انعكس انقطاع الكهرباء إثر رفض قوات الاحتلال تزويد محطة توليد الكهرباء بالسولار الصناعي لتشغيلها على الأوضاع الصحية المتدهورة في غزة، وبات الكثير من الخدمات في قطاع غزة مهددًا بالتوقف في حال أبقى الاحتلال على سياسة إغلاق المعابر التي ينتهجها منذ فوز حماس بالانتخابات التشريعية.
آخر أشكال المعاناة التي يعيشها القطاع المحاصر هو انقطاع التيار الكهربائي عنه؛ الأمر الذي ترك آثارًا وتداعيات خطيرة على حياة المواطنين، وخاصةً على المرضى في المستشفيات؛ حيث تنقطع الكهرباء عن المستشفيات والمراكز الصحية والصيدليات لمدة 16 ساعة يوميًّا؛ مما يُنذر باقتراب كارثة إنسانية وصحية.
فالحاجة أم أشرف لم تُحرِّك ساكنًا، عيناها تدور في أروقة الغرفة تارةً على الأسرة والمرضى من حولها، وتارةً أخرى تحدق في الأنابيب التي تحيط بجسدها، وكأنها تستجديها بألا تتوقف.
لم تستطع الحديث بعدما طال صمتها تولت ابنتها المهمة: "إن لم تقم والدتي بغسيل الكلى ثلاث مرات أسبوعيًّا ستتعرض حياتها للخطر الشديد ونفقدها للأبد، خاصةً بعد أن قلص المستشفى عدد مرات الغسيل لواحدة فقط".
وأضافت لـ(إخوان أون لاين): "حياتنا معلقةً على الكهرباء والوقود.. غيابهما يعني الموت.
المريضة صفية حجاج (60 عامًا) كانت الأكثر تأثرًا وألمًا بأزمة الكهرباء، وأخذت تصرخ: "لا تتركوني أتألم.. أعيدوا الكهرباء.. ارحموني.. سأموت".
وحذَّرت وزارة الصحة بغزة من وقوع كارثة إنسانية كبيرة وحادة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لمدة تزيد عن 16 ساعة يوميًّا، وتوقعت الوزارة- في بيانٍ وصل (إخوان أون لاين)- أن تتوقف عشرات ومئات الأجهزة الطبية خلال اليومين المقبلين نتيجة النقص الحاد جدًّا في الوقود.
وناشدت الوزارة كافةَ المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية التدخلَ الفوري لإدخال وضخ الوقود داخل المستشفيات، مؤكدةً أن الحاجة تزداد يوميًّا إلى استمرار التيار الكهربائي للمرضى المتواجدين على الأسرَّة في المستشفيات.
وأوضحت الوزارة أن استهلاكها الشهري للوقود يصل إلى 180 ألف لتر، مشيرةً إلى أنها تحتاج إلى 6 آلاف لتر من الوقود المحترق؛ لتشغيل المولدات الكهربائية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي.
الممرضة آلاء محمد في مستشفى الشفاء تحدثت عن حجم المأساة والكارثة في قسم الولادة الأكبر تأثرًا بانقطاع التيار الكهربائي؛ نظرًا للعناية الفائقة التي يحتاجها الأطفال حديثو الولادة غير مكتملي النمو.
وقالت: إن "انقطاع الكهرباء يعني حالات وفاة جماعية للمرضى في أقسام العناية المركزة، ولأولئك الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي، فضلاً عن الحضانات للخدج.. نحن الممرضون لا نستطيع المساعدة إلا بالقليل وننتظر الفرج من السماء".
وأطلقت وزارة الصحة في غزة نداءَ استغاثة؛ لإنقاذ مئات الأطفال الرازحين في حضّانات المستشفيات التي باتت على المحك نتيجة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.
ويقف موضوع توفير الوقود عائقًا أمام عمل القطاع الصحي؛ حيث تعاني مستشفيات القطاع من نقصٍ حادٍّ نتيجة انقطاع الكهرباء بمعدل 12- 16 ساعةً في اليوم؛ ما يزيد استهلاك الوقود الذي بدأت كمياته تتناقص مع تزايد أوقات الانقطاع.
وطالبت الوزارة شركة توزيع الكهرباء بإبقاء التيار الكهربائي داخل المستشفيات؛ حفاظًا على أرواح مئات المرضى الراقدين على الأسرة، وإلا فإن كارثةً إنسانيةً كبيرةً قد تقع بين عشيةٍ أو ضحاها.
يُذكر أن البنك الدولي يورد قرابة 100 ألف لتر للمستشفيات؛ وذلك بصورة غير منتظمة، ودون تخصيص، وبدون تنسيق.
وكان نائب رئيس سلطة الطاقة في غزة كنعان عبيد أكد أن محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة توقفت عن العمل مساء الجمعة بسبب نفاد الوقود.
وقال عبيد في تصريحٍ خاص لـ(إخوان أون لاين): إن محطة التوليد أبلغتهم بذلك لعدم وجود وقود، مُحملاً وزارة المالية في رام الله المسئولية عن هذه الأزمة بتقليصها لكميات الوقود الصناعي اللازمة لتشغيل محطة توليد الكهرباء بالشكل المطلوب.
وحمَّل كنعان عبيد، نائب رئيس سلطة الطاقة التابعة للحكومة في غزة، مسئوليةَ توقف المحطة عن العمل إلى "وزارة المالية في رام الله (التابعة للسلطة الفلسطينية) التي تمتنع عن دفع ثمن الوقود لشركة النفط".
وأضاف: "أفعالهم لا تنم إلا عن الرغبة في عقاب وحصار أهل غزة، فشركة توزيع الكهرباء تقوم بإرسال ثمن الوقود لوزارة المالية باستمرار".
من جهتها ناشدت شركة توزيع الكهرباء كافة الجهات الوطنية والسياسية بمختلف مواقعها إلى تحمل مسئولياتها لمعالجة العجز الذي تعاني منه الشركة، والذي وصل إلى 60% بأقصى سرعة ممكنة؛ وذلك من خلال توفير كميات الوقود اللازمة لتشغيل مولدين في محطة توليد الكهرباء، ما سيخفف المعاناة الكبيرة والخطيرة عن أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة، ويجنبهم كارثةً محدقةً بمرافقهم وخدماتهم ومصالحهم عامة.
وناشدت الشركة "الأشقاء العرب" عبر جامعة الدول العربية اتخاذ موقفٍ إيجابي فاعل للمساعدة في الخروج من الوضع الراهن والصعب؛ وذلك بتمويل الوقود المشغل لمحطة التوليد أو المساهمة في ذلك.
وقالت الشركة في بيانٍ لها: "إن توقف محطة التوليد عن العمل بالكامل زاد من نسبة العجز الموجود إلى 60%؛ حيث إن المطلوب الكهربائي الحقيقي لمحافظات غزة (الأحمال الفعلية) وصل إلى 300 ميجا وات، في حين أن المتوفر بعد توقف المحطة هو 137 ميجا وات فقط، وأن توزيع هذه الكمية المتبقية على مجمل ساحات واحتياجات قطاع غزة، سيتم ضمن برنامج طارئ يعكس حسابيًّا الكمية المتوفرة التي ستوزع على الجميع بدءًا من اليوم السبت بواقع إيصال التيار لكل منطقة لمدة 6 ساعات يليها فصل للتيار لمدة 12 ساعة، وهكذا تتكرر حتى تطرأ أية تغيرات على كمية الطاقة المتاحة.
كما ناشدت الشركة المجتمعَ الدوليَّ بتشكيلاته السياسية ومنظماته وهيئاته الإنسانية والدولية والأممية تحملَ مسئولياته تجاه الأزمة الراهنة، داعيةً في الوقت ذاته جميع المواطنين للتعامل بمسئولية عالية، والإيفاء بالتزاماتهم وواجباتهم تجاه الشركة.
وطالب "جون جنج" مدير عمليات الأونروا في قطاع غزة بحل سريع وفوري لمشكلة الكهرباء في قطاع غزة، مؤكدًا أن المشكلة فلسطينية- فلسطينية، وقال: "على الفلسطينيين أن ينهوا تلك المشكلة المأساوية بينهم حتى نُركِّز جهودنا نحن في المنظمات الدولية لإنهاء الحصار بصورة شاملة وكاملة".
وقال جنج في مؤتمر صحفي عُقد في مركز توزيع التفاح بمدينة غزة: "إن المطلوب هو إنهاء الحصار وليس تحسينه وتخفيفه، ويجب على المجتمع الدولي ترجمة أقواله إلى أفعال بإنهاء الحصار غير الشرعي واللاأخلاقي".
وتابع: "قطع التيار الكهربائي يُعقِّد حياة الناس ويوقفها تمامًا، ويؤدي إلى عرقلة كل أوجه النشاط، ولا يمكن أن تتواصل المشكلة إذا كان الفلسطينيون يملكون حلَّها ويجب عدم تشتيت الجهد وتركيزه؛ لإنهاء الحصار المدمر وغير الأخلاقي".
وقال: "النظام الاقتصادي والصحي والحياتي بغزة منهار تمامًا، وأكثر من 80% من سكانه يعتمدون على المساعدات الإنسانية"، وأكد أن سكان غزة لا يرغبون في الاعتماد على الغير ولا سبيل لتحسين ظروفهم إلا برفع الحصار وتوفير حياة كريمة وخلق آمال لهم في مستقبل أولادهم.
وأضاف جنج أن رفع الحصار عن غزة سيساعد في تهيئة أجواء الأمن والاستقرار في المنطقة، محذِّرًا من تضييع الفرصة السانحة للإنهاء الفوري للحصار غير الإنساني، فعشرات آلاف الأسر ما زالت تعيش على أنقاضِ بيوتها، ونظام الصرف الصحي ينهار والمياه ملوثة والاقتصاد مدمَّر.
وشكر جنج المملكة العربية السعودية على تبرعها "السخي بمليونَي دولار لشراء مواد غذائية للأونروا، وتبرعها أيضًا بـ1.9 مليون دولار لشراء أدوية"، موضحًا أن المملكة من الداعمين الكبار للأونروا، وتبرعها السخي يأتي في وقتٍ تحتاج فيه الأونروا إلى دعم كبير ومتواصل في ظلِّ عجز ميزانيتها.
ودعا مركز الميزان لحقوق الإنسان حكومتي رام الله وهنية إلى تغليب المصلحة الوطنية وتجنيب المواطنين مصادر جديدة للمعاناة وتحييد كل ما يتعلق بالخدمات والحريات الأساسية لهم.
واستهجن المركز استمرار الصراع الدائر بين الحكومتين والزج به في الخدمات الأساسية التي يتسبب تدهور مستوياتها في معاناة كبيرة للسكان، وجدَّد مناشدته الطرفين العمل على إنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني بأسرع وقت، مشددًا على أن استمراره يفضي إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبيَّن أن استمرار الانقسام يضعف نضال الفلسطينيين لنيل حقوقهم المشروعة في الحرية وتقرير المصير وإقامة الدولة، خاصةً أن سلطات الاحتلال تواصل جرائم التطهير العرقي في الضفة الغربية، وتعمل بخطى متسارعة على تهويد القدس المحتلة.