كعادة كل عام يأتي 21 فبراير (يوم الطالب العالمي) على الطلاب في مصر دون جديد، فما زال الطلاب يعانون من القمع السياسي داخل حرمهم الجامعي، وما زالوا يُشطَبون من الانتخابات الطلابية ويحالون للتحقيق ويتعرَّضون للفصل التأديبي دون ذنب يقترفونه، وما زالوا يشتكون من ارتفاع أسعار الكتب الدراسية وكأن التاريخ يعيد نفسه في معاناة الطلاب، حتى وإن اختلف طبيعية هذه المعاناة!.

 

ويعدُّ 21 فبراير من كل عام يومًا خالدًا لواحدة من أولى وأنجح الحركات الطلابية النضالية في العالم، وهي الحركة الطلابية المصرية التي لفتت أنظار العالم أجمع إلى نضال طلاب مصر ودورهم الفاعل في تحرير أوطانهم؛ حيث لم تنجح قوة استعمارية كبرى، مثل بريطانيا العظمى آنذاك، في إيقافه ليظل هذا اليوم مفخرةً لكل الطلاب الأحرار.

 

أصل الحكاية

ففي 21 فبراير 1964 فتحت قوات الاحتلال البريطاني كوبري عباس أثناء مرور أكبر مظاهرة طلابية في مصر؛ ما أدَّى إلى وقوع عدد كبير من الطلاب في النيل وغرق الكثير منهم.

 

هذا اليوم الذي دعت إليه الحركة الطلابية وقتها، والتي كانت تضمُّ الطلاب المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين وعددًا من الأحزاب المصرية وبعض المستقلين، بأن يكون يومًا للجلاء، ودعت شعب مصر إلى إضراب شامل، وهي الدعوة التي استجابت لها مختلف فئات الشعب، فتعطَّلت المواصلات، وأغلقت المدارس والجامعات، وامتنعت المحالّ التجارية عن البيع والشراء.

 

وكان طلاب الأزهر في مقدمة النضال، فتحركوا من الجامع الأزهر مخترقين ميدان الأوبرا حتى وصلوا إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًّا)؛ حيث مقر ثكنات القوات البريطانية، وهو التحرك الذي واجهته القوات البريطانية المحتلة بفتح النار على المتظاهرين؛ ليصرَّ الطلاب على عقد مؤتمر شعبي اتخذت فيه قرارات بمقاطعة المفاوضات وأساليب المساومة والتمسك بالجلاء عن وادي النيل وإلغاء معاهدة 1936م.

 

لم ينتهِ الأمر عند هذا، بل زحفت المظاهرة إلى ميدان قصر النيل؛ حيث الثكنات البريطانية، واتجه قسم منها إلى ساحة عابدين فإذا ببعض السيارات العسكرية البريطانية المسلَّحة تخترق الميدان وسط الجماهير فجأةً لتدهم بعضهم تحت عجلاتها، وهو ما أثار ثائرة الطلاب ودفع جموع المواطنين إلى التلاحم معهم في صمود بطولي؛ كان نتيجته إحراق أحد المعسكرات البريطانية.

 

وانتقلت أنباء البطولات الطلابية المصرية في الوطن العربي كله لتعلن القوى الوطنية في السودان وسوريا ولبنان وشرق الأردن إضرابًا عامًّا تضامنًا مع طلاب مصر.

 

تطابق

 الصورة غير متاحة

طرد الحرس من الجامعة مطلب كل الطلاب

   قد يختلف الوضع الآن عما كان في 1946م من حيث الظروف السياسية، ولكن النضال الطلابي يبقى متشابهًا لدرجة كبيرة، فقديمًا عانى طلاب مصر الظلم والاستبداد الواقع عليهم من المحتل، واليوم يعاني الطلاب الظلم والقهر والتعسف الأمني ضدهم، وفتح أبواب الجامعة للأجهزة الأمنية وسياسة البطش والتنكيل التي تبدأ من التحقيقات إلى الاعتقال.

 

بالإضافة إلى ذلك يعاني الطلاب الكثير من أشكال القهر المادي والمعنوي؛ مثل مصاريف الكتاب الجامعي الذي ارتفعت في الفترة الأخيرة، فضلاً عن ضعف مستوى التعليم وتدنيه، فأصبحت الجامعة لا تؤهل بطريقة صحيحة إلى سوق العمل وزادت البطالة؛ الأمر الذي أسهم في عدم وجود أية جامعة مصرية ضمن أفضل 500 جامعة على مستوى العالم، على الرغم من أن العدو الصهيوني له 6 جامعات!.

 

كما يعانون من لائحة طلابية تقيِّد وتمنع أي نشاط سياسي حرٍّ داخل الحرم الجامعي وسيطرة كاملة على الطلاب فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا ورياضيًّا تحت مسمى واحد؛ هو اتحاد الطلبة التي تزوَّر نتائجه سنويًّا ويشطب كل صاحب اتجاه أو رأي يترشح له.

 

وبالرغم من كل هذا فإن الحركات الطلابية ما زالت يقظةً وحيةً تدافع عن مصر ووطنها العربي والإسلامي، فطلاب مصر هم الذين قدموا دماءهم في سبيل حرية هذا الوطن، وإن كانت مصر هي نبض الأمة العربية فطلاب الجامعة هم نبض هذا البلد، وهم أول من يقدم نفسه للدفاع عنه، والمطالبة بتحريره من الفساد والظلم، والمطالبة بالإصلاح والحرية، والاستمرار في المطالبة برفع يد الأمن عن حرم الجامعة، والمطالبة بلائحة طلابية تعيد الحياة للنشاط الطلابي.

 

نضال مستمر

فدور الطلاب تجاه مصر لم ينتهِ بعد، فقضايا الظلم والاستبداد وإهدار كرامة المواطنين وتعذيبهم لا تقل أهميةً عن قضية طرد المحتل، فكلاهما يمارس الظلم ويقهر الإنسان، فضلاً عن أنه من غير المعقول أو المقبول أن يكون من المصريين من يمارسون هذا الظلم والتعسف ضد أبناء الوطن.

 

وكما كانت مطالب الحركة الطلابية الأولى في مصر عام 1946 في التخلص من المحتل الغاصب؛ تتلخَّص مطالب النضال الطلابي الآن في التخلص من السطوة الأمنية وطرد الحرس الجامعي من داخل الحرم تبعًا للحكم التاريخي الذي أصدره القضاء الإداري، على أن يتولَّى حفظ الأمن داخل الحرم الجامعي إدارة الجامعة، بالإضافة إلى إلغاء اللائحة الطلابية القائمة، ووضع لائحة تعطي الحرية للطلبة في ممارسة أنشطتهم دون قيود والترشح للاتحادات الرسمية دون تقييد.

 

كما ينادي الطلاب بتخفيض المصاريف الدراسية التي تقول عنها الحكومة إنها مجانية، وتصل إلى أكثر من 500 جنيه لطلاب الانتساب، وأكثر من 170 جنيهًا لطلبة الانتظام، بالإضافة إلى تخفيض مصاريف الكتاب الجامعي، فضلاً عن مناداتهم بنظام تعليمي متطور يواكب العصر ويؤهِّل خريجي الجامعة لسوق العمل.

 

دروس

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الجليل مصطفى

   الدكتور عبد الجليل مصطفى (عضو حركة 9 مارس والأستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة) قال إن هناك تشابهًا كبيرًا بين ما يلاقيه الطلاب أثناء فترة الاحتلال من ظلم واستبداد، وما يلاقيه الطلاب الآن، مشددًا على أنه قد يصل إلى حدِّ التطابق، خاصةً في مواجهة الاستبداد الحكومي أو الاستعمار الفكري والثقافي والتبعية الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية.

 

وناشد الطلاب في تصريح خاص لـ(إخوان أون لاين) أن يتعلموا الدروس والعبر من زملائهم في الماضي، وأن ما أُخِذَ بالقوة لا بد أن يُستردَّ بالقوة، وأنه لن يضيع حق وراءه مطالب.

 

واستطرد: "الأمر لم يختلف كثيرًا عما كان من قبل، فقديمًا كان الاحتلال الإنجليزي واليوم الاحتلال الصهيوأمريكي الذي يسيطر على مقدرات الدولة وتوجهاتها وأمن الدولة الذي ينفذ أجندةً معينةً ضد أي طالب نشاط، مستنكرًا الوضع الأسوأ هذه الأيام في تبعية النظام المصري للولايات المتحدة الأمريكية ضد القوى الوطنية التي تتصدى لأركان الفساد في مصر".

 

واستنكر مصطفى التجاهل الإعلامي الرسمي لهذا اليوم وإنجازه في المدارس والجامعات، وقال إن الدور الكبير الذي لعبه الطلاب قديمًا دليلٌ على أن ما يقوم به طلاب الجامعات المصرية الآن من احتجاجات ومظاهرات خير وسيلة لاسترداد حقوقهم واستقلال جامعتهم.

 

وشدَّد على ضرورة أن تقود الحركة الطلابية حركة التحرر الوطني لتحرير البلاد من كل ما هو مستبدٌّ وظالمٌ، سواء داخل الجامعة أو خارجها، مشيرًا إلى أن السيطرة الأمنية لن تكون أكثر من الاحتلال رغم قسوتها، وأن من ضحَّى في سبيل رفعة مصر قديمًا ليس بأفضل من شباب هذه الأيام.