يا أمتي، ويا قادتهم:

مع إدانة عدوان إيران على دول الجوار، لكن يجب أن نعمل وفق علمنا بأن المشروع الصهيوني واضح -على لسان قادته- في أن القصد ليس إيران وحدها، وانما الشرق الأوسط كله، توسع واحتلال جديد في القرن 21.

لذلك يجب شرعا وعقلا وفطرة ان تقف الدول الإسلامية ضد هذا المشروع بحلف قوي، وعلى إيران ان تغير سياستها بحل المشاكل والصراعات في العالم العربي، وبالتعاون مع دول الجوار.

سابقا لم يكن هذا المشروع التوسعي الصهيوني الأمريكي مصرحاً به من قبل رؤساء الكيان الصهيوني، بل كان تحليلاً وتوقعا من قبل كتاب وباحثين مخلصين لدينهم ولأمتهم، لاقوا استهزاء، واتّهموا بنظرية المؤامرة التي كانت محل السخرية من قبل الكثيرين من المتأثرين بالحضارة الغربية.

فجاء طوفان الأقصى فغسل الأرض وكشف ما فيها، ودفع رؤساء الكيان الصهيوني من رئيس الدولة، إلى رئيس الوزراء، ليصّرحوا بوضوح بأن أرض الأجداد هي ما بين النيل والفرات، وأن التغيير لا ينبغي أن ينحصر على إيران فقط، بل على منطقة الشرق الأوسط برّمتها، وساندهم في ذلك اليمين الصهيوني المتطرف داخل الكيان المحتل بقوة، وأتوا بنصوص توراتية، ووعود إبراهيمية كما صرح بذلك السفير الأمريكي في دولة الاحتلال.

مع أن النصوص التوراتية، والوعود الابراهيمية الصحيحة تتحدث عن أن الأرض لله تعالى يورثها لعباده الصالحين، وأن بنى اسرائيل عندما رفضوا أمر الله تعالى بالدخول في الأرض المقدسة، {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ َالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المادة: 22-26).

ولذلك حرمها الله عليهم، ثم إن الله تعالى خالق البشر، فلا يمكن أن يفضل إنساناً، أو قوماً على الأخر الاّ بالعمل الصالح والتقوى، ولذلك أكد القرآن هذا المعنى في سورة الأنبياء فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 105- 106).

أمام هذا الخطر الوجودي فإن واجب الدول الإسلامية في نظري هو ما يأتي:

أولاً: الوقوف ضد هذا المشروع الصهيوني التوسعي الخطير بكل إمكانياتهم، ومن أهم الإجراءات هو عقد قمة ولو عبر الوسائل الالكترونية من الدول التي لها رغبة حقيقية في الوقوف مع شعبها وأمتها وضد المشروع الصهيوني، وبعد الدراسات والخطط والبرامج يجب عليها شرعا أن تجتمع هذه الدول (مثل السعودية وتركيا، وقطر، وباكستان، وماليزيا، وإندونيسيا، والدول الأخرى التي تشعر بالخطر الصهيوني) لتحقيق حلف عسكري واقتصادي مدروس على غرار "ناتو".

ثانياً: عقد اجتماع مع مسؤولي إيران، لمناقشة جميع القضايا التي أثارت بعض الدول العربية ضد إيران، مثل موقفها في العراق، وفي اليمن، وغيرها، ويكون هذا الاجتماع شفّافاً صريحاً توضع جميع الملفات الساخنة من الطرفين على الطاولة للمناقشة للوصول إلى حلول عملية موثقة، وإلى ميثاق شرف موقع من إيران وبقية الدول المتأثرة سلباً بسياسة إيران.

وإذا تم حل هذه المشاكل بصورة دبلوماسية - ووفق مواثيق واتفاقيات ملزمة للأطراف، وتوضع لها خطوات عملية مع ضمانات عملية دولية - فإن المنطقة قد خطت خطوة متقدمة لاستقرارها، وحل مشاكلها بنفسها دون التدخل المباشر من غيرها.

فالوقت مناسب جداً للوصول الى حل داخلي صادق منضبط بالضوابط القانونية، والإقليمية.

ثالثاً: التركيز من قبل الجميع على وقف القتال ومنع انهيار المنظومة الأمنية في المنطقة، حيث تكون لذلك آثار سلبية مدمرة على الجميع.

رابعاً: التوعية بمخاطر المشروع الصهيوني التوسعي، ومخاطر الاحتلال من جديد، وحشد جميع الطاقات الاسلامية والعربية لمنع ذلك.

ومن أخطر آثار هذا المشروع إنهاء قضية فلسطين والمسجد الأقصى، والقدس، بالإضافة إلى القضاء على المشروع السني بأكمله.

وهذا يتطلب من الدول الإسلامية إخلاص النيات لله تعالى، والصدق، وإحياء الثقة بين قادة المسلمين، والتعاون؛ للوصول إلى الوحدة بين دولهم.

إن الأمة الإسلامية أمة عظيمة ولها إمكانيات كبيرة تستطيع أن تدافع عن نفسها، وتحقق نهضتها وتقدمها، وتدرأ المحتلين عنهم بشرط واحد، وهو الوحدة الحقيقية فيما بينهم، فأمتنا اليوم ودولها في مفترق الطرق؛ وأمام خطر وجودي، إما أن تكون إذا اتحدت، ومنعت المشروع الصهيوني، وإما أن لا تكون إذا ظلت متفرقة متمزقة وعندئذ يتحقق المشروع الصهيوني من النيل إلى الفرات، ويحكم الشرق الأوسط للوصول الى الهيمنة على العالم أجمع، نحن اليوم أمام مشروع محكم لفرض الاحتلال بالقوة، وفرض العملاء من الخارج بالقوة، وفرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية، والمسجد الاقصى،

فالحل هو ما ذكره الله تعالى من الوحدة، والجهاد بمعنى بذل كل الجهود للخروج من هذه  الأزمة الكبرى ؛فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (الصف 10- 13). 

والجهاد هنا هو بذل أقصى الجهد في جميع المجالات العسكرية، والاقتصادية، والالكترونية والسيبرانية، والاجتماعية، والإعلامية، لردع العدوان، وإبطال المشروع الصهيوني، وتحقيق النصر بإذن الله تعالى، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]،

وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صدق الله العظيم.

كتبه الفقير إلى ربه

أ.د. علي محيي الدين القره داغي

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الدوحة: 18 رمضان 1447هـ

 

الموافق: 07 مارس 2026م