أبعدت وزارة الأوقاف السورية أربعة من أفراد عائلة فرفور عن جميع المهام الإدارية والتدريسية في مجمع "الفتح الإسلامي"، الشهير في العاصمة دمشق، في خطوة تهدف كما يبدو إلى إعادة ترتيب أوراق المؤسسة الدينية في البلاد، والتي كان النظام المخلوع يعدّها رديفا لقواته، حيث بررت له ارتكاب عمليات قتل وتهجير بحق السوريين خلال الثورة.

وشمل القرار الذي صدر قبل أيام عميد العائلة المدعو حسام الدين فرفور، ونص على سحب الصلاحيات الإدارية والمالية من المستهدفين، مع إلزامهم تسليم الوثائق والمستندات كافة إلى الوزارة. وكان حسام الدين فرفور (75 عاما)، الذي ترأس مجمع "الفتح"، بعد تأسيسه من والده الشيخ محمد صالح فرفور، من أشد رجال الدين مناصرة للنظام المخلوع، في قمع الثورة عام 2011، وله خطب شهيرة في هذا الشأن، وصلت إلى حد "تأليه" الرئيس المخلوع بشار الأسد. وتندرج هذه الخطوة التي اعتبرها البعض متأخرة، ضمن مساعي وزارة الأوقاف في الحكومة السورية لإعادة ترتيب أوراق المؤسسة الدينية في البلاد، والتي عمل النظام السابق منذ عام 1963، على توظيفها لخدمة مخططاته من خلال ضبط الخطاب الديني في البلاد على أساس الولاء الكامل له، وتبرير سياساته.

وقرّب النظام المخلوع خلال سنوات الثورة ضده (العلماء) الذين تبنوا سرديته ودافعوا عنها على المنابر وفي المساجد التي كانت تخضع لتدقيق ومراقبة أمنية مستمرة. وتعليقا على كف يد حسام فرفور وأفراد من عائلته عن إدارة مجمع "الفتح"، قال الباحث في مركز "جسور" للدراسات، وائل علوان إن الخطوة جاءت "متأخرة"، مشيرا إلى أن من بين العلماء في المؤسسة الدينية "من برر وناصر الإبادة والتهجير اللذين قام بهما النظام البائد بحق السوريين". وأضاف: "من البديهي كف يد هؤلاء ومنعهم منعا تاما عن ممارسة أي دور في الشأن العام. هؤلاء خائنون للأمانة والمنابر التي كانوا يقفون عليها لأنهم ساندوا وناصروا ونافقوا للطغاة والمجرمين". وتابع: "الرأي العام في سورية مع منع ظهورهم في وسائل الإعلام بشكل كامل، بسبب موقفهم السلبي من المأساة التي مرت بها البلاد والعباد على مدى نحو 13 سنة".

واصطفت المؤسسة الدينية إلى جانب نظام الأسد الذي كان يعتبرها "رديفا"، لقواته، ما دفع العديد من العلماء الذين عارضوا حملة القمع الوحشي ضد الثورة إلى الخروج من البلاد، وأبرزهم شيخ القراء في دمشق كريّم راجح، والداعية المعروف محمد راتب النابلسي، والشيخ أسامة الرفاعي، والشيخ أحمد عيد الصياصنة خطيب الجامع العمري في درعا، وغيرهم.

 وكان النظام المخلوع ألغى استقلالية منصب المفتي العام للجمهورية من خلال إلحاقه بالسلطة السياسية بحيث أصبح يعين بمرسوم رئاسي. وفتح الباب أمام منتسبين لحزب "البعث" للدخول إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق ليتحولوا بعد ذلك إلى أبواق له ومدافعين عن سياساته وهو ما تجلى لاحقا خلال سنوات الثورة.

وعملت الحكومة السورية منذ تسلمها البلاد في ديسمبر 2024 على وضع ضوابط جديدة للمؤسسة الدينية، حيث أعادت منصب المفتي العام للجمهورية الذي كان النظام البائد ألغاه في عام 2021 ونقل صلاحياته إلى مجلس فقهي أنشأه في عام 2018، وضم رجال دين من الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة، في خطوة غير مسبوقة عُدّت محاولة لتبديل هوية سورية الدينية والمذهبية.

كما أوقفت وزارة الأوقاف في العام الفائت عددا من العلماء عن الخطابة في المساجد أيّام الجمع أو إعطاء دروس ومحاضرات بسبب موقفهم المؤيد للنظام المخلوع، من بينهم 26 خطيبا في العاصمة دمشق من أصل 500 خطيب، بحسب وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري والذي قال في حينه "كانت لهم مواقف مؤلمة"، مضيفا: "كان النظام يقتل أبناءنا بناء على فتاويهم".

وأعلن المجلس الإسلامي السوري الذي كان تشكّل خارج البلاد، حل نفسه العام الماضي، بعد تسلّم رئيسه، الشيخ أسامة الرفاعي، منصب المفتي العام للجمهورية العربية السورية ودمج معظم قيادات هذا المجلس الذي عارض النظام المخلوع، في الهيئات الحكومية والوزارات. وأثار حل المجلس الذي تشكل في إسطنبول عام 2014، جدلا واسعا في الشارع السوري، وجدد المخاوف من هيمنة أخرى للدولة على المؤسسة الدينية، وغياب كيانات مستقلة تحفظ التوازن الديني والاجتماعي في البلاد.