تقضي الفلسطينية إيمان عسلية، النازحة من شمال قطاع غزة، ساعات طويلة يومياً أمام موقد نار بدائي لإعداد الطعام لأطفالها، في ظل أزمة خانقة في غاز الطهي وشح البدائل نتيجة الحصار والتضييق الصهيونيين المستمرين على القطاع.

وتستخدم عسلية نفايات البلاستيك والكرتون لإشعال النار داخل خيمتها المقامة على قارعة أحد الطرق بمدينة غزة، ما يضطرها إلى استنشاق الغازات السامة المنبعثة منها، متسبباً لها بمشكلات صحية متفاقمة لم تتعاف منها حتى الآن.

وتُعد عسلية واحدة من مئات آلاف الفلسطينيين الذين اضطروا إلى العودة لاستخدام الحطب والنفايات لإعداد الطعام، مع تفاقم أزمة غاز الطهي منذ اندلاع الحرب الصهيونية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، بفعل القيود المشددة على المعابر ومنع إدخال الأخشاب المستخدمة بديلاً للغاز.

وتفاقمت الأزمة مؤخراً مع الحرب الصهيونية الأمريكية على إيران التي بدأت في 28 فبراير الماضي، إذ فرض الاحتلال قيوداً إضافية على المعابر، ما أدى إلى تقليص كميات الغاز المحدودة أصلاً إلى النصف، وفق مصادر محلية.

ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، سمح الاحتلال بدخول ما بين 5 و9 شاحنات غاز يومياً، فيما انخفض العدد أحياناً إلى 4 شاحنات فقط، إضافة إلى فترات إغلاق متقطع للمعابر لم يدخل خلالها أي غاز.

ولا تغطي هذه الكميات سوى 30% من احتياجات القطاع اليومية، وفق ما أكده مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة لوكالة الأناضول، رغم أن الاتفاق نص على إدخال 50 شاحنة وقود وغاز طهي يومياً.

النار أكلت صحتي

داخل خيمتها الضيقة التي تؤوي تسعة أفراد، بينهم مسن مقعد، تجمع إيمان عسلية قطع الكرتون والبلاستيك من القمامة لإشعال النار، بعدما بات شراء الحطب أمراً يفوق قدرتها المالية.

وتقول للأناضول: "الحصول على أسطوانة غاز أصبح حلماً بعيد المنال.. إشعال النار صار جزءاً من تفاصيل حياتي، لقد أكلت النار صحتي".

وتضيف، بينما يخنقها الدخان: "أولادي يحتاجون إلى الطعام والحليب، وأضطر لإشعال النار ليلاً ونهاراً، حتى أصبحت أعاني من مشكلات في الجهاز التنفسي".

وأشارت إلى أنها تعرضت أكثر من مرة للاختناق وفقدان الوعي نتيجة الغازات السامة، لكنها تؤكد أنه "لا بديل آخر" في ظل استمرار الأزمة. وحذرت من أن الأوضاع قد تصبح أكثر صعوبة مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام.

انتظار طويل لكميات محدودة

وفي مشهد يعكس حجم الأزمة، وقف الفلسطيني "أبو فادي" أمام أحد موزعي الغاز فرحاً بحصوله على أسطوانة نصف ممتلئة، بعد أكثر من شهرين من الانتظار.

وقال للأناضول إن الكمية التي حصل عليها “لا تكفي سوى لأيام قليلة”، مضيفاً: "بعدها نعود لإشعال النار مجدداً، لذلك نستخدم الغاز للضرورة فقط".

وأوضح أن إشعال النار أصبح معاناة يومية بسبب شح المواد المستخدمة للإيقاد، خاصة مع نفاد الأخشاب والبلاستيك داخل القطاع ومنع الاحتلال إدخال الأخشاب منذ بدء الحرب.

وتُوزع الكميات المحدودة التي تصل إلى غزة عبر نظام محوسب، يضطر السكان بموجبه إلى انتظار طويل للحصول على بضعة كيلوجرامات فقط من الغاز، بحسب الهيئة العامة للبترول في غزة.

وحذرت الهيئة في بيانات سابقة من أن استمرار الأزمة يمثل "كارثة محققة" تهدد الأمنين الغذائي والصحي، وتعطل خدمات إنسانية أساسية.

بدوره، وصف مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة أزمة غاز الطهي بأنها وصلت إلى مستويات "كارثية وغير مسبوقة" بسبب سياسة التقليص الصهيونية.

وقال إن القطاع كان يعاني أصلاً من عجز يقدّر بنحو 70% من احتياجاته خلال فترة وقف إطلاق النار، قبل أن تتفاقم الأزمة مع استمرار تقليص الإمدادات ووقفها كلياً في بعض الفترات.

وأضاف أن الاحتلال يستخدم الغاز "أداة ضغط وعقاب جماعي" ضد الفلسطينيين، ما انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان والنازحين، وأدى إلى تفاقم معاناة المستشفيات والمخابز والمطابخ الجماعية.

وأكد الثوابتة أن الاحتلال لم يلتزم إلا بأقل من 30% من بنود اتفاق وقف إطلاق النار المتعلقة بالوقود وغاز الطهي، مشيراً إلى أن هذه الشحنات كانت الأكثر تعرضاً للتعطيل والتأخير.

وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أعلن، حتى 14 أبريل الماضي، تسجيل 2400 خرق صهيوني لاتفاق وقف إطلاق النار، شملت القتل والاعتقال والحصار والتجويع.

وأوضح أن الاحتلال سمح بدخول 37% فقط من المساعدات والوقود المنصوص عليها في الاتفاق، إذ دخل القطاع 41 ألفاً و714 شاحنة من أصل 110 آلاف و400 شاحنة، بمتوسط يومي بلغ 227 شاحنة، برغم أن الاتفاق ينص على دخول 600 شاحنة مساعدات و50 شاحنة وقود وغاز يومياً.

ومنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، خلّف العدوان أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف مصاب، إضافة إلى دمار واسع طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع.