م. هيثم أبو خليل

 

ما أروعه محراب التدوين الذي جعلنا نعرف ونتعرف على الكثير من المدونين الشرفاء الذين امتلأت قلوبهم وعقولهم بحب هذا الوطن، والعمل والسهر على رفعته وعزته، والقضاء على الظلم الذي يستشري بين جنباته!!.

 

نتكلم اليوم عن رجلٍ بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، رجلٍ في زمن عزَّ فيه الرجال، منذ أن عرفناه كان حلمه وهدفه وقضيته الأولى التي طالما حدَّثنا عنها هي حقوق الإنسان، وأن يحيا الإنسان في وطنه بكرامة وحرية، وكان كل ما يأمله ويكرره على أسماعنا هو وطن عربي بدون سجين رأي واحد.

 

هكذا وجدنا كمجموعة كبيرة من المدونين الدكتور إبراهيم الزعفراني- الأمين العام لنقابة الأطباء بالإسكندرية ورئيس لجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب- شعلةَ نشاط لا تهدأ، لا يكل ولا يمل؛ نتفق على موعد أو ورشة عمل فيكون أول الحاضرين، لا يفرض رأيًا ولا توجُّهًا، ورغم تباين توجهاتنا؛ فهذا مدون ليبرالي من حزب الغد، أو الوفد، وآخر ناصري، وآخر يساري، وآخر إسلامي أو إخوان؛ فلم نجد يومًا تفرقةً في التعامل أو في توزيع المهام؛ دائمًا يقول لنا إن وجود الآلاف من سجناء الرأي في بلادنا هو عارٌ سيلحق بنا جميعًا، ولن يفرِّق بين انتماءاتنا، ولن يرحمنا الله ولا التاريخ بسبب صمتنا وعجزنا.

 

ومرَّت الأيام، وبدأنا نرتبط أكثر وأكثر بهذا الدكتور النابه الذي جمعنا في تجمعٍ واحد، واتفقنا على عمل مدونة جماعية تكون صوتًا للمظلومين والضحايا، وجلسنا نفكر: ماذا نسمِّي هذه المدونة؟.. هناك من قال نسميها "مدونة مظلوم"، وآخر قال "مدونة صرخات"، فإذا بالدكتور الزعفراني يرفض بشدة ويقول: "مظلوم فيها نوع من الضعف والاستكانة"، ويضيف: "ما رأيكم أن نسميَها "يلا نفضحهم"؟!.

 

ويا له من اسم عبقري وافق عليه الجميع، واقترح الدكتور أن تكون كلمة الكاتب الكبير فهمي هويدي (إن لم نوقف التعذيب فلنفضحْه) نقطةَ انطلاقٍ لنا، وبدأنا العمل، وكان كلَّ يوم جديد وتطور في هذا التجمع المبارك للمدونين، فتم عمل أول تجمع حقيقي للمدونين في مصر في 18 أكتوبر 2007 والذي حضره أكثر من 500 مدون وحقوقي وناشط سياسي، وتمَّ الإعلان عن ميثاق شرف وطريقة عمل لمدونة "يلا نفضحهم"، وتمَّ الإعلان عن الخط الساخن رقم 0166885063 لتلقي بلاغات الضحايا ومن وقع عليهم ظلم أو انتهاك لحقوقهم الإنسانية.

 

وبدأت العجلة تدور، وتلقينا أكثر من 160 بلاغًا من حالات الانتهاك والتعذيب، وتمَّ التفاعل مع بعضها وعمل جلسات استماع لها، ومن ثم "تطييرها" لجميع وسائل الإعلام وجميع لجان حقوق الإنسان في العالم.

 

وبدأت "يلا نفضحهم" في الانتشار، وللأسف تدخَّلت الأيادي السوداء لوقف مدونة "يلا نفضحهم" من المنبع عن طريق شركة "جوجل"، والتي خضعت وتواطأت وأغلقت المدونة، فكان القرار بأن يكون هناك عمل على الأرض، ومن ثم كان مركز ضحايا للاستشارات القانونية والتأهيل النفسي لضحايا التعذيب بالإسكندرية، على أن نقوم بعمل مدونة أخرى أطلقنا عليها "يلا نفضحهم 2" تكون صوت المركز.

 

وكم كان الدكتور الزعفراني رائعًا ونحن نجهز هذا المركز خطوةً خطوةً!!، ويتحرك معنا بلياقةِ الشباب حتى أنجزنا المركز، وأصبح صرحًا وملجأً لكل مظلوم في بلادنا!!.

 

ومنذ أسبوعين اتصل الدكتور الزعفراني بنا جميعًا وقال لنا إن المواطن إبراهيم عبد النبي الذي انتهك عرضه ضابط الشرطة في قسم الدخيلة وألبسه قميص نوم ولف به في الشوارع، قد أخذ حكمًا قضائيًّا ضد الجاني بالسجن خمسة أعوام، ولا بد أن نكون أول المهنئين له.
وفعلاً انتظرنا الدكتور على محطة قطار سيدي جابر بعد يومٍ طويلٍ له في لجنة الإغاثة باتحاد الأطباء العرب بالقاهرة، وذهبنا مباشرةً إلى الورديان؛ حيث يسكن إبراهيم، وكم جرت الدموع حين هنَّأ الدكتور إبراهيم، وتحشرجت كلمات التهاني في حلقه وهو يرى سعادة أم إبراهيم المريضة باستعادة شرف ابنها.

 

وفي طريق عودتنا جاء لنا تليفون يفيد أن هناك أسرةً تم تشريدها في منطقة كفر عبده وإخلاؤها من مسكنها بالقوة لصالح مجموعة من أصحاب النفوذ؛ للاستيلاء على المنزل والأرض المقامة عليه المرتفعة القيمة والثمن، فيسرع الدكتور الزعفراني ويذهب لإحضار خيمة ونذهب معه للأسرة، ويشد على أيديهم ويثني على موقفهم الصلب بالمكوث في الشارع أمام المنزل غير متنازلين عن حقهم وبيتهم، ويتصل بأحد المحامين وأحد أعضاء مجلس الشعب، ويرسل لهم عائل الأسرة لتبني هذه القضية.

 

وكم من مواقف وأحداث مع هذا الدكتور الفذ يطول شرحها!!، والذي أعطتنا فرصة اعتقاله الحرية في أن نمدحه ونعطيَه حقَّه؛ فهو الفارس النبيل المخلص الذي تبنَّى أشرف القضايا.. إغاثة الملهوف في اتحاد أطباء مصر، ونصرة المظلوم في مركز ضحايا لحقوق الإنسان، ولو أمهله الوقت لكان أتمَّ حُلُمَه الأخير في إنشاء مركز (راسين في الحلال) لتزويج الشباب والبنات والمشاركة في حل قضية العنوسة.

 

يا سادة.. الكلام عن الدكتور إبراهيم الزعفراني يطول ويطول؛ فقصة حياته لمن يتابع مدونته (من الذاكرة) فيها العبر والكثير، ونحن لم نتناول إلا جزءًا يسيرًا من اهتماماته وإمكانياته.
يا سادة.. أعيدوا لنا الفارس النبيل؛ فحق لمصر أن تفخر أن فيها مثل الزعفراني وأمثاله، فبدلاً من التكريم يكون الاعتقال؟!!

 

ولن نطلب منكم أن تفرجوا عنه؛ فهذا المطلب لا بد أن نطلبه من عادل، وأنتم لا توجد هذه الكلمة في قاموسكم أصلاً!!.

 

وتبقي لنا كلمة: "نحن في انتظارك يا فارسنا العظيم، ونحن على الدرب سائرون، وللجلادين فاضحون، وللضحايا ناصرون".

-----------

haythamabokhalil@hotmail.com