عند اعتقاله كان وزنه 120 كيلو جراما وبعد خروجه من سجون الاحتلال صار وزنه 60 كيلوجراما… هذه الكلمات تختصر حكاية الأسير الصحفي المحرر علي السمودي الذي قضى عاماً كاملاً من العذاب في سجون الاحتلال.
لم يكن خروجه من السجن لحظة انتصار على الاحتلال بقدر ما كان صدمة بصرية وإنسانية تكشف حجم إجرام الاحتلال خلف القضبان؛ جسد هزيل، ملامح مرهقة، وصمت يفضح ما لم تعد الكلمات قادرة على حمله، لا سيما وأنه بدا وكأن السجن لم يتركه، بل خرج معه، محفوراً في تفاصيل جسده وصوته.
عامٌ كامل من الاعتقال الإداري بسجون الاحتلال ترك آثاره العميقة على الرجل الذي دخل بوزن 120 كيلوجراماً، ليخرج وقد فقد نصفه. لم يكن ذلك مجرد رقم، بل دلالة صارخة على واقع يومي من التجويع والإهمال الطبي والاستنزاف البطيء.
يروي السمودي تفاصيل الحياة داخل سجون الاحتلال كما لو أنها مشهد لا ينتهي: طعام شحيح لا يسد الجوع، وبيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. "لا قلم، لا دفتر، ولا حتى ورقة"، يقولها وكأنه يتحدث عن حرمان يتجاوز الجسد ليطال الفكر والصوت.
ويصف المكان الذي قضى فيه أيامه بأنه "جهنم حقيقية ومقبرة للأحياء"، حيث تتداخل المعاناة الجسدية مع ضغط نفسي لا يهدأ، في واقع يختبر قدرة الإنسان على الصمود كل لحظة.
حتى لحظة الإفراج من سجون الاحتلال التي يمارس فيها كل صنوف الإجرام والتعذيب، لم تحمل طمأنينة كاملة؛ "أنا مش مصدق إني خرجت"، يقولها بذهول، وكأن الحرية نفسها أصبحت غريبة بعد عام من العزلة والقسوة.
ومن قلب هذه التجربة، وجّه نداءً إلى أهالي الأسرى والمؤسسات، مطالباً بعدم تركهم وحدهم في مواجهة هذا المصير، مؤكداً أن داخل السجون من لا يزالون "جوعى للحرية والكرامة"، ينتظرون من يراهم… ومن يروي قصتهم.
جريمة التجويع الممنهج
وفي هذا السياق قال نادي الأسير الفلسطيني إنّ السمودي خرج بهيئة مختلفة تماماً، نتيجة النقص الحاد في وزنه، جرّاء جريمة التجويع الممنهجة التي تمارسها منظومة السجون بحقّ آلاف الأسرى في سجون الاحتلال، إلى جانب ما تعرّض له من عمليات تنكيل وتعذيب، وحرمان من أبسط الحقوق الأساسية، فضلاً عن إخضاعه لعمليات نقل متكررة رافقتها اعتداءات متكررة بحقه.
وأضاف النادي في بيان صادر عنه، مساء اليوم الخميس، أنّ الصحفي السمودي يُعدّ واحداً من بين أكثر من (3530) معتقلاً إدارياً، ومن بين أكثر من (40) صحفياً/ة يواصل الاحتلال اعتقالهم، من بينهم أربع صحفيات، جميعهم يواجهون جريمة الإبادة داخل السجون التي تحوّلت إلى واحدة من أبرز ساحاتها المفتوحة.
وأكد نادي الأسير أنّ الاحتلال لم يتوقف يوماً عن استهداف الصحفيين عبر سياسات اعتقال منظمة ومتصاعدة، تهدف إلى خنق حرية الرأي والتعبير، وتحويلها إلى ساحة قمع ممنهج لإسكات أصواتهم، وذلك بالتوازي مع عمليات الاغتيال التي طالت أكثر من (260) صحفياً منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، إلى جانب التصاعد غير المسبوق في حملات الاعتقال مقارنة بمراحل سابقة شهدت انتفاضات وهبّات شعبية.
وجدد نادي الأسير مطالبته بالإفراج الفوري عن كل الصحفيين المعتقلين في سجون الاحتلال والكشف عن مصير صحفيي غزة المعتقلين الذين يواجهون جريمة الإخفاء القسري، كما دعا هيئة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية كافة إلى تحمّل مسئولياتها القانونية والإنسانية إزاء الجرائم التي ينفذها الاحتلال بحقّ الأسرى والمعتقلين، ووقف الاكتفاء بإصدار البيانات والتقارير التحذيرية، والعمل الجاد على إنهاء حالة العجز والتواطؤ الممنهج التي تتيح استمرار جريمة الإبادة والعدوان الشامل.
السمودي ليس استثناء
ولا تبدو حكاية السمودي استثناءً في واقع أوسع يعيشه آلاف الأسرى داخل سجون الاحتلال، حيث تشير معطيات مؤسسات الأسرى إلى وجود أكثر من 9600 أسير، بينهم مرضى وجرحى وأصحاب حالات صحية خطيرة. ويعاني أكثر من 1500 أسير من أمراض مختلفة، بينهم عشرات المصابين بأمراض مزمنة وخطيرة، في ظل شكاوى متواصلة من الإهمال الطبي ونقص العلاج.
كما توثق شهادات متكررة تعرض الأسرى لظروف قاسية تشمل التجويع، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، والعزل، والاعتداءات، إلى جانب الاكتظاظ داخل الزنازين. وتشير تقارير حقوقية إلى استشهاد أكثر من 100 أسير داخل السجون نتيجة هذه السياسات، في وقت يخرج فيه كثيرون بحالات صحية متدهورة، وبعضهم يفارق الحياة بعد الإفراج بفترة وجيزة.
في هذا المشهد، لا تبدو قصة السمودي سوى وجه من وجوه معاناة ممتدة، تختزلها أجساد أنهكها القيد، وأصوات تحاول النجاة بما تبقى من القدرة على الحكاية.