على آراء أي من المنظمات اليهودية الأخرى، مثل "التكتل اليهودي" الذي يشارك باستمرار في كل المسيرات المؤيدة لفلسطين في بريطانيا. ورداً على سؤال لممثل الدفاع، أقر سلوميسكي بأن المنظمات اليهودية التي استمع إليها واستجاب لطلبها فرض قيود للتظاهر "لم تكن تمثل كل المجتمع اليهودي".

غير أنه قال إنه يكفي أن يعبر شخص واحد من المجتمع اليهودي، حتى لو كان سائحاً، عن القلق والاضطراب كي يجعله يفكر بجدية في فرض قيود على التظاهر.

وأضاف أنه أبلغ بن جمال بأن القيود "سوف تفرض حتى لو كان شخص واحد فقط سوف يتضرر". وبعد لقاءاته مع المنظمات اليهودية، فرض قائد الشرطة قيوداً على التظاهر تشمل "التجمع الثابت" في وايتهول وعدم السير إلى بي بي سي. ووفقاً لتلك القيود، فإن أي خرق سيكون مخالفة جنائية للقانون.

 

وطوال ساعات استجوابه، أكد سلوميسكي أن المشكلة الأساسية في التظاهر في يوم السبت في هذه المنطقة هي تأثيره المحتمل على صلوات يوم السبت والأنشطة اليهودية، ليس فقط في الكنيس اليهودي المركزي القريب من بي بي سي، بل أيضاً في المركز اليهودي الواقع في منطقة ماربل آرش. ويقع المركز على بعد 20 دقيقة سيراً على الأقدام. ورداً على سؤال الدفاع عن كيفية تأثير التظاهر على المركز اليهودي البعيد عن بي بي سي، قال قائد الشرطة إنه فقط كان يحتاط لحدوث أي شيء بفرض القيود على التظاهر.

وكان منظمو المسيرة قد أصروا على التظاهر أمام مقر بي بي سي الرئيسي في وسط لندن، نظراً إلى رمزية المكان وأهمية تلك المؤسسة العامة الممولة بأموال دافعي الضرائب مباشرة. ولذلك فإنهم رفضوا عرض الشرطة التظاهر أمام مقر لبي بي سي أقل أهمية، مؤكدين الحق في التظاهر في أي وقت وأي مكان. وأكدوا مراراً أن أحداً لم يشتك من قبل من تأثير فعلي للتظاهر على المجتمع اليهودي أو حقه في العبادة.

 

ويذكر أن منظمي مسيرة 18 يناير 2025 التزموا بقرار الشرطة أن تكون "تجمعاً ثابتاً" في وايتهول. غير أنهم طلبوا من الشرطة السماح لممثلي المنظمين، وعددهم ستة، أن يذهبوا إلى بي بي سي لإلقاء الورود على أبوابها تعبيراً عن الاحتجاج، ولكن الشرطة منعتهم. ورداً على سؤال محامي الدفاع عن جمال وناينهام بشأن الصعوبة التي حالت دون استجابة الشرطة لهذا الطلب، قال سلوميسكي إن هذا كان "سوف يعتبر خرقاً لقيود التظاهر". وتواصل المحكمة نظر القضية التي يعتبرها خبراء القانون اختباراً لمدى قانونية حق الشرطة في استخدام الحماية المزعومة للحق في العبادة والادعاء بحدوث تأثير تراكمي على المجتمع لتبرير تقييد الحق في التظاهر على نطاق واسع.