فقدت الحركة الإسلامية عَلَمًا من أعلامها، وشاعرًا من شعرائها الأفذاذ، وأحد مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين بفلسطين في الستينيات من القرن الماضي، وهو الدكتور عبد الرحمن أحمد جبريل بارود؛ وذلك في أبريل من هذا العام.

 

وقد نقل إليَّ هذا النعي أبنائي وزوجتي، أثناء زيارتهم لي في المعتقل (سجن برج العرب)، وكان لذلك النعي وقعٌ شديدٌ على نفسي، بكيته كثيرًا، وقمت ومَن معي- من الإخوة الفضلاء- بصلاة الغائب على روحه الطاهرة، وحكيت لهم ما أعرفه عنه، حكيت لهم حبه لله ورسوله، ودعوته، وجهاده، ولمَّا منّ الله علينا بالعفو من هذا الاعتقال الظالم، وهذا الاستبداد الفاحش، الذي يبطش بحرية الإنسان وأمنه وأمانه، ويعيث في الأرض فسادًا باسم قانون الطوارئ السيئ السيرة والسمعة، أقول.. لمَّا أذن الله لي بالخروج من المعتقل، رأيتُ لزامًا عليّ أن أبدأ أُولى كتاباتي عن هذا الرجل العظيم (الدكتور عبد الرحمن بارود)؛ وذلك لعدة اعتبارات منها:

 

1- تربطني به صلة نسب وقرابة، فهو عديلي أي متزوج بأخت زوجتي، وكان بيننا- بحكم هذه الصلة- علاقات حميمة وصلات متميزة، وحب متبادل على مدى ما يقارب الـ40 عامًا.

 

2- كما تربطني به أخوة الفكرة والعقيدة ورابط الغاية والهدف، فهو قد تربَّى على مبادئ دعوة الإخوان المسلمين منذ صباه الباكر، منذ تمَّ تهجير أسرته من "بيت دراس" وهي قرية قريبة من (أسدود) إلى أرض غزة واستقرت أسرته (قسرًا) في مخيم (جباليا) في شمال غزة العزة.

 

3- وقد جمعت بيني وبينه كذلك محنة الإخوان عام 1965م من القرن الفائت، وهناك كان التقاء الأجساد، واختلاط الآلام والدماء، والتعذيب البشع الذي استمرَّ يُلهب ظهور الآلاف من الإخوان على مدى ما يقارب العامين.

 

4- وقد تأثَّر الدكتور عبد الرحمن بارود بقضية بلاده فلسطين أيُّما تأثر، وتفاعل معها أيُّما تفاعل، وآمن أن الطريق لاستعادة الوطن السليب، لا يكون إلا بالعودة إلى الإسلام، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فالتزم- رحمه الله- الإسلام عقيدةً وسلوكًا ومنهجًا للحياة، وصارت قضية فلسطين شغله الشاغل، ومحط فكره وجهده وجهاده؛ حيث أحب بلاده حبًّا يفوق الوصف، وكرَّس قلمه وشِعره وحركته وجهاده لخدمة هذه القضية ونصرتها، واستجاشة مشاعر المسلمين، وحفز هممهم؛ لاستنقاذ فلسطين والأقصى من مخالب وأنياب الذئاب الضالة، من حثالة الصهاينة الغاصبين، ولا شك أن هذه المعاني وغيرها، يشاركه فيها كثير من العاملين لنصرة الحق من أبناء الحركة الإسلامية، ممن يعتبرون قضية فلسطين هي قضيتهم الأولى، وتأتي على رأس أوَّليات العمل الإسلامي وأولى متطلباته.

 

بعض ملامح شخصيته

وُلد الدكتور عبد الرحمن بارود في عام 1937م في قرية (بيت دراس) إحدى قرى اللواء الجنوبي (لواء غزة)، وهاجر مع أسرته وهو في الحادية عشرة من عمره، بعد أن احتلت العصابات الصهيونية قريته سنة 1948م إلى قطاع غزة؛ حيث استقروا في معسكر جباليا للاجئين شمالي القطاع، تعلَّم شيئًا من التعليم الابتدائي في مدرسة قريته، ثم أكمل تعليمه الابتدائي في مدارس وكالة غوث للاجئين الفلسطينيين الثانوية بغزة، وكان طيلة مراحل الدراسة من أوائل الطلاب (وذلك وفق ما يحكي عنه زميله ورفيق دربه الدكتور محمد صيام) ثم بُعث على حساب وكالة غوث للاجئين إلى مصر؛ ليكمل دراسته الجامعية، وهناك ظهر نبوغه وتميزه وتفوقه في مجالات اللغة العربية وآدابها.

 

ومن لطائف ما يحكي عنه الدكتور محمد صيام "أننا مجموعة الامتياز في تلك الدفعة في كلية الآداب كنا نجلس أمام لجنة الاختبار الشفهي، وهي لجنة من كبار الأساتذة، مثل الدكتور شوقي ضيف، والدكتورة سُهير القلماوي، والدكتور حسين مؤنس، وغيرهم من رموز اللغة العربية، فيسألوننا عمَّا شاء الله أن يسألونا عنه، ولكن أحدًا منهم لا يسأل الطالب (عبد الرحمن بارود) شيئًا عن المنهج الدراسي؛ لعلمهم أنه متبحر فيه، فيناقشونه في لجنة الامتحان في الأدب شعره ونثره، وكأنه واحد منهم".

 

ولم ينصرف إلى العمل بعد حصوله على ليسانس الآداب، بل بدأ دراسة الماجستير في التخصص ذاته بمنحة دراسية من جامعة القاهرة كأفضل طالب من الطلاب الوافدين، فنال الماجستير بتقدير "ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى" في أواخر عام 1962م.

 

ثم بدأ دراسة الدكتوراه في التخصص نفسه وبالمنحة نفسها؛ حيث حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى عام 1972م.

 

ولعلك تتساءل أخي القارئ لماذا- مع تفوقه ونبوغه الفائق- قد تأخر 10 سنوات، (من عام 1962م، حتى عام 1972م)، حتى تمكن من الحصول على درجة الدكتوراه؟

 

وأبادر فأقول: إنه قد قضى 7 سنوات رهين السجن والظلم والتعذيب منذ أحداث اعتقال الإخوان المسلمين في 1965م، وناله ما نال إخوانه في هذه المحنة السوداء الحالكة؛ حيث ابتعد قسْرًا وعنوةً عن استكمال دراسته، ومواصلة أبحاثه في مجال تخصصه، وبمجرد خروجه في عام 1972م، وكان قد استكمل أطروحته في فترة سجنه واعتقاله، نال هذه الدرجة (الدكتوراه) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.

 

وفي هذا العام 1972م، حدث أمران كانا لهما الأثر البارز في حياته:

الأول: أنه قد بنى بزوجته الأخت الفاضلة أم حذيفة، وهي كما أشرت شقيقة زوجتي، وأذكر أن الإخوان في معتقلهم بسجن مزرعة طرة، وقد تمَّ تجميعهم- القدامى منهم والجدد- من سجون طرة والقناطر وقنا، تمهيدًا للإفراج عنهم بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وبداية حكم الرئيس السادات، وكانت هذه الفترة فرصة خصبة؛ لتعارف الإخوان وتلاحمهم في محنتهم ردحًا طويلاً من الزمن، فحدثت زيجات كثيرة بين شباب الإخوان المعتقلين وبنات وأخوات الكثيرين، فكان في كل يوم يتم إعداد حفل زواج- ونحن في أواخر أيام المعتقل- الأخ فلان على ابنة أو شقيقة أو قريبة الأخ فلان.

 

وأذكر أنه كان من الأفراح المشهودة عقد زواج الدكتور عبد الرحمن بارود على الفاضلة أم حذيفة؛ حيث أبدى الجميع من الفرح والسرور والبهجة لما يحملونه من الحب والاحترام نحو الدكتور عبد الرحمن، ولمنزلته في قلوب إخوانه.

 

وكذلك للدور الرائد الذي قدمته الأخت أم حذيفة؛ حيث رضيت عن طيب خاطر وسماحة نفس أن ترتبط بأبي حذيفة، بعد ما تم تطليقها من الزوج السابق؛ حيث تبيَّن لها أنه قد خان العهد الذي من أجله ارتبطت به؛ وذلك يمثل قمة الوعي والفهم.

 

الثاني: أنه في هذا العام 1972م حصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي بتقدير "ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى"، ثم تعاقد في العام نفسه للعمل في التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، واستمر بعد ذلك أستاذًا غير متفرغ حتى أواخر أيامه رحمه الله، ووفقه الله سبحانه لأداء دور كريم؛ حيث غرس في طلابه أعمق معاني الانتماء للإسلام، داحضًا كل الافتراءات التي يشيعها أعداء هذا الدين، وكان في فكره النيّر وسلوكه المميز خير أسوة لأبنائه وإخوانه الطلاب.

 

بعض ما ناله في السجن الحربي

ولقد كان من وسائل التعذيب والتنكيل لنا في السجن الحربي تلك البدعة التي ابتدعها الزبانية، بأن يكون لنا طوابير رياضية أو عسكرية، وتمَّ تقسيم المعتقلين إلى مجموعات أو فصائل، ثم يُؤمر الجميع بالجري بالخطوة السريعة، وكان ذلك بمثابة إنهاك وإجهاد لنا، يُضاف إلى ذلك عدم حصول الواحد منَّا على أقل ما يحتاجه من غذاء من كثرة الجري في حوش السجن طوال ساعات اليوم، وما أكثر هذه الأيام وأشدها وأقساها.

 

وفي أحد هذه الأيام- أيام التعذيب بالجري- وأثناء استراحة بسيطة جدًّا، وتحت الشمس الحارقة، إذا بنا نفاجأ بارتطام جسم الدكتور عبد الرحمن بارود بالأرض، حيث أُغمي عليه من الإجهاد ووقْع أشعة الشمس عليه، ولم يدر إلا وهو يسقط بشدة على وجهه، وارتطم أنفه بالأرض، وسالت منه الدماء وكُسرت عظمة الأنف، وعمَّ الجميع الوجوم والحزن والأسى، وسالت دموعنا ونحن وقوف لا نملك شيئًا لدفع الأذى عن أخينا وحبيبنا الدكتور عبد الرحمن، ولسان حال الجميع يقول "اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس يا أرحم الراحمين".

 

وأخيرًا.. لا أحسب أنني قادرٌ على عرض جوانب الخير في شخصية فقدينا الغالي الدكتور عبد الرحمن بارود في هذه العجالة، وأرجو أن أتابع معكم في المقال التالي، بعض آثاره في أسرته، وكذلك قضية القضايا عنده، وهي فلسطين الحبيبة والسليبة، وكيف كان ذكره لها في أغلب القصائد التي اشتمل عليها المجلد الضخم، الذي صدر- قبيل وفاته بقليل يوم 2 ديسمبر 2009م- تحت عنوان "الأعمال الشعرية الكاملة" للشاعر عبد الرحمن بارود.

 

رحم الله أخانا الدكتور عبد الرحمن بارود، وأنزله منازل الصالحين، وأجزل له المثوبة والعطاء، وتقبَّل منه جهاده وصبره وبلاءه، وحقق ما كان يصبو إليه من نصرٍ مؤزَّر لفلسطين وعافية وسلامة للأقصى.

إن الله بالغ أمره، قد جعل لكل شيء قدرًا.