طالبت حركة حماس المحكمة الجنائية الدولية والهيئات الأممية والمؤسسات الحقوقية المختصة بفتح مسارات تحقيق وتوثيق لما كشفه الفيلم الوثائقي"نازا"  من شهادات لعسكريين وعناصر استخبارات صهاينة سابقين وحاليين، بشأن آليات الاستهداف والقصف في قطاع غزة، معتبرة أن ما ورد فيه يستوجب أن يتحول من مادة وثائقية إلى أدلة تخضع للتحقيق والمساءلة.

وقالت الحركة، في تصريح صحفي، اليوم الثلاثاء، إن العالم تابع بغضب بالغ عرض الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وما تضمنه من شهادات مباشرة لـ24 من عناصر وضباط الجيش والاستخبارات حول عمليات الاستهداف في غزة، وما وإقرارات خطيرة بشأن قتل المدنيين الفلسطينيين.

وترى الحركة أن أهمية هذه الشهادات تكمن في صدورها عن أشخاص عملوا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الصهيونية وشاركوا في منظومات المراقبة والاستهداف، داعية إلى توثيقها والاستفادة منها في التحقيقات المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة في القطاع.

وأكدت حماس أن ما كشفه "نازا" ينبغي ألا يبقى مجرد مادة للمشاهدة والتعاطف، بل أن يتحول إلى دافع إضافي للتحقيق والمحاسبة وإنصاف الضحايا وضمان عدم إفلات المسئولين عن جرائم الحرب والانتهاكات من المساءلة.

ماذا يكشف "نازا"؟

الفيلم، الذي تبلغ مدته 80 دقيقة، من إخراج الصحفيين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من مخرجي الفيلم الوثائقي الحائز جائزة أوسكار "لا أرض أخرى"، وأُضيف "نازا" إلى المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية في أغسطس، وعُرض للمرة الأولى في 10 سبتمبر الجاري، قبل أن يحصل لاحقاً على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في المهرجان.

وبُني الفيلم على مقابلات سرية أُجريت على مدى نحو ثلاث سنوات مع 24 جندياً وعنصراً في الاستخبارات العسكرية الصهيونية، أخفيت هوياتهم، وتحدثوا عن أنظمة المراقبة وتحديد الأهداف واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات القصف.

واختار المخرجان التصوير ليلاً فوق أسطح في تل أبيب، مع إخفاء هوية المشاركين، في محاولة لتوفير مساحة آمنة لهم للحديث عن تجربتهم داخل منظومة الاستهداف.

ويشير عنوان الفيلم إلى مصطلح عسكري صهيوني يُستخدم للإشارة إلى الخسائر المدنية المتوقعة بوصفها "أضراراً جانبية"، بحسب مصادر الفيلم والتغطية الصحفية التي رافقت عرضه.

وتتطرق الشهادات إلى منظومات المراقبة والاستهداف، بينها أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وإلى الطريقة التي تُتخذ بها قرارات القصف ومدى احتساب وجود المدنيين في المناطق المستهدفة.

وتعرض هذه الشهادات، وفق ما خلص إليه الفيلم، صورة عن منظومة عسكرية يكون فيها سقوط أعداد من المدنيين نتيجة متوقعة للهجمات الإجرامية الصهيونية.

25 دقيقة من التصفيق

وأثار عرض "نازا" في البندقية تفاعلاً واسعاً، إذ تلقاه جمهور قاعة العرض بتصفيق وقوفاً استمر نحو 25 دقيقة، في أطول تصفيق مسجل في تاريخ المهرجان، متجاوزاً الرقم الذي سجله فيلم “صوت هند رجب” في دورة العام الماضي. كما ظهرت أعلام فلسطينية بين الجمهور خلال التحية التي أعقبت العرض.

ولم يتوقف حضور الفيلم عند رد فعل الجمهور؛ فقد نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية، كما حصل على عدد من الجوائز الموازية في المهرجان، بينها جائزة "جرين دروب”، وجائزة طلاب "إيديبـو ري”.

ويكتسب الفيلم ثقله أيضاً من خلفية مخرجيه، فأبراهام وزور كانا من المخرجين المشاركين في "لا أرض أخرى"، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025، وهو عمل وثّق اعتداءات المستوطنين وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية.

غضب صهيوني وتحقيقات

وفي المقابل، انتقل الجدل حول "نازا" سريعاً من قاعات السينما إلى الساحة السياسية الصهيونية، بعدما هاجم رئيس حكومة الاحتلال مجرم الحرب بنيامين نتنياهو الفيلم، واصفاً إياه بأنه "تحريض صادم"، واتهمه بالمساهمة في تأجيج معاداة السامية، فيما رفض رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير ما ورد فيه، واعتبر أنه يشوّه صورة الجيش، مع بحث الجيش اتخاذ إجراءات قانونية بشأن الفيلم ومصادره.

ودعا وزير الثقافة الصهيوني ميكي زوهار إلى سحب الجنسية من المخرجين أبراهام وزور، واصفاً عملهما بأنه "خيانة للدولة"، في تصعيد أثار بدوره انتقادات ومخاوف بشأن حرية التعبير والعمل الصحفي والفني في كيان الاحتلال.

وتأتي هذه الحملة في وقت أصبح فيه «نازا» واحداً من أبرز الأعمال الوثائقية التي تناولت الحرب على غزة من داخل المجتمع الصهيوني نفسه، بعدما اختار مخرجاه الاستناد إلى شهادات أشخاص عملوا في المؤسسة العسكرية، بدلاً من الاكتفاء بشهادات الضحايا أو صور الدمار في القطاع.