من دهم المقر واحتجاز الصحفيين، إلى الحجب والملاحقات القضائية، وصولاً إلى إغلاق الموقع وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله ثلاثة ملايين جنيه مصري  واحتجازها عقب صدور الحكم، بلغت الإجراءات ضد موقع "مدى مصر" المستقل ذروتها في مسار يمتد لسنوات ويضع حرية الصحافة في مصر أمام اختبار جديد.

وقضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بإغلاق الموقع ومصادرة أجهزته ومعداته، وتغريم لينا عطا الله، في قضية تتعلق بإدارة موقع إلكتروني من دون ترخيص، وسط انتقادات حقوقية اعتبرت استهدافها جزءاً من التضييق على الإعلام المستقل.

وبحسب "مدى مصر"، احتجزت قوات الأمن لينا عطا الله عقب صدور الحكم. ونقل الموقع عن المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت، الذي حضر الجلسة، أن فريق الدفاع طلب وقتاً كافياً للاطلاع على أوراق القضية، لكن المحكمة رفضت طلباته الإجرائية، بما فيها ضم مستندات وسماع شهود. وأضاف بهجت أن القاضي أمر بإخلاء القاعة، باستثناء عطا الله وفريق محاميها، قبل أن يدخلها ضباط وحرس بملابس مدنية.

وبعد تمسك الدفاع بعدم تقديم مرافعته في ظل رفض طلباته، قررت المحكمة، بحسب روايته، انتداب محامٍ لم يكن معروفاً لفريق الدفاع، وتجاهلت اعتراضات لينا عطا الله ومحاميها على حضوره، قبل أن تسجل طلباته وتنطق بحكم الإدانة. وسبق الجلسة منع الصحفيين من دخول مقر المحكمة، ومن بينهم رئيسة لجنة الحريات في نقابة الصحفيين إيمان عوف. كما طُلب من صحفيين في محيط المحكمة تسليم بطاقاتهم الصحافية، قبل إعادتها إليهم من دون السماح لهم بحضور المحاكمة.

"مدى مصر" ومساعي الترخيص

يأتي الحكم بعد أيام من استدعاء لينا عطا الله إلى نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق في قضية جديدة، وإخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه وبعد سنوات من الملاحقات القضائية والإجراءات التي طالت الموقع وصحفييه، بما فيها اقتحام مقره وحجبه وإحالة صحفيات فيه إلى المحاكمة. وتؤكد إدارة "مدى مصر" أنها تسعى منذ عام 2018 للحصول على ترخيص لممارسة نشاطها، من دون أن تتلقى موافقة على طلباتها المتعاقبة.

قبل صدور الحكم، دعت منظمة هيومن رايتس ووتش سلطات الانقلاب إلى إسقاط الاتهامات الموجهة إلى عطا الله، معتبرةً أن ملاحقتها تأتي في سياق التضييق على الصحافة المستقلة. وقالت منظمة العفو الدولية إن إعادة استهداف رئيسة تحرير "مدى مصر" تأتي في سياق المضايقات القضائية المتواصلة بحق الصحفيين المستقلين، ودعت السلطات إلى وقف الملاحقات بحق عطا الله وفريق الموقع.

هذه القضية السادسة التي تطاول "مدى مصر" وصحفيين يعملون فيه ورئيسة تحريره خلال السنوات الست الماضية، وفق ما أورده الموقع ومنظمات حقوقية. ولا يعني ذلك أن جميع القضايا انتهت إلى أحكام إدانة، إذ تباينت الإجراءات بين الاستدعاء والتحقيق والإحالة إلى المحاكمة والحجب.

في أغسطس 2025، استدعت نيابة أمن الدولة العليا عطا الله للتحقيق في القضية رقم 6182 لسنة 2025، ووجهت إليها تهمتي "إذاعة أخبار كاذبة" و"استخدام موقع من دون ترخيص". وجاء الاستدعاء بعد نشر "مدى مصر" تقريراً استند إلى رسالة مسرّبة من محافظ الإسكندرية السابق حسن البرنس، المحتجز في سجن بدر 3، تحدث فيها عن انتهاكات داخل السجن، بالتزامن مع إعلان ذوي محتجزين دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على أوضاع الاحتجاز. وقررت النيابة إخلاء سبيل لينا عطا الله آنذاك بكفالة قدرها 30 ألف جنيه.

سنوات الملاحقة

في أكتوبر 2023، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إحالة "مدى مصر" إلى النيابة العامة وحجب الموقع ورابطه الإلكتروني لمدة ستة أشهر، متهماً إياه بممارسة النشاط الإعلامي من دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة من دون التحري من مصادرها. وجاء القرار بعد جلسة استماع لرئيسة التحرير بشأن تقرير نشره الموقع عن سيناريوهات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر في سياق العدوان الصهيوني على القطاع.

وكان المجلس قد أعلن، في 15 أكتوبر 2023، إحالة مسئولي الموقع للتحقيق وإخطار النائب العام في حال ثبوت المخالفات. وبعد ذلك، أعلن "مدى مصر" حذف التقرير لإعادة التأكد من دقة المعلومات الواردة فيه، واعتذر لقرائه، موضحاً أن مراجعة التقرير تأتي في ضوء حساسية اللحظة التي تزامنت مع الحرب على غزة، وحرصاً على مواصلة تغطية التطورات. ورغم حذف التقرير، مضى المجلس في قرار الإحالة والحجب.

في مارس 2023، أفاد "مدى مصر" بإحالة ثلاث صحفيات يعملن لديه إلى المحاكمة بتهم الإساءة إلى أعضاء في برلمان الانقلاب وإساءة استخدام وسائل الاتصال. وتعود القضية إلى تقرير نشره الموقع عن رصد أجهزة رقابية في الدولة تورط أعضاء بارزين في الهيئة العليا للحزب في مخالفات مالية جسيمة. ونفى الحزب صحة التقرير، فيما قدم أعضاؤه وأتباعه مئات الشكاوى ضد الصحفيات الثلاث.

في سبتمبر 2022، وُجهت إلى لينا عطا الله اتهامات من بينها إدارة موقع إلكتروني من دون ترخيص، برغم قول إدارة "مدى مصر" إنها تقدمت بأوراقها إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منذ عام 2018، وإنها لم تتلق رداً على طلباتها المتكررة. ويشكّل ملف الترخيص محوراً أساسياً في القضايا التي طاولت الموقع، إذ تستند السلطات إلى أحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، بينما تقول إدارة الموقع إنها سعت إلى استيفاء الإجراءات المطلوبة ولم تتلق ردوداً حاسمة على طلباتها.

قبل ذلك بعامين، ألقت قوات الأمن القبض على لينا عطا الله في محيط سجن طرة في القاهرة، أثناء إجرائها مقابلة صحفية مع الأكاديمية ليلى سويف، والدة الناشط علاء عبد الفتاح الذي كان حينها مضرباً عن الطعام في محبسه. وأعلن "مدى مصر" توقيف رئيسة تحريره ونقلها إلى النيابة، قبل أن تقرر نيابة المعادي إخلاء سبيلها بكفالة قدرها ألفا جنيه، على ذمة اتهامها بتصوير منشأة عسكرية من دون تصريح.

في نوفمبر 2019، اقتحمت قوات الأمن مقر "مدى مصر" في القاهرة، واحتجزت لينا عطا الله والصحفيين شادي زلط ومحمد حمامة ورنا ممدوح، قبل الإفراج عنهم لاحقاً. وقالت النيابة العامة إنها أذنت بتفتيش مقر الموقع استناداً إلى محضر تحريات قطاع الأمن الوطني، الذي زعم أن جماعة الإخوان المسلمين أنشأت الموقع لنشر أخبار وشائعات كاذبة بهدف تكدير الأمن العام. وأضافت النيابة أن التفتيش أسفر عن ضبط آلات ومعدات قالت إنها تُستخدم في "الجريمة".

وجاءت الاقتحام بعد نشر الموقع تقريراً عن تهميش دور محمود السيسي، نجل قائد الانقلاب، داخل جهاز المخابرات العامة. واحتُجز فريق العمل لساعات، وخضعت أجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة للتفتيش. وأثارت الواقعة انتقادات حقوقية وصحفية، فيما أكدت فرنسا تمسكها بحرية الصحافة وأمن الصحفيين، واعتبرت ذلك من محاور حوارها مع مصر بشأن حقوق الإنسان.

يذكر أن منظمة مراسلون بلا حدود تضع مصر في المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، مقارنة بالمرتبة 170 عام 2025. ويعكس التصنيف استمرار القيود المفروضة على العمل الصحفي، بما في ذلك الملاحقات القانونية والرقابة وحجب المواقع المستقلة. وتلفت المنظمة إلى استخدام اتهامات مثل "نشر أخبار كاذبة" و"الانتماء إلى منظمة إرهابية" في ملاحقة الصحفيين، فضلاً عن قوانين تسمح بمراقبة حسابات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف شخص.