كشف مصدر فلسطينيٌّ مطَّلع عن حقيقة ما جرى خلال الأسابيع الماضية بشأن ملف المصالحة بين حركتي "حماس" و"فتح"، عن الأسباب الحقيقية لملف المصالحة، الذي شهد تصاعدًا لأجواء التفاؤل بقرب تحقيقها، ثم التراجع والوصول إلى حالة من التشاؤم والإحباط.
وأشار المصدر- الذي شارك في اجتماعات لجنة المصالحة التي شكَّلها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بموجب قرار رئاسي، في تقرير نشره المركز الفلسطيني للإعلام- إلى أن الأمور كانت في طريقها إلى الانفراج والاقتراب من اتفاق يُنهي حالة الانقسام الداخلي، لولا اصطدام الجهود بعقبة الرفض المصري وتراجع رئيس السلطة عن تفويضه لهذه اللجنة.
وقال: إنه بعد أيام من مجزرة "أسطول الحرية" توالت- وبشكل مفاجئ- جهودٌ وأفكارٌ جديدةٌ للمصالحة الوطنية بين حركتي "حماس" و"فتح"؛ حيث أصدر رئيس السلطة محمود عباس قرارًا قبل زيارته المعلنة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 5 يونيو 2010م، بتشكيل وفد مكون من أعضاء اللجنة التنفيذية وممثلي بعض الفصائل وشخصيات وطنية، تكون مهمته بحسب نصِّ القرار "العمل على تذليل العقبات والعوائق التي تحول دون توقيع وتطبيق الوثيقة المصرية المتعلقة بالمصالحة الوطنية".
وحسب نص القرار أيضًا، فإن الوفد الذي يرأسه رجل الأعمال منيب المصري يضمُّ 16 عضوًا بينهم 5 من قيادات فتح هم: (جبريل الرجوب، وعزام الأحمد، وغسان الشكعة، ومحمد أشتية، وأسعد عبد الرحمن)، إضافةً إلى عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وعدد آخر من الشخصيات المستقلة؛ بحيث يقوم الوفد بمهامِّه الموضَّحة في القرار خلال أسبوعين من تاريخه.
وأضاف: "في 10 يونيو 2010م عقد وفد المصالحة اجتماعه الأول في رام الله، بحضور 9 من أعضاء الوفد، وغياب الآخرين، من بينهم الممثلون عن حركة "فتح"، لأعذار مختلفة؛ حيث اتفق المشاركون على بنود مهمة، من أبرزها تحديد مهمة اللجنة بعبارات واضحة، وهي التوصُّل إلى "تفاهمات فلسطينية- فلسطينية يتم التوقيع عليها إما قبل التوقيع على الورقة المصرية أو بالتزامن معها"، كما اتفق المشاركون على التقدم باقتراح لعقد اجتماع مع عباس لعرض ما توصَّل إليه الوفد.
واستطرد: "بعد هذا الاجتماع بيومين استضاف رجل الأعمال الفلسطيني منيب المصري الاجتماع الثاني للوفد في منزله؛ حيث حضر أعضاء من "فتح" الاجتماع، بينما غاب عزام الأحمد وجبريل الرجوب، وتمَّ فيه التأكيد على ما اتُّفق عليه في الاجتماع الأول".
وأشار إلى أنهم شدَّدوا على ضرورة تمثيل حركة "حماس" بعضوين على الأقل في لجنة المصالحة؛ أسوةً بحركة "فتح"، وجاء في محضر الاجتماع ما نصُّه: "بحث الاجتماع فكرة ضمِّ عضوين أو أكثر للوفد من حركة "حماس"؛ حتى يحدث توازن؛ لأن حركة فتح ممثلة".
![]() |
|
القرار الصادر عن رئاسة السلطة بتشكيل وفد المصالحة |
وأضاف: "في اليوم التالي التأم الوفد مجددًا، وبحضور عزام الأحمد؛ الذي أبدى معارضةً شديدةً لما تمَّ التوافق عليه في الاجتماعين الأول والثاني، وهو موقفٌ رفضه جميع أعضاء الوفد بمن فيهم أعضاء "فتح"؛ ما أدَّى إلى تراجعه ورضوخه للإجماع".
وكشف المصدر أنه في هذا الاجتماع تمَّ الاتفاق على التوجه لرئيس السلطة وإطلاعه على ما توصلت إليه اللجنة حول مهامها، والحصول على موافقته الواضحة على ذلك قبل التوجه إلى قيادة "حماس" في دمشق وغزة، وتمَّت صياغة كتاب بموقف اللجنة لتسليمه لمحمود عباس.
وأشار المصدر إلى أن اجتماع اللجنة الثالث شهد استعراضًا لاتصال جرى مع حركة "حماس" في دمشق التي رحَّبت بزيارة الوفد.
واستطرد: "أجواء التفاؤل التي سادت أجواء اجتماعات اللجنة، سرعان ما تبدَّدت عند عودة رئيس السلطة من جولته التي شملت واشنطن والقاهرة؛ ليسمع منيب المصري حديثًا غير الذي اتفق عليه مع الرئيس عباس"، وهو ما اتضح من خلال المقارنة بين القرار الرئاسي ومحضر اجتماع منيب المصري مع عباس.
وأضاف المصدر أنه في 18 يونيو 2010م التقى عباس بمنيب المصري، وخرج المصري من الاجتماع معتبرًا موقف عباس الأخير انقلابًا على التفويض الذي حصلت عليه اللجنة، وجاء في محضر اجتماع المصري مع عباس- الذي أعدَّه مكتب رئيس السلطة- ما نصُّه: "يذهب السيد منيب المصري لوحده أو مع عدد قليل من أعضاء اللجنة- ليس من بينهم أي عضو في فتح- إلى دمشق للقاء خالد مشعل"!.
وأشار إلى أن محاولة إنهاء عمل اللجنة وسحب كل صلاحياتها من قِبَل الرئيس عباس لم تقف عند حدِّ التدخل في تشكيلة الوفد إلى دمشق، بل امتدَّت محاولات إفشال وإنهاء عمل اللجنة من قبل عباس لتحديد الموضوع الذي سيطرح مع مشعل، وورد في المحضر الرسمي الصادر عن مكتب عباس: "الموضوع الوحيد الذي يطرح (خلال لقاء الوفد مع مشعل) هو المطالبة أولاً بالتوقيع على الورقة المصرية، وبعد ذلك تبحث كل الملاحظات الأخرى"، وهو ما ترك حالةً من الصدمة لدى المصري وأعضاء وفد المصالحة، على حدِّ قول المصدر.
![]() |
|
محضر اجتماع منيب المصري بعباس |
وأضاف: لم يكتفِ عباس بكل هذه العراقيل التي وضعها في وجه المصالحة من خلال إفراغ عمل اللجنة من مضمونها، بل وضع اشتراطاتٍ سياسيةً على الحكومة الفلسطينية التي ستتشكَّل بعد إتمام المصالحة؛ حيث جاء في المحضر ما نصُّه: "تشكيل حكومة فلسطينية من شخصيات وطنية مستقلة يتفق على أعضائها، وتكون هذه الحكومة ملتزمةً ببرنامج الرئيس، وأنه من يتولَّى العمل السياسي والمفاوضات"!.
وأكد المصدر أن لقاءهم مع محمود عباس كان مفاجئًا، مشيرًا إلى أنهم خاضوا نقاشًا عقيمًا وبلا جدوى معه؛ حيث إنه رفض أية فكرة غير أن توقِّع "حماس" على الورقة المصرية، وحصر مهمة الوفد بإقناعها والضغط عليها؛ لتوقيع الورقة المصرية أولاً وقبل كل شيء.
وأضاف: "عندما ناقشناه بأن القرار الذي صدر عنه يشير بوضوح إلى أن مهمة الوفد "تذليل العقبات والعوائق التي تحول دون توقيع وتطبيق الوثيقة المصرية"؛ بدأ عباس محاولة التحذلق والتشاطر على الوفد في تفسيره لمعنى "تذليل العقبات"، وأنها حسب قناعته تعني فقط الضغط على حماس لتوقيع الورقة، وهو ما أغضب الحضور الذين اعتبروه استهتارًا بعقولهم!.
وبحسب المصدر، شدَّد أعضاء اللجنة على أن ذلك لا يحلُّ المشكلة، وأن المطلوب هو معالجة تحفظات حماس على الورقة المصرية من خلال حلٍّ مناسبٍ وتقديم تفاهمات فلسطينية- فلسطينية، تُقدِّم تفسيرًا مقبولاً لهذه التحفُّظات، إلا أن عباس ومنطقه تصدَّى للجميع، ومنهم السيد حنا ناصر، وهاني المصري، وقيس عبد الكريم، وعبد الرحيم ملوح، بينما لم يسمح عباس لفدوى البرغوثي عضو الوفد- زوجة المناضل مروان البرغوثي- من أن تُدلي برأيها.
وأضاف: "بعد هذا الاجتماع العاصف والمفاجئ، كان هناك استياء بالغ لدى معظم أعضاء الوفد من تراجع عباس عن مواقفه، واستهتاره بعقولهم، وإعادته الأمور إلى المربع الأول، وتفريغه لدور ومهمة الوفد من مضمونها، وقرر بعضهم إنهاء عمل اللجنة، وأنهم سيعملون كمستقلين على إنجاز تفاهمات فلسطينية- فلسطينية، ويحاولون عرضها على كلٍّ من "فتح" و"حماس"، واعتبروا أنه في الوقت الراهن وفي ضوء موقف عباس، فلا جدوى من زيارة دمشق أو غزة.
وكشف المصدر أن التغيُّر الذي طرأ على موقف عباس حول مهمة الوفد، جاء بعد عودته من القاهرة، التي خرج وزير خارجيتها أحمد أبو الغيط في 19 يونيو 2010م، أي بعد يوم من اجتماع عباس بمنيب المصري؛ ليعلن رفض أي تعديل على الورقة المصرية، ويزيد على ذلك بالقول إن الموقف المصري لم يتغيَّر، ويصرُّ على توقيع الوثيقة من جانب الجهة المعنية "حماس" كما وقَّعتها "فتح"، وأنه لا استعداد لديه للسماح بأي تعديلات لهذه الوثيقة مهما كان شكل هذا التعديل، سواءٌ تعديل مباشر بتغيير الصياغات أو حتى إضافات عليها في صورة ملحقة، وهو ما يتطابق مع موقف رئيس السلطة!.
وأوضح المصدر أنه في اليوم ذاته، وفي اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير برئاسة عباس، والذي خصص الجزء الأكبر منه لموضوع المصالحة؛ فاجأ عباس الحضور- ومنهم من هو عضو في وفد المصالحة- بالقول: إنه طرح على مصر ما أوكله إلى الوفد من مهمات، لكنَّ الرد المصري كان حاسمًا بالرفض القاطع، وأن المطلوب أولاً هو توقيع الورقة، خاتمًا بالقول: "لا أستطيع أن أُغضب مصر".
وقال المصدر: إنه بالتوازي مع مساعي وفد المصالحة المكلَّف من عباس، كان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى يسمع مقترحًا من رئيس الحكومة الفلسطينية في غزة إسماعيل هنية في نفس الاتجاه، مضمونُه أن يجري التفاهم الفلسطيني- الفلسطيني حول القضايا الخلافية، ويتمَّ توقيع الفصائل على هذه التفاهمات بمباركة مصرية (وعربية إن أمكن)، وبعد ذلك يتم توقيع الورقة المصرية؛ حيث تصبح الورقة المصرية والتفاهمات الفلسطينية هي مرجعية عملية المصالحة الفلسطينية، وقد اعتبر موسى فكرة التفاهمات الفلسطينية مخرجًا لعقدة المصالحة؛ حيث أرسل مقترحًا منه يرتكز على هذه الفكرة إلى دول عربية.
وأضاف: "الرئيس المصري حسني مبارك وافق على مقترح عمرو موسى، حسب ما ذكره عباس في اجتماع تنفيذية المنظمة، وفقًا لمحضر الاجتماع: "حسني مبارك وافق على رسالة عمرو موسى، وكذلك أنا وافقت"، وهو ما يتعارض مع تصريحات أبو الغيط، التي قال فيها: "نرى أن هناك الكثير من التقارير الخاطئة التي نُشرت عن عملية المصالحة، وهي لا تعكس الموقف المصري".
واختتم: "أصبح واضحًا أنه خلال أسابيع قليلة، تمَّ إجهاض جهود المصالحة، سواء جهود الوفد الذي شُكِّل بقرار من رئيس السلطة محمود عباس، وعاد وتنصَّل منه بعد زيارته للقاهرة وواشنطن، وجهود عمرو موسى بناءً على مقترحات إسماعيل هنية، وتنصَّلت منها القاهرة، وتبعها عباس، رغم تأكيده أن الرئيس مبارك نفسه قد وافق عليها"!.

