وائل قنديل

كأن الأمر لم يعد يعني أحدًا من دول النظام العربي، حين تكون غزّة/ فلسطين ذروة الحدث وموضوع القصّة، إذ لم يسمع أحد صوتاً أو يقرأ بياناً صادرًاً عن دول عربية، منفردة أو مجتمعة، يعلق على الانتهاكات الإسرائيلية بحق المشاركين في النسخة الجديدة من أسطول الصمود قبل أيام. وقد بلغت حد الجرائم هذه المرّة، بالنظر إلى مشاهد التعذيب التي أظهرت سلطات الكيان الصهيوني تمارس تنكيلاً جسديّاً ونفسيّاً بحق الناشطين المختطفين من عرض البحر إلى سجون الاحتلال، وعلى ضوء، كذلك ما رواه الضحايا من فظائع وصلت إلى الاعتداءات الجنسية. كان ضمن أبطال الصمود الإنساني عرب، وأوروبيون من أصول عربية، وكانت الجريمة الإسرائيلية هذه المرّة الأبشع بالمقارنة مع موجات سابقة من محاولات كسر الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في غزّة.

على الرغم من هذا تخلو جردة ردات الفعل الدولية من أي أثر لإدانة عربية، في وقتٍ بادرت دول أوروبية باتخاذ إجراءات دبلوماسية ضد الإرهاب الصهيوني الذي قاده الوزير إيتمار بن غفير ضد 422 ناشطاً من جنسيات مختلفة، أحدهم دبلوماسي مصري سابق، جرى اعتقالهم وتعذيبهم في سجون الاحتلال قبل ترحيلهم من مطار رامون الإسرائيلي إلى مطار إسطنبول، بعد أن شاهد العالم كله فصول جريمة الانتهاكات الإسرائيلية، من الضرب المبرّح، والسحل، والصعق بالكهرباء، والتحرّش والاعتداء الجسدي، والاحتجاز في حاويات معدنية “قذرة”، مع الحرمان من الطعام والماء ومستلزمات النظافة.

تركيا التي استقبلت النشطاء المرحّلين قبل أن يعودوا إلى بلدانهم ندّدت باعتراض قوات الاحتلال للأسطول، بوصفه من أعمال القرصنة، وكذلك فعلت إسبانيا التي كانت صاحبة الموقف الأوضح والأقوى في إدانة هذا الإرهاب، إرهاب الدولة الذي جرت وقائع ممارسته تحت الإشراف المباشر من وزير الأمن الصهيوني الذي نشر مشاهد تنكيله بالمعتقلين. بعض الدول الأوروبية التي شارك بعض مواطنيها في الرحلة إلى غزّة اتخذت إجراءات دبلوماسية تمثلت في استدعاء سفراء الكيان الصهيوني لديها وتسجيل احتجاجها، فضلًا عن تلويح بمنع وزير الأمن الصهيوني من دخول أراضيها. أما الدول الأوروبية الصديقة للاحتلال، والأخرى المنحازة له على طول الخط، فركّزت على ممارسات بن غفير، ذرًاً للرماد في العيون، من دون أن تعلق على الجريمة الأكبر، وهي الهجوم العسكري على نشطاء مدنيين أبحروا بقوارب المساعدات الإنسانية صوب شعب كامل يتعرض لعمليات إبادة منذ ثلاث سنوات، ويخضع لحصار خانق بعد أن فقد أكثر من سبعين ألف إنسان في عمليات القصف الصهيوني، فيما ذهب شركاء الاحتلال ورعاة جرائمه، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة إلى إدانة أسطول الصمود أولًا، ثم استنكار فيديو بن غفير ثانياً.

على الجانب الآخر، انفردت الدول العربية بالصمت حيال هذا الإرهاب المنظم، الأمر الذي أثار دهشة أحرار العالم، ومنهم مقرّرة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا ألبانيزي، التي صرخت "حان الوقت للدول العربية كي توقف تعاونها مع إسرائيل وتضغط عليها"، غير أنها، وكالعادة، صرخة في صحراء من الخذلان والبلادة والانسحاب التام من الموضوع الفلسطيني، الذي جرى تسليمه إلى دونالد ترامب، رئيس ذلك الكيان العجيب المسمّى "مجلس السلام"، وباتوا يتعاطون معه باعتباره المتصرّف الوحيد في شؤون غزّة ولبنان وسائر عموم المنطقة.

الخشية من أن تجد ألبانيزي نفسها في مرمى حملات هجوم عربية، على اعتبار أنها تتدخّل في شؤونها الداخلية، وتنتهك سيادتها حين تطالبها بالتوقف عن التعاون مع الكيان الصهيوني.

المصدر: العربي الجديد