عبد الله مكرم بيرقدار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

إن الشباب هم عماد كل أمة، والركيزة الأولى التي تُبنى عليها إرادة الشعوب ومستقبلها؛ فمتى استقامت عزائمهم واستنارت بواطنهم بفخر الانتماء لهويتهم، انهارت أمامهم أعتى صنوف التحديات. غير أن الناظر في واقع كثير من أبناء جيلنا اليوم يلمس ابتلاءً فكرياً ونفسياً خطيراً يتسلل إلى النفوس فيضعف فاعليتها؛ إنه داء الهزيمة النفسية الذي أطفأ جذوة العطاء، ورمى بالروح في ظلمات التبعية والاستكانة.

وإن أشد أشكال هذه الهزيمة خطورة هو ذلك الشعور الخفي بالدونية، وفقدان الاعتزاز بالدين وثوابته؛ إذ أضحى بعض الشباب يتعامل مع إسلامه وكأن فيه نقصاً يوجب التواري، أو عيباً يحتاج إلى الاعتذار والمسوّغات! فتجد الشاب يتحرج من إظهار شعائر دينه ومظاهره الجلية أمام الآخرين؛ يتلعثم حين يُسأل عن أحكام شريعته، ويتوارى عن إقامة صلاته أو التمسك بأخلاقه وقيمه في المحافل العامة، خفية أن يُتهم بالرجعية أو التخلف أو عدم مواكبة العصر، وكأن الحق الصريح الذي يحمله بات بحاجة إلى إذن ومصادقة من الشرق أو الغرب كي يحظى بالقبول والشرعية

إن هذا الضمور في الاعتزاز يفتح الباب واسعاً للانبهار الأعمى بالموجات المادية الوافدة، وتتبع أنماط الحياة الغربية أو الشرقية دون تمحيص ولا وعي؛ حيث يظن المنهزم نفسياً أن الحضارة والتقدم لا يتحققان إلا بالانسلاخ من الأصول والذوبان في ثقافة الغير. وما هذا إلا وهم كبير وانسحاق فكري؛ فالأمة التي يخجل شبابها من الانتماء لدينها وشريعتها، تُسلب إرادتها وسيادتها الحضارية قبل أن تُسلب ثرواتها، وتتحول إلى مجرد صدى لغيرها تعيش على هامش التاريخ بلا أصل ولا أثر

ومع تزايد ضغط هذه الموجات المادية الجارفة وتطاول أمد المحن، يقع الشباب في داء “غياب الروح”؛ فتتحول القلوب عن خشوعها وحرارتها، وتستسلم النفوس لثقافة القعود والتبرير بشعارات واهية، كادعاء “التكيف مع الواقع” أو “مسايرة العصر”، فتتسع بذلك البطالة الفكرية والدعوية، ويقل تدريجياً من يحمل الهم الحقيقي لإصلاح أمتهم ونفوسهم

وعندما تتملك الهزيمة النفسية وغياب الروح من الشاب، لا يقف الأثر عند حدود الفكر، بل ينعكس على سلوكه وأهدافه في الحياة؛ ومن أبرز ذلك

  *ضياع الغاية والرسالة: فيتحول الشاب من صاحب رسالة سامية يحمل هم أمة ويسعى لرفعتها، إلى فرد يستغرق كلياً في الجري وراء أسباب الحياة المادية المريحة، ليصبح أداؤه روتينياً كالموظف الفاقد للحماس، يترقب الفرص للهروب دون أن ينشغل بأي أثر نفعي أو دعوي في مجتمعه

*السيولة الفكرية والانخزام: يصبح الشاب عرضة لكل الشبهات، فيتأثر بكل تجربة غالبة حتى وإن تخلت عن ثوابت الدين، فيتقلب مع كل موجة سائدة دون أرضية صلبة يقف عليها

ولكي نتجاوز هذا النفق المظلم، فلا بد من سبيل للنهوض واستعادة الثقة؛ إن الخروج من الهزيمة النفسية يتطلب وقفة مكاشفة جادة وإعادة بناء شاملة للوعي والروح، ترتكز على خطوات عملية

*ترسيخ الفخر بالهوية والأصالة: العودة الصادقة لفهم محاسن هذا الدين وقيمه الحضارية، وإدراك أن الإسلام جاء ليحرر العقل والإنسان، وليس ليكون موضع دفاع واعتذار.

  *إبراز مظاهر الدين وشعائره بشجاعة: أن يمارس الشاب معتقده وسلوكه الإيجابي باعتزاز ودون حرج، معتبراً التزامه بمبادئه مصدر قوة وشرف لا مبرراً للاختباء.

*إحياء روح الإيمان في القلوب: ترتيب بيت النفس من الداخل، وتجديد الصلة بالله والقرآن الكريم، ليتحول الفكر إلى عمل نافع، والكلمة إلى حركة تؤثر في الآخرين ولا تقف عند حدود الآذان

إن دواء هذه الأزمة يكمن في إدراك أن الاعتزاز بالدين ليس جموداً ولا تعصباً، بل هو مصدر القوة والحرية الحقيقية؛ ومتى ما استعاد الشباب فخرهم بمرجعيتهم، وأظهروا قيمهم وأخلاقهم بشجاعة، فإنهم سيضعون القدم الأولى على طريق النهوض واستعادة مكانة الأمة . والحمد لله