شهدت مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي الخامنئي حضورًا لافتًا لمجموعة من الرموز الدينية والسياسية التي أثارت اهتمام المراقبين، بدءًا من الآيات القرآنية التي استُخدمت لاستقبال الوفود، مرورًا بالألوان والملابس، ووصولًا إلى طبيعة التمثيل الدبلوماسي وترتيبات المراسم، في مشاهد اعتبرها مراقبون رسائل تتجاوز الطابع البروتوكولي.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط في الجامعة الوطنية الأسترالية، الدكتور علم صالح، ، دلالات هذه الرموز، وكيف توظفها طهران ضمن ما يصفه بـ"الدبلوماسية الإيرانية" لإيصال رسائل سياسية ودينية وأمنية إلى الداخل والخارج.
وأكد الدكتور صالح لـ"عربي21"، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دأبت على استثمار المنا سبات الكبرى، ومنها مراسم التشييع، لتحقيق أهداف سياسية وثقافية ودينية وأمنية، موضحًا أن تشييع الشخصيات البارزة يشكل جزءًا مما وصفه بـ"الدبلوماسية الإيرانية".
وقال إن قضية تشييع الجثمان كانت دائمًا في التاريخ الإيراني المعاصر، وليس في عهد الجمهورية الإسلامية فقط، جزءًا من العمل الدبلوماسي، مشيرًا إلى أن اختيار مكان صلاة الجنازة، وموقع الدفن، والجهة التي تؤم الصلاة، فضلًا عن اختيار الآيات القرآنية، كلها تحمل دلالات سياسية واضحة.
وأضاف أن اختيار الزمان والمكان والأشخاص وحتى الشعارات ليس أمرًا عشوائيًا، وإنما يخضع لحسابات سياسية، لافتًا إلى أن إيران سبق أن استخدمت آيات قرآنية مختارة خلال قمة رؤساء الدول الإسلامية التي استضافتها طهران قبل نحو ثلاثة عقود، بما يتناسب مع الرسائل التي أرادت إيصالها آنذاك.
الوفد السعودي
وفي تعليقه على الجدل الذي رافق استقبال الوفد السعودي، أوضح صالح أن مراسم التشييع جاءت عقب واحدة من أكبر أزمات الشرق الأوسط منذ عقود، مؤكدًا أن حضور الوفد السعودي بحد ذاته يحمل أهمية سياسية.
وأضاف أن اللون الأبيض الذي ارتداه الوفد السعودي يرمز إلى الصلح والسلام، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، مشيرًا إلى أن دولًا عربية تعرضت أيضًا لضربات خلال المواجهة، ما قد يمنح هذا اللون دلالة مرتبطة بالسلام. وأوضح أن كثيرًا من الوفود الأخرى لم ترتدِ اللون الأسود، كما أن ارتداء الأسود بوصفه رمزًا للحزن والعزاء يختلف باختلاف الثقافات.
وشدد صالح على أن هذه الرموز قد تكون ذات أهمية إعلامية، لكنها لا تحدد طبيعة العلاقات الإيرانية السعودية، موضحًا أن ما يحكم هذه العلاقات هو ما جرى على أرض الواقع بعد الحرب، وليس الرسائل الرمزية وحدها.
وأضاف أن المنطقة لم يعد فيها الكثير من الملفات الخفية بعد الحرب، في ظل وجود خلافات بنيوية كبيرة، إلى جانب فرص لإعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي، مؤكدًا أن طبيعة العلاقات الإقليمية تحددها المعادلات السياسية والأمنية والعسكرية على الأرض أكثر من المظاهر البروتوكولية.
رسائل هامة
ورأى صالح أن من أبرز الرسائل التي حملتها مراسم التشييع عدم توجيه دعوات إلى الدول الأوروبية، معتبرًا أن ذلك يعكس رؤية طهران بأن تلك الدول كانت منخرطة في الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأشار إلى أن مستوى تمثيل وفود دول المنطقة كان أقل مما كانت تتوقعه إيران، موضحًا أن طهران كانت تنتظر مشاركة رؤساء دول أو على الأقل وزراء خارجية، وهو ما لم يحدث.
وأضاف أن ذلك يعكس استمرار حالة الحرب في المنطقة، في ظل تعرض بعض الدول لضربات إيرانية ومشاركة دول أخرى بصورة أو بأخرى في المواجهة، لافتًا إلى أن المنطقة تمر بمرحلة استثنائية تجعل حتى الرموز الصغيرة ذات دلالة، مع التأكيد أن العلاقات الدولية تبقى محكومة بالواقع السياسي.
وأكد صالح أن الحرب الأخيرة أحدثت تغيرات بنيوية في العلاقات الإيرانية العربية، والعلاقات العربية الأمريكية والصهيونية، وحتى العلاقات العربية - العربية، معتبرًا أن الأحداث التاريخية الكبرى تترك آثارًا هيكلية تتجاوز الرموز، برغم أهمية هذه الأخيرة.
وفي قراءته لمشهد المشاركة الواسعة في مراسم التشييع، قال صالح إن الحضور الإيراني الكبير، إلى جانب المراسم التي تقام في مدن عراقية مثل النجف وكربلاء، يبعث برسالة واضحة إلى الولايات المتحدة مفادها أن الشعب الإيراني، رغم وجود احتجاجات داخلية، يقف في نهاية المطاف في مواجهة أي عدوان خارجي.
وأضاف أن الإيرانيين رأوا أن الحرب لم تستهدف تحسين أوضاعهم، بل استهدفت منشآت وأهدافًا مدنية وغير عسكرية، وأدت إلى سقوط مئات الأطفال والنساء وآلاف المدنيين، دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها الأطراف المهاجمة.
وأوضح أن الحرب أسهمت، من وجهة نظره، في توحيد الصفوف داخل إيران، سواء على مستوى العلاقة بين الشعب والحكومة أو بين مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية حافظت على تماسكها خلال الحرب وبعدها.
وقال إن هذه تعد أكبر رسالة موجهة إلى الولايات المتحدة، لأن الرهان كان يقوم على أن تؤدي الضربات الأمريكية والصهيونية إلى إسقاط النظام أو إشعال احتجاجات واسعة، وهو ما لم يحدث، بل ظهر الإيرانيون، بحسب وصفه، أكثر تماسكًا واصطفافًا إلى جانب الحكومة.
الرموز الدينية
وفي ما يتعلق بتأثير الرموز الدينية على المجتمع الإيراني، أوضح صالح أن فهم هذه الظاهرة يتطلب إدراك عمق تجذرها في الثقافة الشيعية، التي تقوم على منظومة خاصة من الرموز والمفردات ذات الأبعاد العاطفية والأيديولوجية، وفي مقدمتها مفهوم الشهادة.
وأضاف أن "الشيعة ينظرون إلى الإمام الحسين، رغم مقتله، بوصفه منتصرًا بعد أكثر من 1400 عام"، معتبرًا أن هذا المفهوم ينعكس أيضًا في قراءة الأحداث الراهنة، حيث يُنظر إلى التضحية باعتبارها انتصارًا معنويًا لا ماديًا.
وأشار إلى أن مفاهيم الدم والشهادة والإيثار والفداء والشعور التاريخي بالمظلومية تشكل جزءًا أصيلًا من الثقافة الشيعية، لافتًا إلى أن كثيرًا من الإيرانيين ينظرون إلى الحرب الأخيرة من هذا المنظور.
وأكد أن الألوان الأحمر والأخضر والأسود، إلى جانب مراسم العزاء، والأناشيد، والأشعار، والآيات القرآنية، والأدعية، تحمل دلالات تاريخية عميقة في الثقافة الشيعية، وتستخدم لإبراز الرسالة التاريخية الإيرانية الشيعية، سواء للجمهور الإيراني أو للخارج.