أمام طبيعة جغرافية قاسية ومساحات ممتدة فرضت نمطا غير تقليدي من المعارك، بدأ الجيش السوداني تحديث منظومته البرية بآليات أكثر ملاءمة للميدان، في مسعى لإعادة رسم قواعد الاشتباك وتوفير استجابة سريعة لنمط حرب المناورة الدائرة في البلاد.
وقد دخلت المواجهات العسكرية في السودان بالفعل مرحلة جديدة، مع تمكن الجيش من الحصول على أسلحة نوعية ضمت مدرعات باكستانية الصنع تتواءم مع الجغرافيا السودانية، بالإضافة إلى سرب من المسيرات.
100 مدرعة باكستانية
وفي هذا الإطار ذكرت تقارير صحفية سودانية أن الجيش السوداني تسلم قبل أسابيع مدرعات باكستانية الصنع، يطلق عليها اسم "محافظ" تمتاز بالخفة وسرعة الحركة وتُنتجها مؤسسة الصناعات الحربية الباكستانية.
وقالت صحيفة "سودان تربيون" أن الجيش السوداني تسلم 100 مدرعة من هذا النوع وهو ما يوفر للقوات البرية السودانية التحرك على متن مدرعات مخصصة للمهام الشاقة تتواءم مع طبيعة الأرض في كردفان ودارفور.
ولم توضح الصحيفة طبيعة صفقة المدرعات هذه وما إذا كان الجيش السوداني اقتناها بموارده الخاصة أم أنه حصل عليها بدعم من أطراف أخرى.
وتمنح هذه المدرعات الجيش السوداني سهولة فائقة في الحركة والانتشار والتراجع وفي الصيانة وتوفر قطع الغيار في البيئة الميدانية السودانية.
وأوضحت الصحيفة أن هذه المدرعات توفر حماية باليستية بمستوى B6/B7، وهي مخصصة للتصدي للنيران الخفيفة والمتوسطة وشظايا القذائف، إضافة إلى حماية طاقم المشاة وقوافل الإمداد أثناء التنقل في المناطق القتالية.
مسيّرات "شاهبار"
ولم تقتصر الصفقات الأخيرة على السلاح البري، بل امتدت لتشمل تعزيز القدرات الجوية للجيش السوداني عبر استيراد طائرات مسيّرة للاستطلاع والهجوم من طرازات متعددة، أبرزها مسيّرات "شاهبار"
وتعد هذه الطائرات من أبرز المنظومات التكتيكية التي طورتها شركة الحلول الوطنية للدفاع الباكستانية بالتشارك مع هيئة الأبحاث العلمية والتكنولوجية.
وتمنح مسيّرات "شاهبار" القوات المسلحة السودانية قدرات استطلاعية دقيقة ورصدا لتحركات القوات المعادية، فضلا عن توجيه ضربات مركزة ضد الآليات السريعة.
وإلى جانب المنظومات المسيرة، تضمن التسليح الجديد توفير قطع غيار لطائرات التدريب والهجوم الخفيف من طراز (K-8) الباكستانية-الصينية المشتركة، التي يمتلك الجيش السوداني أسطولا منها مما يضمن رفع الجاهزية العملية لسلاح الجو واستمرار طلعاته الإسنادية.
ويسعى الجيش السوداني إلى بناء منظومة تسليح متوازنة ومستدامة قادرة على التعامل مع متطلبات الحرب الممتدة.
من يقف خلف صفقة التسليح؟
يرى الخبير الأمني والاستراتيجي ومدير "مركز رؤية للدراسات"، سليمان الشيخ حمدي، أن تحليل التحول في تسليح القوات المسلحة السودانية ينبغي أن ينطلق من معطى أساسي يتلخص في أن الجيش السوداني لا يمتلك الموارد المالية الضخمة التي تمكنه من تمويل صفقات تسليح باهظة الثمن بمفرده.
وأشار في تصريح لـ"عربي21" إلى أنه ومن هذا المنطلق، كانت المملكة العربية السعودية هي المتكفل الرئيسي أو الضامن المالي لتسليح الجيش.
وأوضح الشيخ حمدي أن هذا الدور منح الرياض قدرة على ممارسة ضغوط على الجانب السوداني في مراحل سابقة، حيث رفضت تمويل أو تمرير شحنات من الأسلحة والذخائر للجيش مع بداية اجتياح مليشيا الدعم السريع للخرطوم، وذلك مراعاةً للتقارب السعودي-الإماراتي في تلك الفترة، غير أن الفتور الذي طرأ لاحقا على العلاقات بين الرياض وأبوظبي دفع السعودية إلى إعادة تقييم مواقفها ومراجعة سياساتها الإقليمية.
ويضيف مدير مركز "مركز رؤية للدراسات" أن وصول هذه الشحنات من باكستان التي تُعد حليفا استراتيجيا وثيقا للرياض، يعني إما أن السعودية قدمت التمويل المباشر لهذه الصفقات، أو أنها على الأقل أعطت الضوء الأخضر لإتمامها.
بداية مسار جديد
ويمثل دخول مدرعات "محافظ" والمسيّرات الباكستانية إدراكا متزايدا لدى القيادة العسكرية السودانية لطبيعة الحرب الحالية، والتي تعتمد في جزء كبير منها على سرعة المناورة والتنقل عبر مركبات الدفع الرباعي الخفيفة التي تستخدمها مليشيا الدعم السريع، فالاعتماد التقليدي على المدرعات الثقيلة والدبابات واجه تحديات لوجستية وجغرافية في الأراضي المفتوحة.
ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي ومدير "مركز رؤية للدراسات"، سليمان الشيخ حمدي، أن هذا التسليح بغض النظر على الجهة التي تقف خلفه إلا أنه يعد بداية لمسار جديد في الحرب السودانية لصالح القوات المسلحة السودانية.
ولفت الخبير الأمني في حديثه لـ"عربي21" إلى أن هذه المنظومات التسليحية الجديدة بدأ تأثيرها ينعكس بشكل مباشر وحاسم على أرض المعركة.
وأضاف: "بدأنا نلاحظ تراجعا ميدانيا لقوات الدعم السريع واتساعا في نطاق الانشقاقات داخل صفوفها، مقابل تمكن الجيش السوداني من استعادة المبادرة، وبسط سيطرته على مزيد من المناطق والمواقع الاستراتيجية".
وقبل أيام أعلنت قوة عسكرية تابعة لـ"الدعم السريع "وتحديدا ما يعرف بـ"المجموعة 26"، استسلامها وتسليم نفسها بكامل عتادها للقوات المسلحة السودانية.
وقد استقبلت المجموعة من طرف القائد المنشق عن الدعم السريع النور أحمد آدم، المعروف بـ"النور القبة" الذي قال في تصريحات صحفية إن عمليات الاستلام المماثلة متواصلة، وأن عددا من أفراد مليشيا الدعم السريع انضموا إلى القوات المسلحة خلال الفترة الماضية.
وأضاف أن "الميليشيا تفتقر إلى المبادئ والقضية والاستراتيجية"، معتبرا أن الدعم الكبير الذي تتلقاه من جهات أجنبية لن يغيّر من نتائج المعركة، وأن أهدافها لا تتجاوز المصالح الشخصية.
وفي سياق متصل أظهرت الانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش السوداني والقوات المساندة له في محور ولاية شمال كردفان حجم الإسناد اللوجستي الأجنبي الضخم الذي كانت تعتمد عليه مليشيا الدعم السريع.
فبعد المعارك العنيفة التي أفضت إلى استعادة السيطرة على مدن إستراتيجية وحيوية مثل "بارا" و"جبرة الشيخ" فرت قوات الدعم السريع مخلفة وراءها خسائر فادحة وترسانة عسكرية متطورة.
وقد عثرت القوات المسلحة السودانية في مخازن الدعم السريع، وتحديدا في مدينة جبرة الشيخ، على طائرات مسيّرة، وأنظمة دفاع جوي، وأجهزة تشويش واتصالات متقدمة، فضلا عن مركبات مصفحة وصواريخ مضادة للدروع وكميات كبيرة من الذخائر.
تجدر الإشارة إلى أنه منذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني ومليشيا "الدعم السريع" حربا أسفرت، بحسب تقديرات أممية، عن مقتل الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، فيما تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.