* ما الحكمة من تقبيل الحجر الأسود؟ أليس تقبيله يعدُّ تعظيمًا له، والتعظيم لون من ألوان العبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عزَّ وجلَّ؟
يجيب على الفتوى فضيلة الشيخ سعد فضل من علماء الأزهر الشريف
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
روى البخاري عن ابن عمر أنه سئل عن استلام الحجر الأسود، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسلمه ويقبله.
وعن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: "ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله" (متفق عليه).
وعن عمر: أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" (خ. م. أحمد وأبي داود والترمذي).
وقال الطبراني: إنما قال عمر ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت تفعل العرب في الجاهلية، فأراد أن يعلم الناس أن استلام الحجر اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته، كما كانوا يعبدون الأوثان هذا من ناحية العلم، وأما من ناحية الدين فالمؤمنون يعرفون تمام المعرفة أنه يقوم أول ما يقوم على الإيمان بالغيب: "في جانب الاعتقاد"، وعلى الخضوع والانقياد لأمر الله: "في جانب العمل" وهذا هو معنى لفظ الدين، ولفظ العبادة.
والإسلام باعتباره دينًا لا يخلو من جانب تعبدي محض، وإن كان أقل الأديان في ذلك- وفي الحج خاصة- كثيرًا من الأعمال التعبدية، ومنها تقبيل الحجر الأسود والأمور التعبدية هي التي تعقل حكمتها الكلية وإن لم يفهم معناها الجزئي، والحكمة العامة فيها حكمة التكليف نفسه، وهي ابتلاء الله لعباده ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
الأمور التعبدية هي التي تكشف عن العبودية الصادقة لله من العبودية الزائفة للعبد الصادق يقول عند أمر الله مقالة الرسول والمؤمنين (سمعنا وأطعنا) والعبد المتمرد على ربه يقول ما قاله اليهود من قبل (سمعنا وعصينا) ولو كان ما يكلف به العبد مفهوم الحكمة للعقل جملةً وتفصيلاً، لكان الإنسان حينما يتمثل إنما يطيع عقله قبل أن يكون مطيعًا لربه، وحسب المسلم أنه وحين يطوف بالبيت، أو يستلم الحجر يعتقد أن هذا البيت فيه أثر من آثار إبراهيم عليه السلام، وهو محطم الأصنام، ورسول التوحيد وأب الملة الحنيفية السمحة ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾ (النحل).
والله تعالى أعلم.